تفاصيـل قصـة تصفيـة أبي جهـاد في تونس على يد الموساد

تهحخهحخه

الحدث الذي كان يفترض به أن يغير وجه الشرق الاوسط وقع قبل 25 سنة، في 16 نيسان 1988: مقاتلان من وحدة “سييرت متكال” الخاصة، احدهما يتخفى في زي امرأة، اقتربا من فيلا خليل الوزير (ابي جهاد)، نائب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، في مدينة تونس على شاطىء البحر المتوسط. وكان أحد “العاشقين” يحمل رزمة بدت كهدية، فيما المقاتل في زي امرأة كان يحمل خريطة للمنطقة. “الشابة” مع الخريطة اقتربت من الحارس كي تطلب منه زعما تفسيرا لكيفية الوصول الى عنوان ما في الحي. وفي نفس الوقت وجه الرجل الذي يحمل الرزمة بندقية مع كاتم صوت كان يخفيها في العلبة، نحو رأس الحارس. حارس ابي جهاد ما كان يمكنه أن يلاحظ العلامة الحمراء التي ارتسمت على جبينه. وفجأة انهار وسقط. رصاصة واحدة اصابته بدقة فتاكة.
هذا الوصف لبداية حملة تصفية ابي جهاد، الذي يؤتى به هنا مع تفاصيل اخرى تكشف النقاب عنها لاول مرة بالنسبة للعملية، ما كان يمكنه أن ينشر حتى الان: حتى وقت أخير مضى لم تعترف اسرائيل بشكل رسمي بانها هي المسؤولة عن عملية تصفية أبي جهاد، والرقابة سمحت بنشر فقط تفاصيل انكشفت من قبل في وسائل الاعلام العالمية. اما الان فيمكن الوصف بالتفصيل احدى العمليات موضع الخلاف الاشد في تاريخ الجيش الاسرائيلي. وستنشر القصة الكاملة الاسبوع القادم في العدد رقم 13 من مجلة “اسرائيل ديفنس”. كان أبو جهاد ابن 53 حين قتل بالرصاص في بيته. وقد عدّ هدفا للاغتيال منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي بعد أن قدرت الاستخبارات الاسرائيلية بانه يقف خلف عدة عمليات كبرى في اسرائيل نفذت بوساطة قوة بحرية أقامها. احدى تلك العمليات كان يفترض أن تنفذ في معسكر وزارة الدفاع في تل أبيب، من قوة كوماندو تنزل من البحر. لم يكن أبو جهاد واعيا لذلك، ولكن عدة خطط اغتيال لم تخرج الى حيز التنفيذ. وعندها، مع نهاية عام 1987، تلقت وحدة “سييرت متكال” مهمة الاستعداد لتصفية ابي جهاد. في تلك المدة اشتعلت في مناطق الانتفاضة الاولى. وفي اسرائيل كان من اعتقد انه سيكون ممكنا تصفية الانتفاضة من خلال ضرب “رأس الافعى” في م.ت.ف، الذي كان في حينه في تونس. وقاد الوحدة في حينه المقدم موشيه بوغي يعلون، ولاحقا رئيس الاركان واليوم وزير الدفاع، والذي كان يعدّ “خارجيا” كونه نما في لواء المظليين وليس في الوحدة ذاتها. وكان نائب يعلون، ناحوم ليف الراحل، احد المقاتلين الاسطوريين في تاريخ الوحدة العسكرية والذي قتل في حادث طرق في عام 2000. وجلب يعلون الى وحدة “سييرت” “خارجي” آخر عمل كضابط استخبارات للوحدة – ايال رجونيس الراحل، الذي خدم تحت إمرته قبل سنوات من ذلك في وحدة المظليين. وتوفي ايال لاحقا بنوبة قلبية.
بعد أن كلفت القيادة السياسية “سييرت متكال” بمهمة اغتيال ابي جهاد تقرر أن تتم العملية على أرض تونس. وتضمنت احدى الامكانيات التعاون بين “سييرت متكال” و الكوماندو البحرية التي تنقل المقاتلين الى تونس عبر البحر وبشكل سري. خيار آخر كان اجتياحا صاخبا بوساطة مروحيات من سلاح الجو تهبط هناك على نحو مفاجئ.
