البـعـث بيــن شـؤم الولادة … وفتنة الممات

تنكحخحخخ

ناصر جبار سلمان

كما أوجدت المخابرات البريطانية حركة الأخوان المسلمين في مصر عام 1928م , لمقاومة المد الشيوعي الذي أُتهم بالوقوف وراء إضرابات شركة السويس حينذاك فكانت الصلة وثيقة بينها وبين هذا التنظيم من بعد رحيل حسن البنا ومجيء حسن الهضيمي من بعده رئيساً لحزب الإخوان المسلمين , وما السعي الأميركي – البريطاني المحموم على أن يستخلف هذا التنظيم حكم البلدان العربية بعد ما يسمى بــ ” الربيع العربي ” .. وكذا الحال مع بعث عفلق ,فبعد نشوب الحرب الباردة ما بين المعسكر الغربي بقيادة أميركية – بريطانية والمعسكر الاشتراكي بقيادة الإتحاد السوفيتي الشيوعي , اواخر اربعينيات القرن الماضي ..بادر مدير المخابرات البريطانية آنذاك , مصطحباً كبير القساوسة الارثوذوكس البريطانيين للقاء الارثوذكسي ميشيل عفلق , وتكليفه بإنشاء حزب البعث العربي الاشتراكي كضد نوعي للحزب الشيوعي .. ومن تتبع بدقة مسيرة البعث وخصوص علاقته بالحزب الشيوعي ليدرك مدى الحقد المعبأ في نفوس البعثيين ضد الشيوعيين, فلم يجمع الاثنين مشترك وطني , ولا شعارات مناهضة الاستعمار والرجعية العربية تحت سقف واحد, وإذا ما كان يحق للشيوعيين القول بأنهم حَمَلة ثقافة مميزة , وفكر محدد المعالم والأهداف .. مع إيماننا ببطلان أصل هذه النظرية الإلحادية .. فلا يحق للبعثيين القول كذلك .. فلم يكن منهاج البعث .. سوى أفكار التقاطية مسروقة من التجارب الغربية والشرقية الأخرى , ولم يمنح الاعتقاد به ثقافة مميزة لأتباعه مستقاة من أصل النظرية المزعومة .. أبداً .. بقدر ما يمنح ثقافة البلطجة والعنتريات والسعي المحموم نحو السلطة المطلوبة بذاتها .. خدمة لمصالح قيادتيه القومية والقطرية , ولتنفيذ ما كلفوا به من أوامر الأسياد الغربيين في تكريس واقع التبعية العربية للغرب ومناهضة أي صوت تحرري واستقلالي حقيقي … ألم يقض البعثيون بالتحالف مع عبد السلام عارف على حكومة ثورة تموزالمجيدة .. وإسقاط أنبل مَنْ حَكم العراق في حقبتيه الملكية والجمهورية ولحد الآن وهو الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم .. وبذا يتحمل البعث مسؤولية مصادرة منجزات ثورة تموز ومكاسبها الحقيقية ويجسد البعث ساديته وإجرامه حين بلغ عدد ضحاياه ما يزيد على الخمسة آلاف عراقي وما يزيد على العشرة آلاف ممن زجوا في سجونه المظلمة خلال مدة حكم تسعة الأشهر من عام 1963م وعلى يد مليشيات الحرس القومي القذرة . وبعد أن انقلب عليهم عبد السلام عارف وبمساعدة الرئيس المصري جمال عبد الناصر .. تم إلقاء قياداتهم في السجون .. لمدة قصيرة .. ولم يذكر انهم قد تعرضوا إلى تعذيب .. وحيث لم يجرؤ عبد السلام عارف على إعدام بعثي واحد .. وذلك ما يدلل على حضور الحماية الغربية لهذا الحزب العميل . وبعد إطلاق سراح القيادات البعثية من قبل الحكم العارفي .. لعب البعثيون – كما هم اليوم – دور العراب للتدخلات الخارجية والإقليمية للوصول إلى اهدافهم الخبيثة .. فعادوا إلى الحكم بعد إسقاط الرئيس عبد الرحمن عارف .. ضمن سيناريو مُعَد فاستلم البعث السلطة كما يستلم أمين المخزن ذمة مخزنية من موظف سابق .. إذ لم تُطلق اطلاقة واحدة , فيما تم تسفير عبد الرحمن عارف إلى لندن والسلام ..