معالم فنية بغدادية لا تنسى.. «شركة إسطوانات جقماقجي» تتوسط بغداد

اتخهخع

جواد كاظم غلوم
حين عزمت على كتابة انطباعاتي عن المعالم الثقافية والفنية الغائبة في بغداد والتي كانت زادنا الروحي وضرعنا الذي ننهل منه الجمال والابداع ؛ قررت مع نفسي ان ازور ماتبقّى من أثَر لها وأمرّ على اماكنها وربما اطلالها واكتب عنها ما يعتور في نفسي واتذكر ايام الفتوة والصبا وملاعب الشباب الباحث عن المعرفة والفن الراقي .
لا اخفيكم انني بكيت بكاءً مرّا عندما وقفت على طلل محال چقماقچي المنزوي في اخر شارع الرشيد وعلى بعد بضع خطوات من مدخل شارع ابي نؤاس ، تطلّعت من خلال الزجاج الامامي للمبنى الذي كان غائما بسبب التراب ومغلقا بمشابك حديدية لكني استطعت ان ارى بوضوح آلة الكرامافون الرابضة على احدى المناضد وقد علاها الغبار الكثيف ويبدو ان لا احد قد همّ بفتح المكان منذ عدة سنوات بسبب الصدأ المتراكم على الاقفال والاتربة والاوساخ التي طغت على الاجهزة المتبقية في المحل والتي لم تمتدّ اليها ايدي العناية منذ امدٍ طويل جدا لكنني اصررت على طبع قُبلة على ضريح تلك الموسيقا والغناء الذي أطربنا وأسعدنا يوما ما ، وكانت قبلتي من وراء زجاج المبنى غير انها لامست كل مشاعري وحرّكت كل شجوني واعادتني الى بيتنا القديم وطاولة ابي الذي وضع كرامافونه تماما كالذي اراه الان وانا اتطلع الى مثوى جقماقجي وقبره المنسي وتساءلتُ مع نفسي ؛ ما الذي تفعله اسطوانة جقماقجي امام القفزة الهائلة في عالم التسجيلات بدءاً من الكاسيت الى البلوتوث مرورا باقراص السي دي سوى ان تقبر نفسها منزويةً في اخر شارع الرشيد وتتطلع الى مياه دجلة باكية ناحبة،وقد عافها مريدوها الاوائل وصارت نسيا منسيا ؟؟
وللحديث عن تأريخ شركة جقماقجي نذكر ان بداية تأسيسها كانت عام /1918 ولكنها لم تكن تتخصص بالفن والموسيقا والغناء اول الامر ؛ انما كانت تقوم باستيراد بعض المواد التي لها علاقة بالغناء والموسيقا وبيع اسطوانات شركة “بيضافون ” دون القيام بعمليات التسجيل التي برعت بها لاحقاً …ثمّ تطورت وقامت ببيع الحاكي ( الكرامافون ) الذي يعمل بوساطة تدويره باليد لكي يواصل الكلام او الغناء مما نسميه في العراق بلهجتنا الدارجة ” التكويك ” واجزاء اخرى من الاجهزة الكهربائية البسيطة التي وصلت العراق في اول عهده بالكهرباء كما قامت باستيراد الاسطوانات التي توضع وتركّب على الحاكي وعلى نطاق واسع والتي بدأ الغرب بصنعها من الحجر وهو الابتكار الاول في عالم صناعة الاسطوانات حيث الحجر الاصمّ الصلد يتفتق ويصدر الحانا عذبة وشجية ترخي الاعصاب وتبعث السعادة والهناء والاسترخاء والخدر في النفوس…
فلا عجب ان جذوة الجمال وحرارة الشدو يصهر حتى الصوان ويجعله يقطر عذوبة واغانيَ شجية مثلما فطرَ قلب مالك الشركة الحاج فتحي جقماقجي وجعله يعشق الغناء والوتَر الساحر وهو الذي كان قد تمرّس باصلاح وصيانة الاسلحة القاتلة الفتّاكة يوم كان يعمل في الجيش العثماني يقوم بادامة وصيانة البنادق والمدافع والمسدسات البدائية الصنع فهذا المنعطف في حياته نحو مواطن السحر والجمال جعله يستثمر ماعنده من مال ليتجه الى صناعة الموسيقا وبثّ الغناء والشدو وترك ادوات القتل والدمار والموت ليعيد الى الناس الحياة والبهجة والمسرات ، كيف لا وهو ابن الموصل الحدباء ومن منبت ابراهيم الموصلي عبقري الغناء والالحان الخالدة وصاحبنا فتحي جقماقجي هذا شدّ رحاله الى بغداد مع اسرته ليعيد اليها شيئا من العصر الذهبي يوم كان زرياب يصدح مع مغنيات بني العباس ويملأ الاركان غناء يلهب الروح ويرعش البدن وسرعان ماذاع صيته واقبل الناس على شراء اسطواناته وعمل على تأسيس استوديو خاص به في منطقة البتاويين وكان هذا الاستوديو اكثر سعة وتقنية من الاستوديو الصغير الذي أنشأه اول الامر في ( عقد النصارى ) وتم استئجاره بالتعاون مع احد مهندسي الصوت العاملين في دار الاذاعة العراقية وهو السيد ناجي صالح وبصحبتهما الموسيقار المبدع جميل بشير بعد ان فتح محلا صغيرا في منطقة الحيدرخانة عام/ 1948 ويجذب اكثر المطربين ويسجل اغانيهم باسطواناته التي كانت تباع بكميات كبيرة .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.