أقدم أمين للعاصمة يكشف أوراق بغداد في العشرينيات محمود الدفتري أحد الشخصيات التي لعبت دوراً مهماً في تاريخ العراق السياسي

تهحكهخحهخ

1

هذا الحوار اجراه معه الصحفي عادل العرداوي ونشر في مجلة امانة العاصمة عام 1977 وقد توفىي الدفتري عام 1979
جميل جدا أن يدخل الانسان برج الـ (90) عاما.. وذاكرته مازالت طرية ومتوهجة وبلمحة خاطفة تسدل الستارة على تراكمات السنين الطويلة التي خلفها «مشوار» العمر ،فعندما يتحدث محمود صبحي الدفتري ابن بغداد الذي انجبته في
14 كانون الاول 1889م.. تكون لذلك الحديث نكهة متميزة وخصوصية واضحة.. فالرجل عاش فترتين حاسمتين من تاريخ بغداد وتاريخ العراق.. جاء هذه الدنيا اواخر القرن التاسع عشر وعبره الى القرن العشرين.. اذن فالدفتري صورة حقيقية للماضي الطريف الذي لا نعرف من اسراره نحن ابناء هذا الجيل سوى النزر القليل.. وبما ان الدفتري اسم عريق تعرفه بغداد جيدا.. حيث انه رافقها وزاملها وخدمها وعمل من اجلها.. كما هي احتضنته وربته وانشأته بين جوانحها منذ ولادته وحتى يومنا هذا.. وبما ان لهذا الرجل الشيخ رفقة طويلة مع هذه المدينة العريقة ووشيجة حب لا ينفرط عقدها.. فقد بذلت مجلتنا قصارى جهدها في الوصول الى الدفتري.. والتحدث اليه.. وتحريك الكوامن والمشاعر الخافتة فيه رغم علمنا ان الرجل معتل الصحة ومتعب من ثقل الجسد وسنين العمر.. فكان ان ساعدنا للوصول اليه والتحدث لمجلتنا.. نسيبه الاستاذ خيري العمري وكذلك السيدة «لميس» كريمة الدفتري..
فشكرا لهما وله على فيض المعلومات والذكريات الجميلة التي رفدنا بها.. وحديثنا معه بمثابة اطلالة قصيرة على بغداد الامس.. وحياتها الاجتماعية والادبية والبلدية الخ..
هكذا ينصب الوالي الجديد..
يوم كانت بغداد ولاية تابعة للسلطان العثماني في (استانبول).. كانت هناك مراسيم معينة عندما يقرر السلطان تعيين الوالي الجديد لولاية بغداد.. واجراءات رسمية معروفة انذاك.. والدفتري عايشها وحضرها خاصة ايام العثمانيين في العراق.. سألته عن تلك المراسيم والاجراءات.. قال لي: بالفعل اني شاهدت بنفسي هذه الاجراءات بالنسبة الى واليين:
الوالي عبد الوهاب باشا والوالي سليمان نظيف.. وهو الاديب التركي المعروف الذي تولى ولاية بغداد.
وكان البغداديون يهرعون الى استقبال الوالي الجديد من خارج بغداد، عندما يصلهم خبر وصوله. وقد جرت العادة ان يجعل الولاة موعد وصولهم الى الولاية خلال اوقات الدوام الرسمي ليذهبوا مباشرة الى السراي ـ القشلة وعند وصوله السراي تطلق المدفعية طلقات تحية له معلنة للناس وصوله السراي ومباشرته عمله.
وبعد وصوله يعين الوالي يوما معينا لتلاوة (الفرمان الهمايوني) اي المرسوم السلطاني الذي يتضمن ديباجة خاصة يخاطب فيها السلطان الوالي الجديد بما معناه، انه بالنظر لما اعهده عنك من اخلاص ولما لبغداد من اهمية خاصة فقد قررت تعيينك واليا عليها فعليك ان تبذل جهودا مخلصة لادارة امورها ورعاية مصالحها وفي اليوم المعين الذي يحدد فيه موعد تلاوة (الفرمان) يحضر كبار الموظفين العسكريين والمدنيين بملابسهم الرسمية يحملون اوسمتهم، كما تحضر وجوه الولاية واعيانها ورجال الدين حيث يتم ذلك الاجتماع ويطلع الوالي الجديد وهو يحمل الفرمان ويسلمه الى احد كبار موظفي الولاية والاغلب يكون ذلك الموظف (المكتوبجي) اي سكرتير الولاية وبعد ان يقبله بخشوع ويفتح ياخذ بتلاوته على الحضور بصوت جهوري وحينئذ يقوم الجنود برفع اسلحتهم تحية للفرمان السلطاني.
