الداخل التركي ليس بهذا الاستقرار.. تركيا .. صراعات داخلية وانقلابات غير معلنة

عهمهعح

المراقب العراقي – متابعات

بعد ان تبرّأت شخصية محورية في الحكومة التركية “بولنت أرينج نائب رئيس الوزراء والصديق القديم للرئيس التركي” من رجب طيّب أردوغان, بدأ الحديث يعود الى أصل الأزمة وهو انزعاج الحكومة من تدخّل الرئيس في أعمالها وخاصّة في تعاملها مع عمليّة التفاوض على الأزمة الكردية، القضية الحاسمة بالنسبة للبلاد والّتي فتحها أردوغان أخيراً عندما كان وزيراً أوّل وتبدو هذه الأزمة الأولى في تاريخ حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان، وعلى الرغم من أنه من غير الممكن تقدير العواقب المحتملة على نحو جيّد، إلا ان ما يجري في الداخل التركي ينبئ بكارثة, فالطبيعة القابلة للتنبؤ بها هيكليا من هذه الأزمة الّتي من المرجّح أن تتكرّر إذا لم يتمّ إيجاد حلّ في حالة عدم اليقين القانوني الّذي يميّز العلاقة بين وظائف رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ومن حيث المبدأ، يعطي النظام البرلماني الحكومة الأولوية في تسيير الشؤون السياسية الداخلية والخارجية, وتخوّل وظيفة الرئيس الشرفية لحاملها أن يكون له دور وسلطة رمزيان حتى وإن كان في الواقع يتمتّع ببعض الصلاحيات للحجب والعجز لأنّ بعض القرارات الّتي تتّخذها الحكومة تحتاج توقيعاً لتدخل حيّز التنفيذ, ويتمّ تفعيل هذا الترتيب وتوزيع الصلاحيات طالما أنّ الحكومة منبثقة عن صناديق الاقتراع والرئيس معيّن من قبل البرلمان.

اردوغان يعبث بالدستور

وبرغم ذلك، قرّر رجب طيّب أردوغان بعد أن كان رئيس وزراء من 2002 و2014 البقاء في السلطة وتولّي دور الرئيس الّذي سيكون له صلاحيات واسعة ولتلبية طموحاته، تمّ تغيير إجراءات تعيين الرئيس وتمّ انتخاب أردوغان رئيسًا للجمهورية في اقتراع عام ومباشر، ويدّعي باسم هذه العملية الانتخابية لقب المقرر السياسي الأعلى وأدّى هذا التعديل إلى حالة نزاعية مع باقي الجهاز التنفيذي ويعتزم أردوغان لإنهاء هذه