جريدة الزوراء تتحدث عن مشروع سدة الهندية في الحلة

غعخعهخهع

لاتعود فكرة مشروع سدة الهندية الى السنة التي وضع فيها هذا المشروع موضع التنفيذ عام 1889 م ، وانما له خلفياته التاريخية اسما وحدثا ، فتسمية نهر الهندية (بالهندية) انما تعود لأحد الهنود المسمى آصف الدولة ـ وزير محمد شاه الهندي ـ حيث تبرع لحفر نهر يوصل الماء الى مدينة النجف ابتغاء الثواب والاجر. وصادف ان تحول الماء الى هذا النهر بسبب انخفاض ارضه عن الارض التي يمر بها الفرات الى مدينة الحلة والديوانية ، فانقطع الماء عنهما مدة من الزمن حتى انه انقطع تماما عام 1304 هـ/ 1886م الا في حالة الفيضان . ولما كان لواء الحلة و الديوانية يقعان على النهر الاصلي وان معظم واردات الدولة منهما . قررت الحكومة إقامة سدة على نهر الهندية ليستقيم مجرى الماء.
ومن الجدير بالذكرفأن العمل بهذا المجرى قد تم في اوائل القرن التاسع عشر. ومما يؤيد ذلك ان الرحالة الفارسي الميرزا ابا طالب خان ، الذي كان قد غادر بغداد في14 ذي القعدة 1217 هـ / اول اذار 1803 لزيارة الاضرحة المقدسة في كربلاء و النجف قال:”وبعد ان قمت بواجب الزيارة في كربلاء وبارحتها قاصدا النجف بطريق الحلة فقدمت اليها في اليوم بعينه ، وفي هذه المدينة الاخيرة ـ التي هي على مسافة ستة عشر فرسخا رأيت في طريقي قناتين : الاولى تسمى نهر الحسيني (الحسينية) ـ على بعد اميال قليلة كربلاء .
والثانية تسمى نهر الهندي (او الهندية ) ، او الآصفي لأن آصف الدولة حفره بنفقاته وهو اعرض من نهر الحسيني ، والغرض من حفره ايصال الماء الى مرقد الامام علي . الا انه لم يصل الى النجف لأن باشا بغداد والناظر في شؤون القناة جعلها تمر بالكوفة وعدة مدن اخرى ،بحيث لاتزال بعيدة عن الوصول الى موضعهاالمقصود ، ومع هذا فالاعمال مداوم عليها”.
ويؤخذ من الروايات التاريخية ان المياه بدأت تتحول بصورة سريعة من فرع شط الحلة ، الذي كان يؤلف مجرى الفرات الرئيس في ذلك الوقت ، الى فرع نهر الهندية ، بحيث تطلب الامر اتخاذ بعض التدابير لايقاف توسع هذا المجرى . وكانت اول محاولة لتوجيه قسم من ماء نهر الفرات الى فرع الحلة هي التي قام بها علي رضا باشا (1831 ـ 1842 )، ومحمد نجيب باشا (1842 ـ 1849 )حيث انشأ هذان الواليان سداً على فرع الهندية بغية تحويل مياه الفرات الى فرع الحلة ، وحاول عبد الكريم نادر باشا (1849 ـ 1851 ) غلق الفرات في صدر فرع الهندية بوساطة ناظم بناه من الاجر ، الا انه اتهدم في عام 1854. ومع ذلك كله ، فأن الولاة العثمانيين لم يعيروا نظام الري والسيطرة على مياه دجلة و الفرات اهمية كبيرة ، لتنظيم مياههما والسيطرة على الفيضانات فيهما اذ يظهر ان نصف كمية المياه في نهر الفرات خلال سنة 1887 كانت تمر بشط الحلة (كما كانت الاوضاع في سنة 1849) ، في سنة 1887 فأن شط الهندية اصبح المجرى الرئيس وبذلك هددت المناطق الزراعية الواقعة على المجرى القديم (اي نهر الحلة) بينما تعرضت الاراضي المحيطة بالمجرى الجديد (اي نهر الهندية ) للفيضانات.ولمناسبة انخفاض مناسيب المياه في نهر الفرات خلال عام 1882 في الحلة ، لجأ الاهالي الى عمل السداد في اكثر من ثلاثة عشر موضعا داخل قضاءي السماوة والشامية . وافادة مراسل جريدة الزوراء في السماوة ان السدات المعمولة من الاهالي لم تبق من الرميثة الى موقع السماوة طريقاً حتى لمرور الزوارق الصغيرة، وان البضائع التجدارية صارت تنقل براً , وان اراضي نهر الهندية المتشعب من الفرات منخفضة عن اراضي نهر الحلة , مما جعل ميل الماء الى تلك الجهة قد تزايد.