آل سعود يقفون وراءها تاريخ التدخل المصري في شؤون اليمن هكذا تحجج عبد الناصر بحماية الحركة القومية فيها

عهعخهعخهع

بعد تولي عبد الله السلال قيادة الحرس الملكي تناقش ضباط الجيش فيما بينهم إذا كان هذا هو الوقت المناسب للقيام بالانقلاب أو الانتظار حتى عودة الأمير الحسن من الخارج للقبض عليهما معاً في وقت واحد. ولكن العقيد عبد الله السلال قرر التحرك وأمر بإعلان حالة التأهب القصوى في الكلية الحربية في صنعاء وفتح جميع مستودعات الأسلحة وتوزيعها على كل الضباط الصغار والجنود وفي مساء 25 أيلول جمع عبد الله السلال القادة المعروفين في الحركة القومية اليمنية والضباط الذين تعاطفوا معها أو شاركوا في محاولة انقلاب الثلايا عام 1955. وتم تنفيذ الثورة بوساطة 13 دبابة من اللواء بدر و 6 عربات مصفحة ومدفعين متحركين ومدفعين مضادين للطائرات وكانت الكلية الحربية هي مقر القيادة والسيطرة على القوات التي تقوم بالانقلاب. توجهت وحدة من الضباط الثوريين مصحوبة بالدبابات إلى قصر البشائر (قصر الإمام) , وقاموا باستخدام مكبرات الصوت لدعوة الحرس الملكي للتضامن القبلي وتسليم الإمام بدر الذي تقرر إرساله للمنفى بسلام, ولكن الحرس الملكي رفض الاستسلام وفتح النار على وحدة الضباط مما دفع الثوريين إلى الرد بقذائف المدافع والدبابات فقد قرر الثوار استخدام الدبابات والمدفعية منذ البدابة. وقد استمرت معركة القصر حتى استسلم الحرس الملكي في صباح اليوم التالي وكانت الإذاعة قد سقطت منذ البداية بعد مقتل ضابط ملكي واحد وانهيار المقاومة أما مخزن السلاح فكان أسهلها فكان يكفي أمر مكتوب من العقيد السلال لفتح المنشأة ثم تنحية الملكيين منها وتأمين البنادق المدفعية والذخيرة. وقد سقطت الاتصالات التليفونية أيضاً بدون أي مقاومة وفي قصر الوصول فقد ظلت الوحدات الثورية آمنة تحت ستار حماية وتأمين الدبلوماسيين والشخصيات الهامة التي جاءت لتبارك لولي العهد الجديد. وفي صباح 26 أيلول تم تأمين كل المناطق في صنعاء وأعلنت الإذاعة أنه قد تمت الإطاحة بالإمام بدر وحلت محله حكومة ثورية جديدة ثم بدأت الوحدات الثورية في مدن تعز وحجة وميناء الحديدة تأمين ترسانات السفن والمطارات ومنشآت الميناء. وكان عهد الإمام أحمد عهد معارضة وثورات وقد تعرض الإمام إلى 12 محاولة اغتيال منها محاولة فاشلة لاغتياله وهو على فراش الموت وما كانت الثورة التي قام بها الضباط عبد الله السلال وعبد الرحمن البيضاني والدكتور محسن العيني إلا تركيز النشاطات الثورية في جهد منظم واحد للإطاحة بحكم الإمام وقد كان قائد المجموعة، السلال متأثراً بقراءاته عن الثورة الفرنسية وكتاب عبد الناصر فلسفة الثورة. لم يشارك البيضاني – وهو مثقف يحمل درجة الدكتوراه – رؤية عبد الناصر على الرغم من أنه كان يريد خلق جمهورية على أرض اليمن ولكن بدون انتهاج الخط الناصري وهو الخط الذي اختاره عبد الله السلال وقد حدثت منافسة بين الإثنين انتهت لصالح السلال. وفي 28 أيلول أعلنت الإذاعة موت الإمام بدر على الرغم من إنه كان لا يزال على قيد الحياة وفي هذه الأثناء غادر الإمام العاصمة صنعاء وهرب إلى مدينة حجة في الشمال وكان ينوي أن يفعل ما فعله أجداده من قبل بالاستنجاد بالقبائل في الشمال وفي جبال حضرموت وشن حرب لاستعادة