الحالة بعد الانتخابات التشريعية حيث يأمل في انتصار واسع لحزب العدالة والتنمية يسمح للبلاد باعتماد دستور جديد يركّز معظم السلطة التنفيذية في يد الرئيس وجعل النظام السياسي التركي رئاسيا على هذا النحو لا يناسب الجميع، ولكن يتمسّك به أردوغان ويؤكّد إرادته المطلقة لتحقيقه, وحقيقة أنّ الخلاف بين أردوغان وأرينج اندلع فيما يتعلّق بالقضية التركية ليس تافها إذ يشير إلى أهمية هذه المفاوضات لدى رأس السلطة لعواقبه على السياسة الداخلية كما الخارجية, كما يعطي أسبابا بالاعتقاد أنّ الحوار التركي الكردي متقدّم جدًّا، وهنا يكمن الدرس المهم الثاني لهذه الأزمة، وفي الواقع، في بداية الأزمة، لام أردوغان الحكومة بعدم إعلامه بكلّ القرارات الّتي اتّخذت من أجل مواصلة عملية السلام الّتي يعد نفسه أباها، وهو محقّ في ذلك باعتبار أنّه فتح المفاوضات مع حزب العمّال الكردستاني عندما كان رئيسا للوزراء، ويريد ضمان انسحاب المقاتلين من تركيا وإنهاء الكفاح المسلّح مقابل حلّ سياسي للقضية الكردية وكنتيجة لهذه المفاوضات، دعا زعيم حزب العمّال الكردستاني السجين عبدالله أوجلان المقاتلين إلى ترك السلاح للمرور إلى الكفاح السياسي، ومن المفترض أن يعقد مؤتمر لحزب العمّال الكردستاني قريبًا لبداية هذه القطيعة الّتي ستكون في حال التوصّل إليها ذات أهمية تاريخية لتركيا، ونهاية الصراع المسلّح، ويسعى الجانبان الحكومة والرئاسة إلى الحصول على القدر الأقصى من الامتيازات باعتبار الانتخابات التشريعية دعاية لحزب اردوغان ويمكن أن يقوّض هذا السباق الانتخابي المتمحور حول رسملة حلّ القضية الكردية عمليةَ السلام، ولكن في واقع الأمر ليس كذلك؛ إذ إنّ توقّعات الرأي العام قوّية جدًّا لدرجة أنّ الحكومة والرئاسة متخوفة من وصول هذا النزاع الداخلي إلى مستوى خطير يضرّ بالهدنة مع حزب العمّال الكردستاني وهذه الهدنة قيّمة جدًّا لدرجة حفظ حياة حزب اردوغان حاكما في تركيا، في حين أنّ العنف السياسي يقتل يوميا عددا كبيرا من مواطني الشعب التركي.

