إضطهاد السلاطين لإتباع أهل البيت .. لماذا حاول العثمانيون عزل الشيعة في العراق سياسياً ؟

غففغعف

ينبغي أن نلاحظ لأول وهلة، أن هاجس العثمانيين الاكبر كان اقامة سلطة مركزية على قاعدة صلبة ، وكان المذهب ـ في ظل التمذهب النشط بعد اعلان التشيع في ايران ـ عاملاً اساسياً وهاماً في تدشين هذه القاعدة التي من شأنها ايضاً تزويد الدولة العثمانية بمشروعية دينية لم تكن سابقاً تبحث عنها أو تلحّ في الحصول عليها.كما ينبغي ان نلاحظ ايضاً، أن تمذهب الدولة العثمانية لم ينعكس في نشاط دعوي، أي أن نشر المذهب الحنفي لم يكن من مهمات الدولة العثمانية، وان كان من مهمات العلماء ورجالات المؤسسة الدينية الرسمية، ولكن في ذات الوقت كان التوسع السياسي يحقق تبعاً له توسعاً دينياً / مذهبياً بصورة طبيعية، و نقلت المصادر الشيعية أن العثمانيين قاوموا المذهب الجعفري في وسط وجنوب العراق وكان طابع المقاومة حسب الشيخ المظفر سرية في اكثر الزمن وعلنية في بعض الاحيان ولكن لم تتحدث هذه المصادر عن تفصيلات هذه المقاومة أو نتائجها، ناظرين الى التعبئة المذهبية النشطة التي يقوم بها علماء الشيعة ، اضافة الى العزلة الشيعية الدينية والسياسية والاجتماعية، وربما ساهمت الدولة العثمانية في تعزيز هذه العزلة ، حيث أثار تمذهبها حساسية وسط معتنقي المذاهب الاسلامية الاخرى، والشيعة بوجه خاص، فقد كان المذهب الرسمي حنفياً وبه يقضي العثمانيون في العراق على الشيعة وغيرهم، فكانت الحكومة تعين “المفتي” و “النقيب” و”النائب” منهم وهذا ما منح الزعامة الدينية المزيد من النفوذ عبر اشرافها المباشر على جهاز المؤسسة الدينية والاوقاف والتعليم الديني.لقد كان الحكم في العراق في العهد العثماني للاسر السنية التي تنتمي الى المذهب الحنفي، فكان معظم موظفي الحكومة ـ العراقية ـ من جماعة السنة ، وكانت تغص بهم المدارس والمحاكم وكان منهم المدرسون والقضاة)،وكان شيعة العراق ملزمين بالتحاكم الى القضاة الاحناف، وهذا ما ادى الى ابتعاد غالبية الشيعة عن المحاكم الشرعية التي كانت تقضي وفقاً لمذهب يخالف مذهبهم في بعض الآراء الفقهية التي تتبناها ويعد هذا من أبرز العوامل التي ادت الى مقاطعة الشيعة للسلطة واعتزالها، وتذكر المصادر التاريخية أن معظم قضاة مدن الولاية في العراق كانوا يمكثون في مناصبهم دون أن ينظروا في أية قضية الا في القليل النادر من الاحوال، مما كان يجبر عليه البعض من الناس، وقد نقل عن أحد قضاة مدينة كربلاء أنه مكث في منصبه تسعة اعوام “لم ير فيها ولا دعوى واحدة”، فقد كان فصل الخصومات يجري في العراق وسوريا عند المجتهدين الا ما ندر.
