الجهاد ثقافة أمة تنهض من السبات

نتمكهخحخ

يعتمد العمل الذي يقوم به الإنسان في الغالب على خلفية ثقافية يحملها في نفسه،فإكرام الضيف مثلاً لا يقوم به الإنسان مجرداً عن أي خلفية،وإنما يقوم به على أساس الثقافة التي تأمره بالكرم والإحسان للضيف وإكرامه..كذلك المجاهد في سبيل الله تعالى لا بد أن يحمل في طيات نفسه الثقافة الأصيلة التي تؤهله ليكون مجاهداً في سبيل الله تعالى،ومستعداً لبذل أغلى وأثمن ما ائتمنه الله تعالى عليه وهو حياته في سبيل الله سبحانه وتعالى.
الثقافة القرآنية
القرآن الكريم الذي قال الله سبحانه وتعالى عنه: “إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً”.
هو الكتاب الذي يستمد منه المجاهد في سبيل الله تعالى أساس الجهاد،وبه يستمد الروح المعنوية،ومنه يقتبس الهداية.
فمن القرآن الكريم:
” يتعلم المجاهد في سبيل الله تعالى حقيقة بذل الغالي والنفيس، والتجارة الرابحة التي عرضها الله تعالى على عباده المؤمنين إذ يقول:”إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ”.
ومن القرآن يتعلم المجاهد أن الشهادة في سبيل الله تعالى ليست موتاً،وإنما هي استكمال للحياة ولكن في عالم آخر،وإن الشهادة في سبيل الله تعالى ليست إلا معبراً وقنطرة إلى ذلك العالم المحفوف بنعمة القرب من الله جل وعلا،يقول الله تعالى:”وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ”.
ومن القرآن الكريم يتعلم المجاهد إحدى الحسنيين التي هي غاية ما ينال المجاهد في هذه الدنيا،يقول الله تعالى:”قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ”.
ومن القرآن يعرف المجاهد أن الرمي في حقيقته والتوفيق من الله سبحانه وأن عمله وإن كان مأجورا عليه، ما هو إلا بإرادة الله تعالى وتوفيقه وتسديده، يقول الله تعالى: “فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”.
ومن القرآن يتعلم أن الشكر والاستغفار هو الطريق الأنجع للحفاظ على الانتصارات الإلهية،يقول الله تعالى:”إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً..”.
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
ينتمي المجاهد إلى مدرسة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي مدرسة زاخرة بالأحاديث التي تربي الإنسان،وتبين له كيف يجعل من حياته عملاً وطاعة لله تعالى،وحمل هذه الأحاديث علماً وعملاً له آثار في الآخرة ففي الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):”من حمل من أمتي أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً”.
وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم):”تذكروا وتلاقوا وتحدثوا؛فإن الحديث جلاء للقلوب،إن القلوب لترين كما يرين السيف جلاؤها الحديث”.يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السّلام) عن الجهاد في نهج البلاغة:”أمَّا بَعْدُ، فَإنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، أَلبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلاَءُ، وَدُيِّثَ بِالصِّغَارِ وَالْقَمَائَةِ ـ أي ذُلِّل بالصّغار والإهانة ـ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالإِسْهَابِ ـ الثّرثرة ـ، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْييعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ ـ أي كلف المشقّة ـ وَمُنِعَ النَّصَفَ”،كذلك يقول (عليه السلام) عن الجهاد:”إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الإِيمَانَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ،فَإنَّهُ ذُرْوَةُ الإِسْلامِ”،وعن الإمام الصادق(عليه السلام):”:ثلاثةٌ دعوتُهم مستجابةٌ أحدهم الغازي في سبيلِ الله فانظروا كيف تخلفونه”
فالثقافة التي تنطلق من القرآن الكريم أولاً وحديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) ثانياً،هي الثقافة الأصيلة،والثقافة التي تنفع المجاهد،وتشكل المنطلق الصحيح في توجهه إلى سوح التضحيات.
ثقافة عاشوراء
إن أيام عاشوراء وذكرى كربلاء الإمام الحسين (عليه السلام) هي المدرسة الحقيقية الكاملة التي تخرج أجيال المجاهدين والشهداء،وهي مدرسة العطاء التي تصنع شخصية الإنسان المجاهد القادر على مواجهة الظلم بقلب مفعم بالإيمان والتضحية،شخصية قادرة على الوقوف أمام كل التحديات وتسطير أروع الملاحم وتهيئة الأرض لظهور قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)،مدرسة عاشوراء تختصر الإسلام،ويؤكد الإمام الخميني (قدس سره) على دور هذه المدرسة، فيقول: “إن كل ما لدينا هو من بركات مدرسة عاشوراء الحسين (عليه السلام)”.
فمن عاشوراء نتعلم:
ـ معادلة الدم مقابل السيف
فإن ما أوصل سيد الشهداء (عليه السلام) إلى ذلك المصير هو الدين والعقيدة فقد ضحى (عليه السلام) بكل شيء من أجل العقيدة والإيمان وكانت النتيجة أن قتل وهزم عدوه بدمه.يقول الإمام الخميني (قدس سره): “لقد انتصر الدم على السيف، ترون آثاره باقية حتى اليوم حيث ظل النصر حليفاً لسيد الشهداء (عليه السلام)،بينما الهزيمة ليزيد وأتباعه”.
