الإنسان والدين .. فطرة أم خوف أم إستلاب

الدين لغة مشتق من الفعل الثلاثي (دان)،وهو تارة يتعدى بنفسه،وتارة باللام،وتارة بالباء،ويختلف المعنى باختلاف ما يتعدى به،فإذا تعدى بنفسه يكون (دانه) وضعه موضع المخطئ، وقهره وحاسبه،وإذا تعدى باللام (دان له) بمعنى خضع له،وأطاعه، وإذا تعدى بالباء يكون (دان به) بمعنى اتخذه ديناً ومذهباً واعتاده،وتخلق به،واعتقده.
والدين حالة إعتقادية لدى الإنسان تجعله يتخذ منهجاً أو طريقاً معيناً سبيلاً للعبادة،وهو عميق الجذور في تاريخ البشر فعلماء التاريخ والآثار يؤكدون وجود مظاهر ومعالم للتدين والعبادة في حياة مختلف الشعوب البشرية. ذلك لأن الاعتقاد والإيمان انبعاث فطري وحاجة معنوية روحية في شخصية الإنسان لا يمكن تغافلها أو تجاوزها،كما أن للجسد حاجات ومتطلبات تفرض نفسها على الإنسان.
صحيح أن هناك من يناقش حول دوافع التدين عند البشر ويتلمس لها أسبابا وجذورا غير الفطرة والروح حيث يرى الفيلسوف الإنكليزي (برتراند راسل) مثلا إن منشأ ظاهرة الدين هو الخوف من العوامل الطبيعية ويرى الماركسيون أن الله جاء نتيجة الاستلاب(والاستلاب (بحسب الماركسيين) هو وقوع الكائن العاقل،الذي يمتلك حيزاً من التفكير العادي،والمتفاعل مع محيطه بالضرورة،في موقع الأسر الكلّي،وشبه المطلق،لفكــرة ما،أو لمقدرة أكثر تأثيراً من مثيلاتها،بحيث تكون اللولب الجوهري الذي تدور في فلكه كلّ المسمّيات الأخرى)،لذلك فالظاهرة الطبقية الاقتصادية والحالة الطبقية هي التي تصنع الدين والاعتقاد،ولكن هذه التفسيرات لا تصمد أمام النقد العلمي الموضوعي رغم إنها قد تصدق في بعض الأحيان إلا أنها ليست قانونا ينطبق على جميع الديانات ولا تنفي الدافع الفطري الروحي للتدين:”..فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” سورة الروم،الآية 30،وكتب(ويل ديورانت) يقول:”إن الإيمان أمر طبيعي وهو وليد الحاجات الغريزية والإحساسات المستقيمة بصورة مباشرة، أقوى من الجوع وحفظ النفس والأمان والطاعة والانقياد”.
ويقول أيضا: “صحيح أن بعض الشعوب البدائية ليس لها ديانة إلى الله،لكن بعض القبائل الأقزام في أفريقيا لم يكن لهم عقائد أو شعائر دينية على الإطلاق،إلا أن هذه الحالات نادرة الوقوع ولا يزال الاعتقاد القديم بأن الدين ظاهرة تعم البشر جميعا اعتقادا سليماً وهذه في رأي الفيلسوف حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية” وفي هذا الصدد يقول (دبلوتارك) المؤرخ الاغريقي الشهير منذ نحو من ألفي سنة:”من الممكن أن نجد مدنا بلا أسوار ولا ملوك ولا ثروة ولا آداب ولا مسارح ولكن لم ير قط مدينة بلا معبد، أو لا يمارس أهلها عبادة” فبما أن الإنسان كائن عاقل مفكر فمن الطبيعي أن يتساءل!،مع نفسه عن مبدئه ومصيره،وعن العلة والغاية من خلقته ووجوده في هذه الحياة،وعن تفسير الظواهر الكونية والطبيعية التي يعايشها.
وشاءت حكمة الله تعالى مساعدة البشر في الوصول إلى الحقيقة ليتعرفوا خالقهم وليفهموا نشأتهم،فبعث الله الأنبياء والرسل(عليهم السلام) ليثيروا عقول الناس،ويروون ظمأ أرواحهم بالمبدأ الصحيح والدين الإلهي.
حتى بلغ عدد الأنبياء من بداية تاريخ البشر 124 ألف نبي أولهم آدم وآخرهم وخاتمهم وأفضلهم نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).وهؤلاء الأنبياء كانت دعوتهم واحدة، والدين الذي يبشرون به واحد، وان اختلفت تفاصيل التشريعات، وتفاوتت مستويات التكامل،تبعا لاختلاف الأزمنة والعهود،وتطور حياة البشر،إلا أن الجوهر واحد وهو عبادة الله وتوحيده والاستعداد للدار الآخرة. وهناك أمم وأجيال من البشر حرمت نفسها من الاستضاءة بهدى السماء ولكنها لا تستطيع الحياة من دون عقيدة أو دين فاصطنعت لنفسهما أديانا ومذاهب،نسجتها من تصوراتها البشرية المحدودة،وأنشأتها على الخرافات والأساطير والأوهام.كما أن العديد من الديانات السماوية تعرضت للتحريف والتشويه وتحولت إلى أديان ممسوخة بعيدة كل البعد عن واقع الرسالات الإلهية. ولو تصفحنا تاريخ الديانات وألقينا نظرة على أوضاع شعوب العالم المعاصر المتدينة لرأينا شتى الديانات المختلطة بالأوهام والقائمة على الأساطير.
فقد كانت العرب في الجاهلية تعبد الأصنام المصنوعة من الحجارة ،والبعض كان يصنع له صنما من التمر فيعبده كإله فإذا جاع أكله..وإلى الآن نجد في الهند مثلا من يعبد البقر أو الماء أو الجنس..وهناك من يعبد الشمس أو القمر أو سائر النجوم إلى آخر ما هنالك من أديان وعبادات .
ولو سلمنا كل مناشئ الأديان سواء الوضعية أم السماوية هو الخوف أو الاستلاب ،لتطلب من القائلين بهذا المنهج الإجابة على سؤال مؤداه كيف تستطيعون الخروج من ظاهرة العلة والمعلول فأنتم(أي الملحدون) ترجعون نشأة الوجود الى قوة غير عاقلة وغير مدركة لما تفعله ،وهذا خلاف منطقكم نفسه فعليكم أن تأتوا بدليل على امكانية أن يوجد وجود عاقل مثل الإنسان من وجود غير عاقل قبله وهذا مستحيل ولا يمكن أن يكون حتى صدفة،لذا فنحن أصحاب البينة على أن الوجود العاقل المتمثل بالإنسان ما هو إلا خلق أوجده وجود كامل سامٍ من العدم وهي لحظة البداية التي تفتقدون لها إذ لكل شيء بداية ونهاية،ولو قلتم من أين بداية الله(والعياذ بالله)؟ فالجواب أن ما لا بداية له ولا نهاية له هو السرمدي المطلق،ولو كانت المادة وهي وجود غير عاقل سرمدية فمن أين جاءت سرمديتها ؟أما كان الأجدر أن يكون الوجود السرمدي عاقلاً وبذلك يكون الإنسان هو السرمدي لا المادة إذا كان أعقل مخلوق هو الإنسان الى فناء كمخلوق عاقل فما مصير المادة..؟!.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.