انقلابات غير معلنة

انقطع التيار الكهربائي عن أكثر من أربعين مدينة منها المدينتان الرئيستان (إسطنبول وأنقرة) كان هذا هو الانقطاع الأكبر منذ خمسة عشر عاما، أخرجت أغلب المتاجر والمجمعات والشركات مولداتها الكهربائية لتضج المدن بصوت محركاتها, توقف مترو الأنفاق والترام الكهربائي عن العمل مما أدى إلى زحام لم تشهد له تركيا مثيلًا وتكدس الضغط على المترو باص وأوتوبيسات هيئة النقل العام التركية وسيارات الأجرة بطبيعة الحال وهي وسائل لم تستوعب ملايين من البشر ممن كانوا يستعملون الوسيلتين الكهربائيتين بشكل منظم يوميا وصولًا إلى محطات لا يصلها المترو باص, عدد كبير من الأتراك ظلوا محاصرين في المصاعد المعطلة حتى أخرجتهم فرق الدفاع المدني التي استُنفرَت بكل طاقتها، أما حركة المرور فواجهت وقتا عصيبا مع توقف الإشارات الضوئية مما استدعى نشر عدد كبير من أفراد الشرطة في كل مدينة حسب كثافتها لتجنب الاختناقات في شوارعها، وكانت الخطورة الأكبر على المؤسسات الرسمية وخصوصًا المستشفيات التي لا يمكن أن تعمل على المولدات لمدة طويلة تباينت تصريحات المسؤولين بين رئيس الحكومة (أحمد داوود أوغلو) الذي قال إنه يجري التحقيق في جميع الاحتمالات لمعرفة سبب الانقطاع، و وزير الطاقة (تانر يلدز) الذي قال إنه ربما يكون عطلاً في خطوط النقل أو أي شيء آخر مع استبعاده لفكرة الهجوم الإلكتروني، لكن وسائل إعلام رجحت أن يكون الانقطاع مدبرا لتسهيل دخول المسلحين إلى قصر العدل بأسلحتهم مع تعطل البوابات الإلكترونية وأخذ المدعي العام رهينة بعد ذلك عادت الكهرباء إلى المدن بشكل شبه كامل وتدريجي بعد مدة تراوحت من ثماني إلى عشر ساعات، وعلى الرغم من تكدس مئات الآلاف على محطات المترو باص في إسطنبول وأنقرة إلا أن نظام النقل التركي أثبت كفاءة مميزة في احتواء جزء لا يستهان به من هذه الأعداد، مرت الأمور شبه سالمة ظاهريًا، لكن الخسائر المادية كانت ضخمة، رئيس غرفة التجارة في أنقرة (نور الدين أوزدبير) قال: أن المصانع توقفت ليوم عمل كامل في نسبة كبيرة منها، الاقتصاد التركي ينتج محليا بقيمة 800 مليار دولار سنويا أي 2.2 مليار دولار يوميا، هذا معناه مائة مليون دولار إنتاج كل ساعة، وأكمل قائلًا: أن انقطاع الكهرباء لثماني ساعات بشكل كامل أدى إلى خسائر تتجاوز الـ 800 مليون دولار، أما رئيس غرفة الصناعة بمنطقة بحر إيجة (إندر يورجانشيلر) قال: أن الانقطاع تسبب في تلف معدات وآلات مصنعية تقدر قيمتها بعشرات الملايين من الدولارات مع مطالبته بتعويض ذلك سريعا.

