نقد النقد وإختصام السلطة في كتاب «النقد الثقافي ريادة وتنظير وتطبيق – العراق رائداً»

مهخخهجه

“النسق المُضمر” هو ما يبحث وراءه الناقد والشاعر العراقي حسين القاصد في كتابه “النقد الثقافي ريادة وتنظير وتطبيق – العراق رائدًا” الصادر عن دار التجليّات للنشر عام 2013 في القاهرة، والنسق المُضمر هو كُل أنماط الفكر التي لم يتم التعبير عنها صراحةَ لكنها دفعت أصحابها إلى تبني آراء ومواقف كان من المُمكن مُساءلتها وعدم التسليم بصحتها تمامًا، لولا السُلطة المعنوية التي يملكها مروجوها في العالم العربي، وعن طريقها يقمعون الأصوات المُعارِضة.إن القاصد هُنا يبني مُعارضته لنماذج بعينها من المُثقفين العرب، كالناقد السعودي عبد الله الغُذامي، دون أن يستسلمْ للكلام من جوف الغضب فقط، وهو أمر بادٍ في أسلوب الكتاب، إنما يحاول أن يجعل ردوده هذه دقيقة وعلمية، تستندْ على مراجع، ومجهود بحثي كبير يفيد من أساتذته السابقين، وهو في كُل هذا يُريد أن يُثبت ريادة وطنه العراق، في مسألة النقد الثقافي تحديدًا.يُحاسبْ القاصد عبد الله الغُذامي على مواقف سابقة من تجارب فنيّة عربية، مثل رأيه في المُتنبي، فحسب القاصد، لقد كان الغُذامي يرغب في قمع المُتنبي فنيًا، ولهذا لجأ كبديل عن الكلام في نصوص المُتنبي إلى هدم الشعِّر كله كي يهدم المُتنبي، حين عرض رواية لحديث الرسول يقول فيها “لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير من أن يمتلىء شعرًا”، الغُذامي الذي راغ إلى السُلطة الدينية كي ينتصر على المُتنبي الفنان، أغفل الرواية الثانية للحديث التي يقول فيها الرسول “لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير من أن يمتلىء شعرًا هُجيت به”.
ويرى القاصد في عنوانه الفرعيّ “الطاغيّة والمُثقف”، أن الغُذامي قد نذر نفسه للهجوم على العراق وعلى أدب العراق وجيش العراق، حين نسبهم جميعًا إلى صدام حسين، وهو أمر غير معقول؛ لأن الأدب والجيش ينتسبان إلى الدولة لا إلى الطاغية، بينما كان من الأولى حسب القاصد، أن يتحدث عن الشأن السياسي السعودي، وفيه مما يُمكن أن يُنتقَدْ الكثير، أو حتى الشأن المصري، فلماذا يغض الغُذامي حواسه عن “جمال عبد الناصر، وحروبه، وديكتاتوريته، ولعل ذلك كان مُغازلة للإعلام المصري الذي له سطوته في تلميع الأسماء وتسقيطها أيضًا” (ص26). ويُقارن القاصد بين موقف الغُذامي المُتحامل هذا وبين موقف أستاذ القاصد الأعرجي، الذي وجهّ نقده، لسُلطة القذافي وسُلطة صدام حسين وكانت قد وصلت إلى حد تصور إمكانية المُراجعة على المُثقف العربي، بصفتهم أكثر علمًا وموهبة منه.
وفي فصل آخر، يذهب القاصد إلى “الشعوبية” وهي التُهمة التي اختارها النُقاد العرب، لهؤلاء الذين لا ينتمون بالكامل إلى الأصل العربي، بحيث يصبحون أقل مرتبة وأدنى قيمة من الآخرين العرب، و تُهمة الشعوبية الأدبية هي التي التُهمة الجاهزة تنتقص من قيمة المُنجَز الأدبي للفنان العربيّ، لأسباب لا تخص الأدب أبدًا، التُهمة التي واجهها أدونيس بسبب الطبقة التي كان ينتمي إليها اجتماعيًا، وواجهها أبو تمام حين خرج على العمود الشعِّري، كانت كفيلة نقديًا، ببناء أحكام نهائية تتخذ موقفًا سلبيًا من المُبدعين العربْ الذين يصيرون منبوذين.
أما “تأنيث القصيدة” النظرية التي كان يؤمن بها عبد الله الغُذامي ويرى من خلالها إنجاز الشاعرة العراقيّة نازك الملائكة، فإن القاصد يُفرِد مساحة خاصة للردّ عليها، إن الغُذامي ينطلق في أفكاره من الجذور الثقافية العربيّة التي ترى تفوق الرجل وتسيُّده على المرأة، ولهذا كان كبار الشُعراء العرب يُمدحون بوصفهم فحولًا، بينما لم تُمْدح أبدًا شاعرة عربية بالكلمة نفسها، هكذا رأى الغُذامي أن الشعِّر الحُر الذي كتبته نازك كان محاولة لكسر عمود الشعِّر، وهو الرمز الواضح للرجولة، وتجاهُل البحور الشعِّرية التي يصفها الغُذامي بالمُذكرة، لصالح بحور أنثوية. القاصد يشرح فكرة الغُذامي أولًا، ثم يسائله: “فهل يتمْ تأنيث القصيدة حين تقولها الأنثى؟ وبصورة أدق: هل هو تأنيث القصيدة أم تأنيث الشاعر؟ ثم أليست القصيدة لفظًا هي أنثى؟”، ص (49).
ويقوم القاصد بطرح وجهة نظر مُتصادمة مع رأي الغُذامي، عن فكرة تأنيث القصيدة “وإذا عُدنا للريادة فلقد عثرنا على تجارب ناضجة من الشعِّر الحُر (التفعيلة) في نهاية العصر العباسي، وكانت تجارب ذكية أغفلها القامع الديني كون الشاعر ليس مواليًا للسلطة” (ص 51).يبدو القاصد في فصول كتابه، كأنما يختصم السُلطة لا بشكلها المُباشر إنما بظلالها المعنويّة داخل المجتمعات العربيّة، وخصوصًا سُلطة الناقد الديني والاجتماعي، وسُلطة التجارب الفنيّة التي لم يعد من الممكن الاقتراب منها وإعادة تقييمها كتجربة الشاعر أحمد شوقي، والشاعر نزار قبّاني، وهو في هذا السعيّ الجريء لإلقاء حجرة في البُحيرة الراكدة، يُعيد تعريف دور الناقد المُفترَض، ويُعيد تقييم أدائه الفعليّ من غير أن يلجأ إلى التعريف المُباشر، كما يفعل مثلًا في إيراده “لمقال نقدي يصلح لجميع القصائد” (ص 63)، وحين ينتقد ممارسات نقديّة ألهّت كُتاباً عراقيين مثل يوسف الصائغ، وهو في كل ذلك يوازن بين التعبير عن رأيه الشخصيّ، وبين الرجوع لمصادر ومراجع أصليّة للتوثيق.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.