نفي السبيل .. وواقع العالم الإسلامي

tfuyrt

حمزة العقابي
نفي السبيل قاعدة فقهية، تستند إليها الكثير من الأحكام الشرعية وخاصة في باب المعاملات والنكاح والولايات والإرث وغيرها، فما المراد من هذه القاعدة؟ وما مواردها؟ وما الغاية منها؟ ويبقى السؤال الأهم أين المسلمون اليوم من هذه القاعدة؟،خصوصا عندما نعلم بان المدرك الواضح والصريح لهذه القاعدة هو القرآن الكريم وليس الروايات لكي يقال عنها بأنها خاصة بطائفة دون أخرى، فالقرآن كتاب جميع المسلمين ولا يختصّ خطابه بفئة معينة.
معنى القاعدة هو نفي نفوذ وسلطة غير المسلم على المسلم،وبناء على ذلك فإن كل علاقة أو معاملة بين المسلمين وغيرهم إذا كانت موجبة لنفوذ وتسلط واستعلاء غير المسلم على المسلمين فهي لا تجوز شرعا،يقول الله تعالى:”وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا” النساء، الآية141،فالآية واضحة وصريحة على نفي تسلط الكافر على المسلم، وذلك من خلال مجموعة من الأحكام الشرعية بشرط التمسك بها.
وقد ذكر الفقهاء موارد كثيرة لقاعدة نفي السبيل وسنقتصر هنا على ما ذكره الفقيه الكبير البجنوردي في كتابه القواعد الفقهية تحت عنوان (في موارد تطبيق القاعدة) بشكل مختصر إذ يقول:”وهي وإن كانت كثيرة في مختلف أبواب الفقه ، إلاّ أنّا نقتصر على إيراد جملة منها ، فنقول: منها: تملّك الكافر للعبد المسلم بأيّ نحو من أنحاء التملّك الاختياري..ومنها: إجارة المسلم نفسه من الكافر ،أو إجارة العبد المسلم من الكافر ..ومنها: أنّه لا يجوز جعله قيّماً على صغار المسلمين وسفهائهم،بل ومجانينهم،وكذا ليس له الولاية في تجهيز الميت المسلم ــ الذي يكون أباه – ودفنه وتكفينه،ولا تتوقّف هذه الأمور على إذنه ، والوجه في ذلك قاعدة نفي السبيل;نظراً إلى وضوح كون الولاية ومثلها سبيلا منفيّاً ..ومنها: أنّه لا يجوز جعل الكافر متولّياً على الوقف الراجع إلى المسلمين،كالمدارس الدينيّة الموقوفة، على طلاّب العلوم الدينية ، والمستشفى الذي يكون وقفاً على مرضى المسلمين ..ومنها: أنّ نكاح الكافر يبطل بإسلام الزوجة إن لم يسلم الزوج الكافر في العدّة ; نظراً إلى أنّ بقاء الزوجيّة مع كفر الزوج يرجع إلى علوّ الكافر على الزوجة المسلمة،وأن يكون له سبيل عليها;لأنّ الرّجال قوّامون على النّساء.. ومنها:عدم ثبوت حقّ القصاص للكافر إذا كان القاتل مسلماً;فإنّ ثبوت هذا الحق من أظهر مصاديق السبيل ..)القواعد الفقهية،ج1،من ص193 إلى ص207 .
إذن كل معاملة أو علاقة تستوجب استعلاء الكافر وإذلال المسلم فهي محرمة في الشريعة الإسلامية؛ لان الله تعالى يريد العزة للمسلمين لا الإذلال .