لماذا يصطدم اليسار

مع الدولة؟!

في عام 2013 كانت هناك احتجاجات في إسطنبول مناهضة لحكومة رجب طيب أردوغان قامت الشرطة حينها بمحاولة تفريقها, وتسبب الأمن التركي بسقوط قتلى وجرحى جراء استخدام العنف في تفريق المتظاهرين من ضم الاحزاب التي دعت الى التظاهرات هو حزب التحرر الشعبي الثوري اليساري تشير المعلومات بان السبب الرئيس لانقطاع الكهرباء حسب بعض التخمينات والنظريات التي ساقها عدد من وسائل الإعلام وفرضيات على مواقع التواصل الاجتماعي، قام عدد من مسلحي حزب التحرر الشعبي الثوري اليساري بالتسلل إلى قصر العدل في إسطنبول في زي محامين كما تبين فيما بعد اعتمادا على تساهل أمن القصر في تفتيش المحامين بالذات، ثم نجحوا في الوصول إلى المدعي العام “محمد سليم كيراز” ليقوموا بأسره ثم المطالبة المباشرة بثلاثة طلبات هي “محاكمة الضباط المتورطين في مقتل “بركين إلفان” محاكمات شعبية اعتراف ضابط الشرطة الذي قتله على الهواء مباشرة بالقتل وإسقاط الاتهامات الموجهة للذين شاركوا في الاحتجاجات التي اندلعت عقب مقتل بركين” الحزب المصنف كحركة إرهابية في قوائم الحكومة التركية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لسوابق عنف وتفجيرات أمهل المسؤولين الأتراك حتى الثالثة والنصف عصرا من اليوم نفسه للاستجابة لمطالبهم، لم يعرف أحد مع حظر النشر الذي فرض ما الذي حدث بالضبط، لكن الرواية الرسمية تقول إنه في خضم التفاوض سمعت القوات المحاصرة للقصر طلقًا ناريا مما أدى إلى اقتحامهم للمكتب ومن ثم مقتل المسلحين وإصابة المدعي العام ونقله للمستشفى ثم وفاته متأثرا بجراحه، بحسب ما قاله قائد شرطة إسطنبول “سلامي ألطينوك” لم يكن هذا الهجوم الأول للحركة الماركسية هذا العام، ففي أوائل كانون الثاني قامت الحركة بتبني هجوم لم ينجح على شرطيين أمام قصر دولمة بيتشي المحتوي لمكتب رئيس الدولة “أردوغان”، نفذت الحركة الهجوم عن طريق أحد أعضائها (فيرات أوزليك) الذي ألقى قنبلتين يدويتين لم تنفجرا ثم تم القبض عليه الحركة، التي نفذت في شباط من العام 2013 هجوما شهيرا على السفارة الأمريكية في أنقرة لتتسبب في مقتل رجل أمن تركي، تناثرت شائعات عن مسؤوليتها عن الهجوم الناجح الذي نفذته انتحارية بحزام ناسف في السادس من كانون الثاني للعام الحالي أيضًا في نقطة الشرطة الواقعة أمام المسجد الأزرق (مسجد السلطان أحمد) متسببة في مقتل شرطي تركي وإصابة آخر، حينها لم تعلن الحركة مسؤوليتها بشكل رسمي، وقيل أن الانتحارية روسية أو شيشانية لم تكن الحركة وحيدة في مسار العنف ضد الحكومة التركية، ففي التاسع عشر من كانون الثاني الدموي وجدت شرطة إسطنبول ثلاث قنابل، إحداهن انفجرت في حي الفاتح، وأبطلت الشرطة الأُخريَيْن، ولم يقع ضحايا أو إصابات جراء الانفجار، ووجهت اتهامات بشكل عام إلى حركات كردية ويسارية بالمسؤولية لم يكن قتل المدعي العام محمد سليم عملية منفردة في اذار؛ سبقه بخمسة أيام فقط تفجير استهدف مجلة أدملار في أحد مباني إسطنبول أودى بحياة شخص وأصاب ثلاثة آخرين، وتبعه بيوم واحد في أول نيسان الحالي هجوم بأحزمة ناسفة استهدف مديرية أمن إسطنبول العامة قتل فيه أحد المهاجمين الاثنين امرأة واعتقل الآخر وأصيب شرطي واحد، فيما يبدو أنه رد سريع على اعتقال السلطات لأكثر من عشرين شخصًا في أنطاكية للاشتباه في علاقتهم بعملية قصر العدل وقتل المدعي العام مع تسلسل العمليات وتدرجها وارتفاع وتيرة العنف فيها لا تبدو تركيا داخليا بهذا الاستقرار, هي متماسكة بالتأكيد لكن الحكومة التركية تريد مزيدا من الاستقرار وترتيب البيت من الداخل لمواجهة الاستحقاقات القادمة، لكن العنف حتى الآن يفرض كلمته على الجميع.