وأجد من المناسب هنا ، الاشارة على وجه السرعة لرأي د. عبد الله النفيسي ، حول سبب ابتعاد الشيعة عن الانخراط في أجهزة الدولة، بما نصه:”فقد كان الشيعي يحذّر من شيخه أنه محرّم عليه أن يتوظف في حكومة غريبة عنه” وهو رأي صحيح جزئياً، الا أنه يعرض نصف الحقيقة، ويعكس بدرجة اساس الموقف الشيعي، والنصف الثاني للحقيقة نجده في مكان آخر ذكره النفيسي في مورد مختلف رأي يتصف بما نصه “أما أسلوب الحكم الذي كان الاتراك يمارسونه فقد كان اسلوباً يتميز الى حد بعيد بالتعصب والطائفية ضد الشيعة”
حاول د. النفيسي أن يؤرخ لأوضاع الشيعة في العراق في ظل الحكم العثماني، مستنداً الى الوقائع التي شهدتها مناطق الشيعة ، حيث لحظ بأن هناك مرحلتين مرت بهما العلاقة بين الشيعة والعثمانيين في ضوء تلك الوقائع: ـ الوقائع التي سبقت القرن الثاني عشر للهجرة ، والوقائع التي وقعت بعد القرن الثاني عشر، ويرد الى ذلك الى “أن القرن الثاني عشر للهجرة كان قرناً ساده السلام والوئام ، فلم تقع فيه وقائع من أي نوع”
وسنطالع هنا رصد الوقائع كما حددها الاستاذ النفيسي، مضافاً اليها ما ورد في مصادر اخرى من معلومات وتفاصيلات لهذه الوقائع ومنها:
1ـ وقائع المنتفق عام 983هـ
2 ـ وقائع الفتلة
3 ـ وقائع الغرّاف 1083هـ
4 ـ وقائع الخزعل.
وهناك وقائع جرت بعد القرن الثاني عشر للهجرة نتيجة للتمردات والثورات ضد الحكم التركي وكان الرد:
1 ـ حرب نجيب باشا في كربلاء 1258هـ
2 ـ حرب سليم باشا في النجف 1268هـ
3 ــ حرب مدحت باشا في الدغّارة
4 ـ حرب شبلي باشا في شامية وأبو صخير 1292هـ
5 ـ حرب يوسف باشا في الغرّاف 1296هـ
وفي الواقع، أن التقسيم الذي اتبعه الدكتور النفيسي ينطوي على قوة في ذاته ، كونه يحدد أمد الكراهية والملابسات المحيطة بها. وسنضيف اليها التطورات السياسية الاقليمية التي لعبت دوراً كبيراً في تأجيج التوترات الداخلية ، وهذا من شأنه أن يرفع الغشاوة عن الحقائق، بالرجوع الى سيرورة وصيرورة الصراع المحتدم ودوافعه والقوى الضالعة فيه.
إن الازمة التي اصابت العلاقات السياسية بين الدولتين الصفوية والعثمانية منذ مطلع عهد السلطان سليم الاول تستقطب اضواء كثيفة واهتماماً خاصاً من الباحثين، فهي تمثل الانطلاقة الاولى لصراع مفتوح وطويل الامد بين جارتين مسلمتين، سيترك آثاره على مستقبل المشرق الاسلامي برمته.
لقد بدأ الصراع العسكري الدموي بفعل تضافر عدة عوامل منها : التحالف الصفوي المملوكي ضد العثمانيين، ولجوء المعارضة العثمانية الى فارس ، ومساعي الصفويين لنشر التشيع في بلاد الاناضول ، وتوظيف التذمر الشيعي هناك من التمييز الطائفي العثماني في حركات احتجاجية مناهضة للحكم العثماني السني.وفي خطوة انتقامية ، اتصفت بالوحشية امر السلطان سليم الاول وكرد فعل على تدابير الصفويين تلك، بقتل جميع الشيعة في بلاده المتاخمة لبلاد العجم فقتلوا بطريقة سرية وقيل أن عدد كل من قتل قد بلغ 40 ألفاً وفي احصائية اخرى 70 ألفاً، ولم يكن قتل الشيعة بصورة جماعية يتم دون الحصول على فتوى فقيه حنفي، أجاز للسلطان سليم قتل الشيعة بعدّهم مارقين عن الاسلام ثم سار سليم الاول على رأس جيش يضم 80 ألفاً و 40 ألفاً من المشاة الى ايران واشتبكت قواته بقيادة سنان باشا مع جيش الشاه اسماعيل في جالديران سنة 920 ـ 1514 انتصر فيها العثمانيون واحتلوا تبريز كما سيطروا على الاناضول الشرقية نهائياً واحتلوا ديار بكر ومنطقة مرعش .