الغاية من القاعدة
لكل حكم وقانون في الإسلام غايات وأهداف سواء كانت دنيوية أم أخروية فالواضع هو الحكيم المطلق سبحانه وتعالى،ولو التزم الإنسان بهذه القوانين وطبقها على ارض الواقع لحصل على سعادة الدارين، ومن هنا لقائل أن يقول: ما الغاية من نفي السبيل؟ وللإجابة نقول: هناك غايات عديدة منها:
1- عزة المسلمين: فالله سبحانه وتعالى لا يرضى للمسلمين أصحاب الرسالة الخاتمة وخصوصا المؤمنين منهم الذل والهوان إذ يقول في كتابه الكريم:”يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ”المنافقون،آية 8، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):”الإسلام يعلو ولا يعلى عليه”،وبناء على ذلك يكون تسلط الكافرين على المسلمين غير مناسب للعزة بل يكون موجبا للذلة وهذا ما لا يرتضيه الله عز وجل لعباده المسلمين.
2- حاكمية الإسلام: من السبل المهمة لتحقيق العزة ـ إذا لم نقل السبيل الوحيد ـ حاكمية الدين الإسلامي ومن هنا يقول سماحة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي (دام ظله):”أتوجه بالخطاب أيضا إلى الشعوب الإسلامية وأبناء الأمة الإسلامية فردا فردا وأقول: علاج كل ما يلم بالأمة من الآم وإحباطات يتمثل في العودة إلى الإسلام، والانضواء تحت لواء النظام الإسلامي والأحكام الإسلامية؛وبذلك يستطيع المسلمون أن يستعيدوا عزتهم وشوكتهم وتمتعهم بمعيشة مرفهة آمنة،وأن يبتعدوا عن المصير المر المذل الذي تسوقهم إليه دوائر التخطيط الاستكباري) ،إذاً غاية قاعدة نفي السبيل هي عزة المسلمين وعلو الإسلام ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال حاكمية الإسلام فعليه تكون حاكمية الإسلام من الغايات الضرورية لنفي السبيل؛لأنها الطريق إلى عدم ذلة المسلمين.
3- الدعوة إلى الدين الإسلامي:إن الإسلام دين العدل والقسط، دين رفع الظلم عن المظلوم،دين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،دين التمسك بالصفات الحسنة وترك الصفات السيئة ولو تمسكت البشرية جمعاء بهذا الدين بحقيقته لما وُجد ظلم أو جور أو أي شيء سلبي آخر، لهذا دعا الله تعالى إلى دينه إذ قال: “وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا” النساء، الآية 125،وهذه الدعوة لا لأجله بل لأجل سعادة البشرية فالله غني عن عباده يقول تعالى:”وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ” لقمان،الآية 12،وهنا نلتمس وجود هذه الدعوة في بعض مصاديق قاعدة نفي السبيل كعدم جواز زواج المسلمة من الكافر ويصح في حال اذا اسلم الكافر.
ولابد من الإشارة إلى أن نفي السبيل لا يولد تفرقة كما أشكل احدهم قائلا ان قاعدة نفي السبيل تستلزم التفرقة بين المسلمين وغيرهم؛لأن التفرقة تعني التقاطع بين الناس بسبب الكراهية أو العنصرية أو القومية أو اللون – كما في الغرب – أما مقاطعة شخص ما من أجل مصلحته فلا تسمى تفرقة كالأب المؤمن مثلا عندما يفرق بين الابن الصالح والابن الطالح فهو يقاطع ابنه المسيء لا بسبب انه يكرهه بل من اجل أن يصبح كأخيه (فتأمل). ثم أن من أبجديات الدين الإسلامي الدعوة إلى الحوار ونبذ الحقد والكراهية وكذلك الدعوة إلى التعايش السلمي الشيء غير الموجود في الدول الغربية،وغاية ما في الأمر انه لا يرضى بالذل والهوان للمسلمين ولا يرضى بان تكون علاقات الدول الإسلامية وحواراتهم مع الغرب مثلا تخلو من عنصر التكافؤ فحينها سيستلزم الخنوع لا العزة .