تركيا .. أجراس إنذار

مقتل المدعي العام وهجوم مديرية أمن إسطنبول والتزامن مع اقتحام أحد مقار حزب العدالة والتنمية في جزء إسطنبول الأناضولي، وقبل ذلك براءة الضباط المتورطين في انقلاب كنعان إيفرين؛ كان كل ذلك بمثابة أجراس إنذار ذكرت الجميع بما تقبل عليه تركيا في الأشهر القليلة القادمة، فالجمهورية تستعد لاستقبال الانتخابات البرلمانية القادمة، والانتخابات هذه المرة لن تكون عادية، فلقد أعلنها الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) صريحة على لسان أردوغان الذي يصرح تقريبًا في كل مكان يذهب إليه بأنه سيتمم مشروعه بتغيير نظام الحكم للرئاسي وإنهاء توزيع السلطات الواسع في تركيا تبدو السلسلة واضحة، لتغيير النظام إلى رئاسي فهذا يتطلب تغييرا للدستور وهو أحد أهداف أردوغان الرئيسة أيضًا ، ولتغيير الدستور لا بد من وجود أغلبية مطلقة في البرلمان للعدالة والتنمية وهو ما يبدو صعبا بشكل ما في ظل وجود كل هذه الاضطرابات وبدء حالة استقطاب طفيفة تنتشر ببطء على السطح، ولذلك أيضًا تبدو الهجمات المتوالية مفهومة في السياق الذي أكد حدوثه رئيس الحكومة أحمد داوود أوغلو عندما حذر الشعب التركي من حدوث هجمات متعددة في خلال الشهور القادمة لضرب ما أسماه بالعملية الديمقراطية وتقدم البلاد يريد أردوغان ومن ورائه العدالة والتنمية – الذي تلوح خلافات بين قادته – تغيير الدستور وإنهاء دستور 1982 العسكري، الدستور الذي أرساه الانقلاب والذي ظل الحزب الحاكم يكافح على مدار أكثر من عشر سنوات لإجراء تعديلات مستمرة عليه كان لها أبلغ الأثر في بسط سيطرته على الجيش التركي وتقليص نفوذه الهائل والذي خوله للانقلاب في آخر خمسة عقود أكثر من مرة لأسباب مختلفة دستور الانقلاب الثمانيني والذي مازال معمولًا به حتى الآن، بدءًا من مجلس الأمن القومي الذي حوى أغلبية عسكرية وأعطى القوات المسلحة اليد العليا على الحكومة التركية ممثلة في مجلس الوزراء، ومجلس التعليم العالي الذي أعطى صلاحية مطلقة لرئيس الجمهورية لاختيار رؤساء الجامعات وبعض أعضاء مجلس التعليم العالي مما أدى إلى هيمنة أخرى شبه عسكرية على التعليم الجامعي، فضلًا على السيطرة شبه الكاملة على القضاء وعلى رأس الهرم المحكمة الدستورية العليا بدأ العدالة والتنمية، بتفاهمات مكثفة مع الأحزاب؛ خوضَ معركة تعديلات استمرت بشكل متوازن حتى أزمة 2007 والتي صاحبها شبه محاولة لانقلاب عسكري أجهضت في مهدها، حينها كانت بداية إعلان الحزب الحاكم مشروعا متكاملا لتغيير الدستور كله، وهو ما كان سيؤدي في 2008 إلى حظر الحزب والذي نجا من تصويت المحكمة الدستورية العليا بأعجوبة وبوقف التمويل الحكومي فقط بعدها عرف الحزب أن الطريق لا بد وأن يبدأ بالقضاء، لذلك جاءت تعديلات 2010 لتكون بمثابة تغيير جذري وتقليم أظفار السلطة القضائية عن طريق تغيير بنية (مجلس القضاة الأعلى) و (المحكمة الدستورية العليا)، تقليم أعطاه صلاحية قانونية إلزامية استفتاء الثاني عشر من ايلول للعام 2010 النظام الرئاسي والدستور الجديد، شيئان يراهما المؤيدون انتقالا حقيقيا نحو ديمقراطية كاملة وضربة قاضية للجيش التركي لتنهي عملية الانقلابات أو على أقل تقدير تصعبها إلى حد بالغ، مع تسويق أردوغان أن هذا سيتيح لمن بعده نظامَ حكم قويا وفصلا بين السلطات لا يتوقف حدوثه على فرد واحد وإنما منظومة متكاملة، بينما يراهما المعارضون وعلى رأسهم (حزب الشعب الجمهوري) بمثابة ترسيخ لحكم الحزب الواحد (العدالة والتنمية) للأبد وتدمير أهم مبدأ دستوري وفعلي للجمهورية التركية وهو (علمانية الدولة).

