مقهى الشابندر منتدى أدبي.. أكثر منها مقهى !!

انهعمع

في بداية الاحتلال البريطاني لمدينة بغداد وفي عام 1917تحديدا أنشئ مقهى الشابندر التي تعد من اشهر المقاهي القديمة في بغداد حيث تقع في البناية المخصصة سابقاً الى مطبعة الزوراء خلال الحكم العثماني للعراق والتي أسسها الحاج محمود جلبي الشابندر . أصبحت هذه المقهى من الأندية الاجتماعية التي يتردد عليها التجار والموظفون والادباء والعمال ، يلجأون اليها طلباً للراحة، يجلسون يدخنون السكائروالنركيلة ويشربون اقداح الشاي والقهوة،اذ تمتاز بالطراز المعماري البغدادي الاصيل وهي مشيدة بالطابوق والجص ، ونظراً لفخامة البناء وانفراده من حيث التصميم والهندسة التي برع فيها المعمار العراقي فانها تعد من اهم المواقع الاثرية الشاخصة الى اليوم في بغداد مما جعل السواح والمراسلين الاجانب والمحطات الفضائية يتوافدون اليها للتمتع بها وعقد المقابلات الشخصية مع المثقفين والادباء والجمهور البغدادي الذين يرتادونها.
اشتقت هذه المقهى اسمها من أسم اصحابها ( اسرة الشابندر ) العائلة البغدادية العريقة التي عُرفت بالغنى والجاه ، وانجبت رجالا عرفوا في مجال التجارة والسياسة ، وعميدهم الحاج محمد سعيد الحاج احمد اغا الشابندر الذي كان والده رئيس التجار(شاه بندر) في بغداد وعيناً من اعيانها وكرمائها واخذ الاسم من هذه المهنة و الذي كان يسكن محلة ( جديد حسن باشا) ، وله قصران متجاوران يطلان على نهر دجلة في منطقةالاعظمية ( محلة السفينة ) ، وقد اوصى ببناء مسجد له بعد وفاته على جزء من ارض حديقة هذين القصرين وبنى المسجد وسمي( مسجد الشابندر) وذلك عام 1904 م ودفن فيه .
واشتهر عدد من احفاد ال الشابندر، منهم موسى الشابندرالذي شغل عدة مناصب دبلوماسية منها وزير للخارجية العراقية ابان احداث عام 1941 ومعمر خالد (الطبيب المعروف) والدكتور خليل وجميل . وهذه العائلة ترتبط بروابط وثيقة مع عائلة كل من فتاح باشا والالوسي والسنوي . تقع ( مقهى الشابندر) حالياً في نهاية شارع المتنبي(الذي كان يسمى الاكمك خانة سابقا) في محلة جديد حسن باشا مقابل سوق السراي ، و( الاكمك خانة) هي دار الطعام للجنود العثمانيين ثم اصبحت مخبزا عسكريا ابان الحكم الملكي وقد ازيلت وبني عليها مصرف الرشيد ،ويحيط بالمقهى ( القشلة ) وهي سراي الحكومة اضافة الى بنايات اخرى تعود الى اواخر عهد الدولة العثمانية، والمدرسة الرشيدية العسكرية التي شغلتها في عهد الدولة العراقية ( المحاكم المدنية) واخليت في الثمانينات من القرن العشرين الماضي لتصبح ابنية تراثية.
لهذه المقهى القديم تاريخ عريق فمن داخله انبثقت اغلب الانتفاضات الوطنية والحركات السياسية والنهضات الأدبية والفكرية، و رواده من إعلام الفكر والأدب والعلم والوطنية، و كتاب وشعراء وعلماء وصحفيين تركوا بصمات مضيئة في تاريخ العراق الحديث، ويجتمع فيه التجار وأصحاب الحرف و ذوو الحاجة من الناس وتناقش فيها أمور التجارة والبيع والشراء والعقود التجارية وغيرها من الأمور .
.شهدت هذه المقهى في عشرينات القرن العشرين الماضي للمرة الاولى دخول جهاز الحاكي (الفونوغراف) في بغداد حيث سارع اصحاب المقاهي الآخرون لاقتنائه فانتشرت عادة سماع الأغاني والتراتيل الدينية داخل المقاهي ، ثم دخل بعد ذلك جهاز آخر متطور هو ( الغرامافون) وقد بلغ التنافس بين المقاهي انذاك لجذب الرواد.
تميزت هذه المقهى باسلوبها الرائع في معاملة الزبائن وتقديم الشراب والشاي لهم ، ولاعتبارات أساسية وللمحافظة على سمعتها العريقة فقد مُنِعت اللعبتان المسليتان ( الدومينو والطاولي ) وتميزت ايضا بترتيب مقاعدها الخشبية التراثية القديمة واستطاع روادها قراءة االصحف الأجنبية والعربية ،كما ٍٍتعد منتدى أدبيا أكثر منها مقهى حيث تجري فيها المناظرات الشعرية والأدبية، زينت جدران طابقها الأول (الأرضي) بالصور الفوتوغرافية القديمة التي تمثل بغداد في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وكأنها متحف بغدادي قديم، كما وضعت في داخلها وعلى مكان مرتفع السماورات والاراكيل القديمة التي تدل على اهمية الأشياء القديمة التي عرفها البغداديون عبر تاريخهم الطويل ، اما الطابق العلوي من المبنى فكانت تقع فيه مكاتب جريدتي ( الكرخ) و( حبزبوز ) في الثلاثينيات من القرن العشرين الماضي حيث كان المغني رشيد القندرجي يقرأ المقام العراقي، وما تزال هذه المقهى التراثية قائمة الى الان متحدية اعمال التفجير الاجرامي الذي طال شارع المتنبي ودمره بالكامل واحرق اثاثه وصوره التاريخية التي لاتعوض،و برغم المحاولات اليائسة ايضا لتحويله الى محال تجارية،ويدار حاليا من الحاج محمد الخشالي منذ سنوات طويلة خلت.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.