وقد أسفرت هزيمة الصفويين عن ذهاب كثير من مناطق نفوذهم، وسيطر العثمانيون على طريق نقل الحرير الفارسي، بين تبريز وحلب، وبين تبريز وبورصة، فيما انصرف الصفويون نتيجة لهذه الهزائم طيلة القرن السادس عشر باعادة تنظيم جيشهم ، مما مكّن العثمانيين من احتلال العراق دون مفاومة تذكر وقد اتبع العثمانيون تدابير صارمة في محاربة الميول الشيعية في كل من سامراء والموصل ، وسار على ذلك السلطان مراد الرابع (1609 ـ 1640) والسلاطين من بعده ، وربما اضطرت سياسة العثمانيين مع الشيعة في الموصل الى اعتناق قسم من الشيعة المذهب السني، وخصوصاً في الاعرجية وبصورة عامة، هيأت تلك الفتاوى ، والدعاوى المزعومة، والطموحات السياسية في العراق مناخات شديدة الاحتقان، سيطرت على العلاقة بين الشيعة والعثمانيين، ولم تؤد تلك السياسات الى سوى المزيد من التعقيد في المسألة العراقية بدلاً من الانفراج والتسوية، وهكذا لم يرض شيعة العراق وهو يشعرون بالغبن وانتقاص الحقوق، معززاً بالنظرة الى كونهم يمثلون أغلبية سكان العراق، الخضوع لحكومة اقلية مذهبية تمارس تمييزاً مذهبياَ ضد اكثرية السكان، وكان من الطبيعي أن تؤول الاوضاع الى التشنج والانتفاض ، وكان طبيعياً أن تستقطب المدن الشيعية المقدسة مشاعر الاحتجاج وتحتضن الحركات الاعتراضية ، لما تمثله هذه المدن في الذاكرة الشيعية الجماعية من رموز دينية ومذهبية وقلاع يتحصنون فيها في ظروف التمييز ، فقد ثارت كربلاء عام 1241 على الحكومة العثمانية ، وكان والي بغداد حينذاك داود باشا ، الذي منع عنها الميرة، ثم ضرب طوقاً شديداً حولها بغية السيطرة عليها، وفي عام 1258 ـ 1843 امتنع اهالي هذه المدينة المقدسة عن دفع الضرائب المفروضة عليها من العثمانيين، فأرسل والي بغداد نجيب باشا قوة بقيادة سعد الله باشا لاخضاعها، والقضاء على زعيم اليرماز ابراهيم الزعفران الذي اتهمه نجيب باشا بالتحكم في مقدرات مدينة كربلاء، ولكن نجيب باشا فوجىء بصمود اهلها وممانعتهم ، فاضطر للخديعة ، فأرسل اليها منشوراً يتضمن عفو الحكومة عنهم، فلما نزلوا عن الابراج والحصون وفتحوا له الابواب ، أمر الجيش فهجم وسلط مدافعه على جهة السور الشرقية، فهدمتها القنابل حتى دخل بجيشه حضرة العباس بن علي وقتل كل من لاذ باللقب،
وقد أحدثت المجزرة استياءا عارماً في ايران والعراق، وأعلن الحداد ، وكادت تقع الحرب بين ايران وتركيا، بعد أن أقسم الشاه محمد علي بالثأر للضحايا الابرياء، وتدخل كل من سفيري بريطانيا وروسيا ، وتقدمت ايران بمذكرة احتجاجية للدولة العثمانية وتقدمت بمطالب منها: أن يتعهد الباب العالي بدفع تعويضات لأسر الضحايا ، وأن يعلن استنكاره للمجزرة التي قام بها الوالي نجيب باشا دون علمه، وأن يعلن عن أسفه لدماء الابرياء ، وأن يتولى اعادة بناء ما هدمته جحافل قوات نجيب باشا من العتبات المقدسة، وأن يحكم بالعدل ويضمن حماية السكان الايرانيين المقيمين في كربلاء والقاصدين زيارتها، وأن يوجه انذاراً الى الوالي بالعزل عن منصبه إن هو عاد وارتكب مثل هذه الحماقات، وأن تبلغ هذه القرارات الى جميع السفارات العثمانية.وقد وافقت الحكومة العثمانية على ماجاء في هذه المطالب.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.