وبعد تلاوة الفرمان على النحو المذكور.. يقف الوالي الجديد ويلقي كلمة مناسبة تعبر عن ولائه للسلطان ورجائه في ان يوفقه الله الى ما فيه مصلحة الولاية، ثم يتقدم احد رجال الدين لقراءة وترديد بعض الادعية الدينية. حتى اذا انتهت هذه الاجراءات ينصرف الحاضرون متمنين الخير والتوفيق للوالي الجديد.. والفارق كبير جدا.. طلبت من الاستاذ الدفتري ان يحدد لنا بعض ملامح هذه المدينة اواخر القرن التاسع عشر بعدّه واحدا من ابنائها القدامى.. كانت بغداد في تلك الايام.. والى سنوات خلت مجموعة ازقة (ودرابين) ضيقة تجتمع في احياء مختلفة بحيث يكون كل حي وحدة مستقلة لها مسجدها وحمامها ومختارها وحلاقها، تستيقظ فجر كل يوم على اصوات المؤذنين الذين يدعون اهل بغداد الى الصلاة، او على اصوات نداءات الباعة المتجولين، فتدب الحياة مع الفجر وينصرف الناس الى اعمالهم، الموظف الى السراي، التلميذ الى الكتاب، البقاء الى الحانوت، فكانت الازقة على ضيقها تعج بهذه الاصناف وتزدحم بهم. وكانت البلدية تتولى سد الاحتياجات العامة من تأمين الحراسة في الليل، الى القيام بتنوير الازقة وتنظيف الدرابين ورفع
النفايات، وبطبيعة الحال لم تكن الكهرباء في ذلك الوقت موجودة، فكانت تستخدم (اللمبات) النفطية فعندما يحل المساء ويزحف الظلام يسرع موظفو البلدية المسؤولون عن التنوير الى اشعال تلك (اللمبات) وهم يطوفون حاملين السلم الخشبي ليصعدوا الى مكان موضع اللمبة حيث يضع الموظف المسؤول الزيت ثم يشعلها وينصرف، ويسمى هؤلاء المستخدمون (اللمبجية).
والماء بعدّه المادة الاساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، كان ينقل الى الدور بوساطة (السقاء) من النهر، فكان السقاء شخصية معروفة في الاحياء ينادي باعلى صوته عندما يصل حاملا الماء على ظهر حماره ليعلن الى اهل الدار وصوله. وكان على الاغلب يوصي الاهالي هذا السقاء ان يجلب لهم الماء من (نصف الشط) وليس من جانب النهر حيث ان الماء في منتصف النهر انقى وانظف.
اين يقضي البغدادي فراغه ايام زمان؟ ويواصل الدفتري ذكرياته معنا.. فيتحدث لنا عن ملامح الحياة الاجتماعية السائدة ايام الاحتلال الانكليزي واوائل الحكم الوطني بقوله: لم تكن هناك (نواد) بل كانت اجتماعات الناس تتم في المقاهي حيث يلتقون مع بعضهم، ويجلسون على تخوتها يدخنون (النركيله) ويشربون القهوة العربية، ويتناقلون الاخبار ويتبادلون الروايات والاحاديث واكثر ما كانت تلك الاحاديث تدور حول اوضاع الزراعة وشؤون الولاية وما يقع من مغامرات يمارسها الشقاة ضد الجندرمة (الدرك).