ولابد لنا ان نشير بهذه المناسبة ، بأن انخفاض مجرى نهر الهندية لم يكن هو السبب الوحيد في تحول مياه نهر الفرات اليه ، وانما كان لتراكم الطمى في مجرى نهر الحلة وعلى الاخص في منطقة أهوار لملوم قد ادى الى ارتفاع تلك المنطقة على مرّ الزمن بحيث لم تعد لها قادرة على استيعاب كل مياه الفيضان , فأضطرت المياه الزائدة على ان تجد لها عن منفذ تجري فيه ، فكان ان وجدت في جدول الهندية منفذاً ملائماً فتحولت ، واتجهت نحو اراضي بحر النجف المنخفضة. وهكذا شقت المياه طريقها في جدول الهندية فتوسع حوضه بحيث لم يمض وقت طويل حتى اخذت كل مياه النهر تجري فيه. ومهما يكن الامر، فأن هذه التحولات في مجرى نهر الفرات التي جرت الى نتائج سلبية كثيرة ، ارتبطت بالزراعة والقبائل التي كانت تستوطن حوض نهر الفرات الاوسط والجنوبي. اذ ان شحة مياه نهر الحلة وجفافها في بعض المناطق ، وتحول قسم من الاراضي الزراعية في قضاء سوق الشيوخ في المنتفق الى اهوار ومستنقعات قد اثرت في زراعة بعض العشائر منذ اواخر الثمانينيات من القرن التاسع عشر. فقد اضطرت بعض جماعات من تلك العشائر الى التفرق والتشتت و النزوح الى مناطق نهر الفرات في المنتفق , وبعض مناطق نهر الشنافية في الديوانية وبين عشائرها ، بل اضطرت جماعات اخرى من تلك العشائر الى ان تعيش متنقلة في تلك البراري ، ونزحت جماعات اخرى الى بعض المدن للاشتغال ببعض الاعمال او الهجرة الى الاحواز كما هو الحال بالنسبة لعشيرة بني اسد. ان هذه التطورات التي شهدتها مناطق الفرات الاوسط ، هي التي دعت الحكومة العثمانية الى استدعاء مهندس الري الفرنسي (شوندورفر) ، للقيام ببناء سدة عند مدخل فرع الهندية ، فبنيت السدة بالطابوق الذي تعاقدت السلطات الحكومية مع رؤساء قرى مختلفة على تزويدها به من خرائب بابل.
وانتهى العمل من تشيد السدة في سنة 1890 ، وتم افتتاحها برعاية والي بغداد سرّي باشا ، ووسط احتفالات ضخمة شاركت فيها بعض القطعات العسكرية ، والعشائر ووجهاء بغداد و الحلة وكربلاء. وادى بناء تلك السدة الى رفع منسوب المياه في فرع الفرات بمقدار مترين، وبالتالي الى تحول ثلثها الى مجراها الاصلي، اي الى فرع الحلة ودخول ثلثيها الباقيين الى فرع الهندية . وقد ساعد ذلك على احياء مساحات كبيرة من الاراضي بما فيها اراضي السلطان عبد الحميد المعروفة بالأراضي السنية.
ويعلق سليمان البستاني على هذا الانجاز بقوله: “قدرت النفقات الازمة لبناء سدة الهندية بثمانيمئة الف فرنك لا غير. وقد كان الولاة قد انفقوا اضعاف ذلك المبلغ ، فلم يأت ثمره.فأرصد المال في الحال واقدم شندرفر واعوانه على العمل بعلم واخلاص بضعة اشهر وانتهوا منه سنة 1890، فرجعت المياه الى مجاريها وعمرت الحلة بعد ان كانت على قيد شبرين من الخراب التام . وحيث الوف الاجربة من املاك الاهالي ومستمسكات الخزينة الخاصة ، وهذا هو العمل الوحيد من نوعه في ايام الحكومة الغابرة.ومما يذكر ان سدة الهندية كانت قد انهارت عام 1903 ، مما ادى الى جفاف فرع الحلة وتحول معظم مياه الفرات الى فرع الهندية مرة اخرى ، مما عرض مدينتي الحلة والديوانية الى الجفاف . وقد حفز هذا الامر الحكومة العثمانية على الاهتمام بالامر مرة اخرى فانتدبت المهندس الانكليزي وليم ويلكوكس الذي كان يعمل انذاك في مصر ـ الى العراق لاعداد دراسة حول طرق استغلال مياه نهري دجلة والفرات بالشكل الامثل. والى جانب ذلك فقد كلفت الحكومة العثمانية عام 1906 المسيو لوتي كوونيه ـ وهو احد خبراء الري في اوربا للنظر في امكانية بناء السدة مرة ثانية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.