المصالحة الكردية التاريخية

يتبنى النظام الحاكم التركي وجهة نظر يؤمن بها بشدة وهي أن هذه الهجمات والاضطرابات الداخلية مقصود بها تعطيل مسيرة الديمقراطية، ومن أهم لبنات المسيرة القادمة هو اتفاق مصالحة تاريخي محتمل بين حزب العمال الكردستاني وبين الحكومة التركية يمثل معجزة بالنسبة للكثير من الشعب في حال حدوثه، استيقظت تركيا على تصريحات قائد حزب العمال الكردستاني (عبدالله أوجلان) من سجنه في جزيرة آمرلي دعا فيها الحزب لعقد مؤتمر عام لاتخاذ قرار بوقف العمل المسلح بجميع أشكاله ضد الحكومات التركية والانخراط في العملية السياسية, كان التصريح مدهشا من قائد الحزب الذي كان ضحية صراعه المسلح مع الدولة التركية عشرات الآلاف من القتلى على مدار الأعوام السابقة ما بدأ قبل خمس سنوات بين حكومة العدالة والتنمية وبين أوجلان من محادثات وتفاهمات يبدو في طريقه لنجاح تاريخي إن لم يحدث شيء يعكر الصفو على الرغم مما يبدو من خلافات في تفاهمات اتفاق السلام المزعوم ودمج الأكراد الأتراك في الحياة السياسية, خلافات بين الرئاسة التركية وبين العدالة والتنمية ممثلًا في الحكومة، لا تبدو على السطح، لا تخرج إلى العلن بشكل فاضح، لكنها خلافات موجودة الخطة الثلاثية (دستور ونظام رئاسي ومصالحة كردية) إن تمت فسوف تضمن للعدالة والتنمية سيطرة قصوى على ساحة الحكم التركية وعلى الجمهورية بقضائها بقواتها المسلحة مع ترسيخ أقدامها وتنشئة نظام سياسي قد يبدو منيعا أمام أي أفكار لانقلابات عسكرية، ما يبدو هنا مريحا للتقدم يبدو أيضا ترسيخا لحكم الحزب الواحد، على الرغم من أن الأطراف الفاعلة الأخرى في تركيا لا تبدو على هذا القدر من الجاذبية بالنسبة للشعب نفسه في كل الأحوال، فإن بنية الدولة التركية من الداخل أصبحت صلبة بشكل ما أمام طموحات بعض جنرالات تركيا لتغيير نظام الحكم بالقوة إن وجدت، لذلك بدا مبالغا فيه بشدة ما راج بعد ما حدث منذ انقطاع الكهرباء، أن هذه هي مقدمات وتمهيدات الانقلاب، فتركيبة العدالة والتنمية كحزب مدني هشة كأحزاب مصر المدنية مثلًا، فضلا على فروقات سيطرة الجيش المتوغل في مصر والممسك بأغلب مفاصل الدولة مقابل توزيع مراكز القوى في تركيا وميلها نسبيا لصالح الحزب الحاكم بفضل حاضنته الشعبية وتوغله في جهاز الدولة البيروقراطي. لذلك، يبدو الانقلاب أمرا مستبعدا إلا لو اختلت الأمور بشكل بالغ الحدة وهو ما يستبعد حدوثه مع استقرار وقوة أجهزة الدولة أمام ما يحدث وسيطرتها النسبية, ويرى مراقبون ان هذا التعزيز للحزب الموالي للأكراد -حزب الشعب الديمقراطي- الّذي يطمح إلى دخول البرلمان، يجعل منه حكما على المشهد السياسي التركي، ويسمح بإعادة التوازن الديمقراطي وفي الواقع، بينما بالكاد تتحمّل المعارضة التقليدية، يعدّ حزب الشعب الديمقراطي -بخطابه الأقرب إلى الواقع التركي- أفضل مضادّ للتعامل مع هيمنة حزب العدالة والتنمية. ويمكن أن يحدث تقدّما في المسألة الكردية؛ حيث يتسبب عدم التوصل إلى حلّ لها في خلل أساسي في ديمقراطية البلاد فهل يعلن هذا التحديّ غير المسبوق في تاريخ حزب العدالة والتنمية لسلطة أردوغان في انهيار سلطته على الصعيد التنفيذي؟ لا شيء يوحي بذلك؛ لأنّ بمجرّد التعبير عن هذا الرأي، تمّ تهذيبه وتراجع عنه صاحبه بولينت أرينج بطريقة أو بأخرى، مؤكّدا سوء فهمه ويشهد هذا أيضا على فقدان نسبي لسيطرة أردوغان على درجات المخاطر في العدالة والتنمية الّذي لم يعد رسميا رئيسه. ويمكن مع ذلك أن يظهر مرّة أخرى على أشكال مختلفة وربّما بكثافة أكبر مع اقتراب الانتخابات التشريعية، حيث ستكون التحديات على السلطة والمسيرة السياسية في قلب المفاوضات داخل حزب العدالة والتنمية. ومن المفترض أن يعلمنا النشر القادم لقائمات الترشّح للانتخابات التشريعية قريبا عن حالة خطوط الشقاق الداخلي بين مختلف التيارات داخل حزب العدالة والتنمية.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.