العاصمة. وفي 30 أيلول وصل العميد المصري علي عبد الخبير على متن الطائرة لتقييم الموقف وتقدير حاجات مجلس قيادة الثورة اليمني وعلى الفور تقرر إرسال كتيبة قوات خاصة مصرية (صاعقة) وكانت مهمتها العمل على حراسة العقيد عبد الله السلال ووصلت هذه الكتيبة إلى الحديدة في 5 تشرين الاول. وكان أنور السادات يعتقد أن لواء مدعوماً بالطائرات يمكنه تأمين السلال ومجموعة الضباط الأحرار اليمنيين ولكن تسارعت الأحداث, وقامت السعودية التي كانت تخشى المد الناصري بإرسال قوات إلى الحدود اليمنية وأرسل ملك الأردن رئيس أركان جيشه إلى الأمير حسن لإجراء مباحثات. ومن يوم 2 تشرين الاول إلى 8 تشرين الاول غادرت أربع طائرات شحن سعودية محملة بالسلاح لإرساله إلى القبائل اليمنية الموالية للإمام ولكن الطيارين اتجهوا إلى مدينة أسوان المصرية, وقد أعلن سفراء ألمانيا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة والأردن دعمهم لنظام الإمام بينما أعلنت مصر، إيطاليا، تشكوسلوفاكيا دعمهم للثورة الجمهورية.حاول المفكرون العسكريون المصريون تبرير سبب إرسال القوات المصرية إلى اليمن. وقد ذكر أنتوني نتنغ في كتاباته عن سيرة حياة عبد الناصر عوامل عديدة دفعت الرئيس المصري لإرسال قوات مصرية إلى اليمن. وكتب المؤرخ السياسي والصديق المقرب من عبد الناصر محمد حسنين هيكل في كتاب « لمصر لا لعبد الناصر», أنه قد تناقش مع عبد الناصر في موضوع دعم الانقلاب في اليمن وكانت وجهة نظره أن وضع ثورة السلال لا يمكنها من احتواء العدد الكبير من القوات المصرية التي سترسل إلى اليمن لدعم نظامه. وأنه من الأفضل التفكير في إرسال متطوعين عرب من جميع أنحاء العالم العربي للقتال بجانب القوات الجمهورية اليمنية وقد ضرب هيكل مثال الحرب الأهلية الإسبانية للتطبيق في اليمن ولكن عبد الناصر رفض وجهة نظره وكان مصراً على ضرورة حماية الحركة القومية العربية. وكان عبد الناصر يعتقد أن لواء من القوات الخاصة المصرية مصحوباً بسرب من القاذفات المقاتلة يمكنه أن يحمي الجمهوريين في اليمن وكان عبد الناصر يتطلع إلى تغيير النظام اليمني منذ 1957, وفي كانون الثاني 1962 وجد الفرصة سانحة لتحقيق تطلعاته وذلك بدعم حركة الضباط الأحرار اليمنيين بالإيواء والمال وعلى موجات إذاعة صوت العرب. كان عبد الناصر يعتقد أن قدر مصر هو مواجهة الاستعمار. كانت ينظر إلى الحرب في اليمن على أنها وسيلة لكسب النقاط في صراعه مع النظام الملكي السعودي الذي اعتقد عبد الناصر أنه سعى إلى فك الوحدة بين مصر وسوريا. أدرك عبد الناصر خلال ثلاثة أشهر من إرساله القوات إلى اليمن أن الأمر يتطلب أكثر مما توقع وفي بدايات عام 1963, بدأ مسعاه الذي امتد أربعة أعوام لإخراج القوات المصرية من اليمن لحفظ ماء الوجه ولكنه وجد نفسه مضطراً لإرسال المزيد من القوات. وكان عدد القوات أقل من 5,000 جندي في تشرين الاول 1963. وبعد شهرين ارتفع عدد القوات النظامية هناك إلى 15,000 وفي نهاية عام 1963 بلغ عدد القوات 36,000 وفي نهاية عام 1964 بلغ 50,000 جندي مصري في اليمن وبلغ العدد ذروته في نهاية عام 1965 ليبلغ عدد القوات المرابطة هناك 55,000 جندي مصري تم تقسيمهم إلى 13 لواء مشاة ملحقين بفرقة مدفعية وفرقة دبابات والعديد من قوات الصاعقة وألوية المظلات.