اما علية القوم فقد كانت لهم مجالسهم الخاصة في بيوتهم حيث يستقبلون ضيوفهم، فقد كان والدي فؤاد الدفتري، كما كان جدي اسماعيل من قبله، يستقبل زواره في يوم الجمعة وكان يسمي مجلسه بصالون الجمعة وكانت تلك المجالس تمثل بيئة بغدادية تختلف عن بيئة المقاهي، فالاخيرة كانت عامة ترتادها الطبقات الشعبية من عمال وكسبة وغيرهم، اما الولاية فقد كانت تمثل بيئة خاصة من بيآت بغداد. وكان لكل محلة من المحلات مجالس خاصة يعقدها وجوه تلك المحلة، حيث يستقبلون ضيوفهم وزوارهم وكانت هناك اصول وتقاليد في تلك المجالس يحرص اصحابها وروادها على احترامها ومراعاتها، سواء من حيث ترتيب الجلوس ومكانه ام من حيث تقديم التبغ او القهوة.
كان صالون الجمعة تقليدا لبعض البيوت البغدادية.. طلبنا من الاستاذ الدفتري ان يوضح مهمة هذا الصالون ونوعية مرتاديه.. وذكرياته عنه:
بالنسبة لصالون الجمعة فقد بقي مفتوحاً بعد وفاة والدي، يتردد اليه الاصدقاء والمعارف ومنهم الاديب والمفكر والسياسي والتاجر والشيخ المعمم والشاب المتمدن ويطرح خلال انعقاده موضوعات شتى تعالج ما يشغل اذهان الناس في تلك المدة من امور تتعلق بالسياسة او تتصل بالادب. وكان الادباء حلية ذلك المجلس يخلعون على اجتماعاته متعة بما يتحدثون به ويتناقشون حوله، ولعل الزهاوي كان ابرز رواد ذلك المجلس في العشرينيات واوائل الثلاثينيات، يبكر في الحضور الى الصالون راكبا حماره ولا يخرج منه الا بعد انفضاضه. وكان يأخذ مكانا معينا من الصالون ويلتف حوله عدد من الادباء الشباب امثال احمد حامد الصراف، واكرم احمد ومحمد بهجة الاثري وروفائيل بطي وغيرهم يتلو عليهم بأسلوبه الخاص اخر ما ينظم من شعر وما قيل بحقه من مدح وثناء، وكثيرا ما كانت تثار المناقشات حول قصائده فيتصدى له البعض بالنقد فيثور الزهاوي ويعربد.
وكان من رواده في الثلاثينيات والاربعينيات والخمسنيات بالاضافة الى ما تقدم الاساتذة معروف الرصافي وابراهيم صالح شكر وعبد المسيح وزير ونوري ثابت المعروف بـ (حبزبوز) وطه الراوي وعبد الله الشواف ومنير القاضي من الادباء.وياسين الهاشمي وطه الهاشمي وجميل المدفعي وحكمة سليمان وعبد الوهاب محمود ويونس السبعاوي وحسين جميل وغيرهم من السياسيين.وقد جذب الصالون بعض الشخصيات العربية والاجنبية التي قدر لها ان تمر ببغداد او تقيم بها اقامة مؤقتة فكان عبدالعزيز الثعالبي وعبد الرزاق السنهوري وسعد الله الجابري ورياض الصلح وعلي الجارم ممن ترددوا عليه..
وكذلك الدكتور زكي مبارك الذي كتب عنه يصفه في احدى مقالاته الادبية التي تناولت ملامح المجتمع العراقي. كما زاره الفيلسوف التركي رضا توفيق، وفؤاد كويرلي الاديب والوزير التركي المعروف.. وخلال المناقشات التي كانت تقوم فيه كنت اومىء عندما اشعر بوجود حديث خاص لدى البعض يقتضي التكتم الى غرفة صغيرة متصلة بصالون الجمعة الذي ينعقد في داري في الحيدرخانة لننتقل اليها ونتحدث بحرية اكثر.وقد اتفق مرة ان فتح عمر نظمي وهو وزير داخلية انذاك باب هذه الغرفة فوقع بصره على محمد يونس السبعاوي وابراهيم صالح شكر وفائق السامرائي يتهامسون ببعض الاخبار السياسية فما كان منه الا ان اسرع بغلق باب هذه الغرفة قائلا:
(انها كورة الزنابير لست اؤمن نفسي من لدغاتها اذا دخلتها!!)..ومنذ ذلك اليوم سميت هذه الغرفة الصغيرة «الكورة».

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.