واقع العالم الإسلامي في ضوء نفي السبيل
بعد أن تعرفنا على معنى قاعدة نفي السبيل ومواردها والغاية منها وصلنا إلى سؤالنا الأخير في هذا البحث القصير وهو أين عالمنا الإسلامي اليوم من نفي السبيل؟،وهل تعاملنا مع الدول الغربية مبنيّ على عنصر التكافؤ؟،وهل علاقاتنا الاقتصادية مع هذه الدول متوازنة؟، ألم نعانِ من الهيمنة الاقتصادية من الدول الإستكبارية الأمر الذي يستدعي الهيمنة السياسية وبالتالي الهيمنة الثقافية؟،ألم نعانِ من النفوذ والسيطرة الغربية في كل مجالات الحياة على البلاد الإسلامية؟،ألم ينهنا الله تعالى عن ذلك من خلال نفي السبيل؟.
ولم يقتصر الأمر على ذلك بل أصبحت الكثير من الدول العربية والإسلامية أيدي فاعلة للدول الاستكبارية، فالنظام السعودي مثلا يدعم التكفيريين والمتطرفين ويرسل المفخخات إلى العراق التي يذهب ضحيتها الكثير من الناس أطفالاً وشباباً شيوخاً ونساءً وطبعا لم يصرح الكيان السعودي بذلك ولم يتدخل بشكل مباشر لأنه كيان فارغ وجبان، وكذلك يقتل الشعب اليمني تحت حجج واهية ولجبنه لم يخض حربه وحيدا بل اشترى ضمائر الكثير من الدول العربية والإسلامية بثمنٍ بخسٍ والضحية الشعب اليمني،وهناك سؤال غريب وهو أين هذا التحالف المزعوم من الكيان الصهيوني الذي يقتل الشعب الفلسطيني يومياً؟،والجواب واضح وهو أن الكيان الصهيوني والدول الاستكبارية التي تقف خلف هذا الكيان هم الأسياد والدول العربية هم العبيد وأي دولة تخرج من هذه العبودية ستعاني بمثل ما يعانيه الشعب العراقي الذي طرد الاحتلال الأمريكي،والشعب اليمني الذي رفض التدخل الصهيوني.أليس الأجدر بالسعودية والأنظمة العربية الأخرى أن تتوحد وترفض النفوذ الغربي هذا؟،ألا يدعون الإسلام فلماذا لا يطبقون هذه القاعدة القرآنية الخالصة؟،وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على زيف إسلامهم وكونه إسلاما أمريكيا لا إسلاما محمّديّـا كما عبر عنه الإمام الخميني “قدس سره”.
نعم الإسلام الحقيقي اليوم يتجسد بالجمهورية الإسلامية في إيران وذلك من خلال تطبيقها لأحكام الله تعالى ومن ضمنها نفي السبيل وهذا واضح من خلال مواقفها وعلاقاتها مع الدول الغربية فهي تتعامل من موقف قوة وعزة لا من موقف ضعف وذل، وكيف لا تكون الجمهورية الإسلامية كذلك وقد رفع لواءها الخميني العظيم فمن أسس وشعارات ثورته المباركة: (لا شرقية ولا غربية)، لقد رفض هذا الرجل هيمنة الاشتراكية الشيوعية والرأسمالية الليبرالية وأرسى دعائم جمهورية إسلامية،جمهورية تمد يد العون للشعوب المستضعفة وتمدهم بالأنفس والأموال لكي تخرجهم من عبودية الاستكبار.
وقد تحملت الجمهورية الإسلامية أعباء رفض الهيمنة الغربية وآخر هذه الأعباء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، ولكن هذا الأمر لم يزعزع موقفها وعزتها، وستخرج حتما منتصرة بمعية الله عزّ وجل وبقيادة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي “دام ظله”.
وقبل الختام أدعو كل شخص إلى التمعن والتفكر في قوله تعالى:”وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا”النساء،آية 141،ويطبقه على أرض الواقع حينها سيصل حتما إلى النتيجة التي توصلت إليها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.