لا زلنا نستذكر حالة التشاؤم التي غشت قلوب ووجوه الكبار في عودة هذا الكابوس الذي لم تشف جراحاته في قلوب العراقيين بعد , وقد مثل البعث الحاكم بالفعل صورة العهر السياسي في أوضح صوره , واتبع منهجاً مدروساً للقضاء على قيم الشعب العراقي حينما وضعه بإحكام بين فكيّ كماشة الترغيب والترهيب , ورأى في توريط النسبة الكبرى من المجتمع في الانخراط في صفوف البعث وسيلة لتكبيله من أن يعبَّرعن رفضه لأساليب النظام المدانة , حيث يكون الإعدام عقاباً للبعثي عند اتهامه بالخط المائل , فيما عدّ الخلال الأخلاقية الرديئة من قبيل الحيلة والكذب والدجل والإيقاع بالأصدقاء والجيران سبيلاً لعلو المنزلة وتحقيق المبتغيات الشخصية الضيقة , ولأنه عدّ رأس النظام وما يسمى بالقيادة السياسية والحزب الواحد مقدسات تكون عقوبة المساس بها الإعدام , ما أدى إلى أن يكون العراق سجناً كبيراً , كما أدى إلى انشطار شخصية الفرد العراقي شخصيتين , إحداهما كامنة تدرك الحقيقة ولكنها خائفة ومستترة , والأخرى شخصية ظاهرة اعتمدت النفاق والمدح والتصفيق سبيلاً لطلب السلامة , وفي هذه الأجواء الرهيبة أدى البعث دوره في القضاء على الحزب الشيوعي العراقي بشكل كامل . وهو يرتدي ذات البزة العلمانية .. ثم التفت مرتدياً بزته الطائفية النتنة .. ليقضي بقيادة عبد الله المؤمن على الحركة الشيعية تزامناً مع إشعاله الحرب ضد الجارة إيران الشيعية .. نيابة عن أميركا وإسرائيل .. وتناغماً مع طائفية فهد آل سعود الذي وهب صدام 200 مليار دولار لإنجاز مهمته الجهادية هذه , مضافاً إلى سخاءٍ فهداوي في إعطاء طاغية العراق مبلغاً قدرهُ 30000 ألف دينار .. دية كل ضحية عراقية تسقط في جبهات الحرب ضد إيران.ونحن نعيش ذكرى استشهاد مفجر الثورة الإسلامية في العراق الإمام محمد باقر الصدر (قده) هذه الأيام , ونستذكر بألم تلك الجريمة الشنعاء التي اختزلت خبث وحقد وطبيعة البعث السادية .. ينبغي علينا أن نتوقف ألف مرة بأزاء دعوة المصالحة الزائفة .. مع البعث .يبدو أن شعبنا على درجة متقدمة من الوعي بما يفوق الساسة المجاملين والانبطاحيين كثيراً , من حيث تحميل البعث مسؤولية كل الدماء التي نزفت من نحور العراقيين منذ دخول جرثومته السرطانية إلى العراق بوساطة الموبوء فؤاد الركابي ولحد الآن كما أنه وراء كل الاضطرابات والقلاقل والفتن التي عكرت صفو الشارع العراقي وكانت مدعاة للتفرقة والتباغض والأحن.. وعن كل تدخل إقليمي سابق ولاحق بقصد إنهاك العراق وعرقلة تقدمه إلى أمام .. هذا ما أكده آباؤنا الذين عاصروا البعث في كل مراحله السابقة , وأما ما لمسته الأجيال الحاضرة فليس بحاجة إلى زيادة بيان … على أن تبني قيادة البعث المدنية والعسكرية بعد سقوط رمز الاستبداد في ساحة الفردوس للمسيرة الدموية التي صبغت السنوات العشر الماضية باللون الأحمر عقاباً لهذا الشعب الأبي الذي كفر بالبعث بقضه وقضيضه لدليل على أن البعث سيبقى كما كان حصان طروادة لتيسير الانقضاض الأميركي على مقدراتنا , وإن المحاولات لإعادة تأهيله لحكم العراق بإرادة أميركية – إسرائيلية جارية على قدم وساق .. والعاقل يفهم.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.