ـ التضحية وعدم الخوف
يقول الإمام الخميني (قدس سره): “لقد أفهمنا سيد الشهداء (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه أن على النساء والرجال ألا يخافوا في مواجهة حكومة الجور،فقد وقفت زينب(عليها السلام) في مقابل يزيد – وفي مجلسه – وصرخت بوجهه وأهانته وأشبعته تحقيراً بما لم يتعرض له جميع بني أمية في حياتهم”.وهذا قليل بل أقل من القليل الذي يمكن لنا أن نستلهمه من عاشوراء التي حمت الإسلام،بل التي اختصرت بها جلُّ معاني الإسلام.ونشير إلى ما قاله الإمام الخميني (قدس سره) حول الارتباط بمدرسة عاشوراء:”منهاج الشهادة القاني،منهاج آل محمد(ص)وعلي(ع)،ولقد انتقل هذا الفخر من آل بيت النبوة والولاية(عليهم السلام) إلى ذراريهم وأتباع منهاجهم”.
ـ التفقه بالدين
يمثل التفقه في الدين خلفية ثقافية أساس عند المجاهد،فالمتفقه في أمر دينه أعرف بواجبه وضوابط ذلك الواجب وحدوده، وبما أن للمجاهد في سبيل اله تعالى دوراً في أداء الرسالة من خلال تقديمه للأمة نموذج العطاء والبذل الحقيقين في سبيل القضية المحقة،كان لزاماً عليه أن يكون على بينة وبصيرة من أمره كما يقول الله تعالى:”قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ”.فعلى المجاهدين أن يتفقهوا في الدين،التزاماً منهم بوصية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ يقول:”لكلّ شيء عماد،وعماد هذا الدين الفقه”.
ـ الثقافة الإسلامية العامة
كما إنه ينبغي للمجاهد أن يكون ذا ثقافة عامة وإطلاع في أمور دينه ودنياه،فإنه وبالإضافة إلى الخلفيات التي تحدثنا عنها والتي تشكل الأساس المتين الذي يؤهل روحه للدخول في سلك المجاهدين العارفين بالقضية والهدف والطريق، فإن الثقافة العامة التي يملكها أمر مهم جداً،ولا سيما بعد أن عرفنا أن المجاهد يحمل بجهاده رسالة غير الرسائل العسكرية التي يسطرها ببندقيته،إنها رسالة تشير إلى الخلفية الإيمانية التي انطلق من خلالها في أداء هذه الواجب المقدس،كما إن للجهاد سوحاً أخر كما هو معروف
ويشير الإمام الخامنئي(دام ظله) إلى هذا بقوله:”وللجهاد ميادينه،ومن ميادينه المشاركة في القتال المسلّح،وهناك الميدان السياسي،وميدان العلم،وكذلك الأخلاق.وليس الجهاد مجرّد قتال وتوجّه إلى سوح الحرب؛فالسعي في ميادين العلم، والأخلاق، والتعاون السياسي،والبحث العلمي يعدّ جهاداً أيضاً؛وصنع الثقافة والأفكار السليمة في المجتمع هو جهاد أيضاً”،إذن،ليس المعيار الجهاد بالسيف في ساحات القتال،وإنّما المعيار هو الكفاح، ولا بدّ للكفاح من أمرين لازمين: أحدهما أن يكون فيه جدّ وجهد وحركة، والثاني أن يكون في مقابل الأعداء”.وفيما يلي،نوضح أبرز أبعاد الجهاد المشار إليها.لذا لا يستطيع حفظ الدين أياً كان إنما يجب ذلك كما يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “ليس يقوم بدين الله عز وجل إلا من حاطه من جميع جوانبه”،وعن الإمام علي عليه السلام: “إنما المستحفظون لدين الله هم الذين أقاموا الدين ونصروه،وحاطوه من جميع جوانبه، وحفظوه على عباد الله ورعوه”.
ـ معرفة الشبهات
فإن طرق الدنيا مليئة بشبهات المشبهين والمضلين، وقد تكون الشبهات في طريق المجاهدين أشد تأثيراً، وتلعب دوراً بارزاً في ترجيح كفة النصر أو الهزيمة، من هنا كانت معرفة المجاهد بالدين وتعمقه فيه بحيث يكون قادراً على درء الشبهات أمراً في غاية الأهمية، وعن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم):”احذروا الشبهة،فإنها وضعت للفتنة”.
وورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):”إنما سميّت الشّبهة شبّهة لأنها تشبه الحق؛فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى،وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضّلال ودليلهم العمى”.
ـ المعرفة السياسية
أمرٌ أخير في الخلفيات الثقافية نشير إليه وهو الخلفية السياسية ومقدار الوعي السياسي الذي يتحلى به المجاهد في سبيل الله، فالوعي السياسي له دور كبير في بناء العقيدة الجهادية للمجاهد،ووعي المجاهد بحال الزمن وأهله والسياسات التي تجري في العالم،تجعل حركته الجهادية مبنية على الأساس السياسي الذي يبين من خلاله الهدف المرحلي من الجهاد ومشروعيته،بالإضافة إلى هذا تمنع من دخول الشبهات في الفكر السياسي بما يؤثر سلباً في عمله الجهادي،وقد أشارت لهذا الوعي في الإنسان المؤمن الكثير من الروايات فعن الإمام علي عليه السلام:”العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس”،وعن الفطنة والوعي والحذر يقول عليه السلام: “أشرف المؤمنين أكثرهم كيساً”.وهذا ما نلحظه اليوم بوضوح في كتائب حزب الله والحشد الشعبي وقوات الأمن الذين مازالوا يقاتلون ويسطرون البطولات ويهزمون الأعداء رغم كل ما يشاع ويذكر من هنا وهنالك،ولولاهم لكنا في سبات طويل،تنادي المرجعية فيه من جهة وما من مجيب والعياذ بالله.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.