وقد أرسل السفير أحمد أبو زيد – الذي كان سفير مصر إلى المملكة اليمنية من 1957 إلى 1961 – العديد من التقارير الهامة عن اليمن التي لم تصل إلى وزارة الدفاع المصرية ويبدو إنها ظلت مدفونة في أدراج وزارة الخارجية فقد حذر السفير المسؤولين في مصر – بمن فيهم المشير عبد الحكيم عامر – أن القبائل اليمنية صعبة المراس ولا تملك أي إحساس بالولاء أو الانتماء للوطن وعارض السفير إرسال القوات المصرية واقترح دعم الضباط الأحرار اليمنيين بالمال والسلاح وحذرهم بأن السعوديين سيغرقون اليمن بالمال لتأليب القبائل ضد الثورة. لم يتفهم عبد الناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة المصريون أن تمركز قوات مصرية في اليمن – على أبواب المملكة العربية السعودية – سينظر إليه على أنه مسألة حياة أو موت لعائلة آل سعود، وكذلك فإنه سيعدّ زيادة التهديد على القوات البريطانية الموجودة في محمية عدن. ولم تُؤخذ هذه العوامل في الاعتبار عندما تم اتخاذ القرار النهائي بإرسال القوات المصرية إلى اليمن. وكان هناك بعد آخر خفي في هذا الصراع ألا وهو رغبة السعودية في أن تصبح القوة المؤثرة في شبه الجزيرة العربية وقد شكلت القوات المصرية تهديداً لهذا النفوذ التقليدي التي كانت تمارسه السعودية على اليمن وعلى دول الخليج الأخرى.
كان القادة الميدانيون المصريون يعانون من انعدام الخرائط الطوبوغرافية مما سبب لهم مشكلة حقيقية في الأشهر الأولى من الحرب فلم يستطع القادة وضع الخطط للعمليات العسكرية أو إرسال التقارير الدورية أو الإبلاغ عن الخسائر بدون الإحداثيات الدقيقة للمواقع. وكانت لدى وحدات القتال خرائط تستخدم فقط للملاحة الجوية. وقد أقر مدير المخابرات العامة المصرية صلاح نصر أن المعلومات عن اليمن كانت شحيحة ولأن مصر لم يكن لديها سفارة في اليمن منذ 1961, فقد طلبت معلومات من السفير الأمريكي في اليمن ولكن كل ما أرسله في تقريره كانت معلومات عن الاقتصاد اليمني.
وكان نقص الخرائط وعدم معرفة المصريين بأرض المعركة يؤدي إلى استمرار بقاء القوات المصرية في مستنقع اليمن وكان من بين القواد الذين تم إرسالهم لتنفيذ العملية 9000 – وهو الاسم الذي أطلقه قادة الجيش المصري على حرب اليمن – لواء مصري واحد من أصل يمني من قبيلة بني سند اسمه طلعت حسن علي وكان هذا اللواء هو الوحيد الذي يمكن أن يكون له معرفة باليمن. ولم يعان السعوديون والملكيون من هذه المشكلة بسبب الارتباط والتزاوج بين القبائل السعودية واليمنية على جانبي الحدود وبالإضافة إلى ذلك فقد قامت السعودية بإرسال آلاف العمال اليمنيين العاملين في المملكة العربية السعودية لمساعدة الإمام بدر. وكانت الزيادة في أعداد القوات المصرية نتيجةً مباشرة للتصعيد السعودي البريطاني, ولم يكن نتيجة الواقع على أرض المعركة أو حاجات عسكرية صرفة, وقد أرسل العراق البعثي أيضاً العديد من البعثيين اليمنيين على متن الطائرات لزعزعة استقرار نظام الضباط الأحرار اليمني الموالي للمصريين.