وطالب رجال سلاح البحرية في حينه اعتبار قائد الكوماندو القائد الاعلى للعملية. اما في “سييرت” فرفضوا ذلك. وفي النقاش الذي جرى لدى نائب رئيس الاركان في حينه، ايهود باراك، بمشاركة رئيس شعبة الاستخبارات أمنون ليبكين شاحك، قال بوغي لرجال سلاح البحرية انهم اذا لم يتخلوا عن طلبهم، فان “سييرت” ستختار الوصول الى الهدف للتعاون مع سلاح الجو وليس معهم. وبعد هذا التهديد تقرر ان يعدّ رجال الكوماندو البحرية كشركاء في عملية هيئة الاركان. وكان للموساد دور مركزي ايضا. فقد كان رجالها منتشرين جدا في مدينة تونس. وجمعت الموساد وشعبة الاستخبارات كل معلومة عما يجري في تونس وبالاساس عن الفيلا التي كان يسكن فيها ابو جهاد في قلب المدينة قرب العديد من كبار رجالات م.ت.ف . جاره القريب كان محمود عباس، المسمى ابو مازن، رئيس السلطة الفلسطينية حاليا.
“وأعد ايال المعلومات الاستخبارية الممتازة وعرف كل قطعة أرض في المكان. كان يعرف اين تعلق كل صورة، كم درجة هناك وغيرها من التفاصيل. كانت له معلومات دقيقة للغاية”، هكذا يتذكر مصدر يعرف جيدا ضابط الاستخبارات رجونيس. ويروي ذات المصدر بانه في مرحلة التدريبات، عندما كان يصل الى البيت مع رمال البحر على ملابسه وشعره كان يسأله ابناء عائلته: “يا ايال أين كنت؟ هل تذهب الى البحر في الليل؟” ولكنه ابقى على صمت صاخب.
وعندما استدعي بوغي يعلون رجونيس للانضمام الى “سييرت متكال” كان خارج الجيش وعاد اليه برتبة رائد. وفي “السييرت” كانوا يتحدثون عن “المدة حتى ايال والمدة من ايال”. وكان التكيف في “السييرت” في البداية صعبا جدا على رجونيس. وفي مرحلة ما ذهب الى رئيس شعبة الاستخبارات في حينه أمنون ليبكن شاحك وطلب منه أن يترك المهمة وقال لشاحك انه في “السييرت” “يحطمون الناس”، ولكنه اقنع بالبقاء. وبعد أن فهم رجال “السييرت” قدراته، اعطوه يدا حرة وأصبح واحدا من الجماعة.
وفي زمن الاستعدادات للعملية كان قائد “السييرت”، بوغي يعلون، يصل الى بيت رجونيس في السبوت وكان الرجلان يدرسان المادة معا. وكان ايال يقول لاخيه اون رجونيس (الذي كان لاحقا نائب رئيس شعبة القوى البشرية برتبة عميد وفي حينه كان برتبة عالية جدا في المظليين) أن يخرج من الغرفة ويغلق على نفسه عندها مع يعلون.
وقيل عن ناحوم ليف: “هو أحد اكثر المقاتلين التزاما وجسارة في الوحدة منذ الازل”. وكان ليف ابن البروفيسور زئيف ليف، الحاصل على جائزة اسرائيل في الفيزياء، ومؤسس معهد “ليف” في القدس، الذي يدمج التعليم الاكاديمي التكنولوجي بالتعليم التوراتي. وكان من أوائل معتمري القبعات الدينية الذين يقبلون في “سييرت متكال” في عصر ما بعد حرب يوم الغفران حين كانت الوحدة لا تزال المعقل الحصري لابناء الاستيطان العامل، ولا سيما الكيبوتسات. وبعد مرحلة التأهيل نزع ليف القبعة عن رأسه.وقبيل العملية عين ليف “استراتيجي” مهمته ليست فقط قيادة العملية في الميدان في الوقت الذي يوجد فيها قائد الوحدة في الخلفية بعض الشيء بل وايضا ان يعد خطة العملية وان يختار المشاركين فيها وفقا للمهام التي سيكلفهم بها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.