أدرك قادة الأركان العامة المصرية أهمية الجسر الجوي ولم يدرك المصريون تأثيره جيداً في اليمن حتى تشرين الاول 1963, في هذا الوقت كان الزعيم الجزائري أحمد بن بلة متورطاً في حرب الرمال مع المملكة المغربية الموالية للولايات المتحدة على قطعة أرض في الصحراء أعطيت للجزائر بعد طرد الاحتلال الفرنسي. وكان الجزائريون يمتلكون جيشاً يعتمد تكتيكات حرب العصابات في مواجهة قوات مسلحة تقليدية وطلب إبن بلة مساعدة من عبد الناصر في صورة كميات ضخمة من الدبابات والعتاد الذي جاء عن طريق البحر والجسر الجوي وقد جاءت على حسب كلام نتنغ بسرعة وكفاءة عالية من الجيش المصري ومكنت هذه المساعدات الجزائريين من الاحتفاظ بقطعة الأرض المتنازع عليها.
في كانون الثاني 1964 ، قام الملكيون بحصار العاصمة اليمنية صنعاء فقامت ناقلات الأنتونوف المصرية بعمل جسر جوي لنقل أطنان من الطعام والوقود إلى العاصمة المحاصرة وقدر المصريون تكاليف تجهيز القوات المصرية والجمهورية اليمنية بملايين الدولارات وبالإضافة إلى ذلك فقد قامت موسكو بتجديد مطار الروضة الحربي خارج صنعاء. فقد رأى القادة السياسيون السوفييت أنها فرصة لكسب موطئ قدم في شبه الجزيرة العربية ولذلك قاموا بتدريب المئات من الطيارين الحربيين المصريين للخدمة في حرب اليمن وقامت القوات الجوية والبحرية المصرية بغارات لقصف مدن نجران وجازان السعوديتين اللتين كانتا مأوى للقوات الملكية. وفي المقابل قام السعوديون بشراء نظام ثندربيرد للدفاع الجوي وقاموا بتطوير مطار خميس مشيط الحربي وحاولت الرياض إقناع واشنطن بالرد بالنيابة عنها على المصريين! ولكن الرئيس كنيدي اكتفى بإرسال سرب طائرات مقاتلة وقاذفات إلى قاعدة الظهران الجوية لإظهار جدية أمريكا في الدفاع عن مصالحها في المملكة العربية السعودية
قال عبد الناصر هذا الكلام في معرض حوار طويل دار بينه وبين بغدادي حول الموقف الراهن في البلاد يوم 11 تشرين الاول 1961, أي بعد الانفصال بعدة أيام. وقد عرضنا لهذا الموضوع من قبل وإنما أعيده هنا لأبين إلى أي مدى من التخبط كانت الحال التي كان عليها عبد الناصر بعد الانفصال, وفي مذكرات بغدادي عن تلك المدة المزيد لمن يريد الاطلاع, لذلك كان قرار عبد الناصر بالموافقة على اشتراك مصر عسكريا في حرب اليمن بمثابة القشة التي تعلق بها ليصل إلى شاطئ الزعامة التي فقد جزءا منها في دمشق, وجزءا منها في الجيش حينما اكتشف أن عبد الحكيم عامر أصبح يمثل قوة لا يستهان بها داخل القوات المسلحة, أما الجزء المتبقي منها فخشي على ضياعه من تنامي قوة من أسماهم بالرجعيين وأصحاب رؤوس الأموال.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.