قصة الانبار من الاستقبال إلى النزوح

مكطخحطخح

باقر العراقي

نزوح الآلاف من الانباريين كان متوقعا، لكنه تأخر لبعض الوقت، لاستخدام داعش طريقة البطش التصاعدي، وركون بعض أهل الأنبار لهذه الطريقة، وخاصة بعض شيوخ العشائر، ساعدتهم في ركونهم تصريحات أكثر سياسييهم المهادنة لداعش، والمهاجمة لمن يريد مد يد العون لمقاتلة داعش. نزوحهم ليس أكثر مما حصل لأهالي تلعفر، أو مناطق سهل نينوى، من إيزيديين وتركمان وشبك وغيرهم، لكنها تظهر الوجه الحقيقي والنسخة الأحدث، لمعنى داعش بالنسبة لأهل العراق ككل، لأن مناطق الانبار والفلوجة بالذات هي من استقبلت بذرة القاعدة بعد 2003، والتي فرخت هناك وصولا لداعش، إضافة لمن خُرِجَ من سجون الحكومة والأمريكان ليتخرج إرهابياً بامتياز. أغلب الانباريين صدّق مزاعم القاعدة، التي تزاوجت مع الضباط المسرحين قسرا، ونقشبندية الدوري، ورجال الأمن والمخابرات، والمتضررين من الواقع الجديد، إنغمس هؤلاء بأحلام القاعدة الوردية التي مَنتْهم بإعادة أمجادهم الضائعة، ففتحوا أبوابهم للأجانب كالشيشانيين وغيرهم، والعرب كالسوريين والليبيين والسعوديين وبقية العرب، المتعطشين لدماء العراقيين.زوجوهم بناتهم، وخالطوهم بسكب دماء عفتهن، مرة بالترهيب وأخرى بالترغيب، وشاركوهم بسفك دماء والأبرياء، إلى أن بدأ الأصهار بالتمادي، وفرض الأمر الواقع على الآباء الجدد، وجعلهم كالعبيد، عندها انتفض الأهالي وشيوخ العشائر للحفاظ على ما تبقى من شرفهم، بمساعدة الأمريكان وحث الحكومة آنذاك، حتى تم دحرهم خارج المدن، لكنهم لم يتركوا مناطق الانبار، وبقوا في أوديتها كواديي حوران والأبيض.

عمَّ الهدوء والسكون لفترات لا بأس بها في تلك المناطق، مع استمرار مفخخات بغداد، لفساد ضباط أمنها وحكومتها المركزية، وبدأت القاعدة تتمدد من جديد، عن طريق بعض ساكني المنطقة الخضراء، الذين أختلفوا مع المالكي لاحقا، وخرجوا بملف 4 إرهاب السيئ الصيت. بدأت التظاهرات في الرمادي، التي وصفها بالفقاعة، لكنها فقأت عينه، وكسرت ظهر الجيش العراقي بدخوله حرب المدن مع الأهالي ومن معهم من القاعدة، في معركة استنزاف بدأت نهاية 2012 في الانبار، ولم تنتهِ الا بنكسة حزيران. سلحت الحكومة العشائر من جديد، ومدتها بالأموال، ولكن هذه المرة ليس لمن يحارب القاعدة أو داعش، بل لشراء الذمم والولاءات تمهيداً لانتخابات نيسان 2014، ومن هنا أشتد بلاء الكارثة، وأُسقطت الموصل وصلاح الدين، وبقيت الانبار جسدا معتلاً بلا روح، معلقة بين أمرين، تهادن أو تستسلم..

تمترس الدواعش في المناطق التي احتلوها، ومنها مناطق الانبار، وأستمر التزاوج وبيع الأعراض، للدوعش بأثمان بخسة هذه المرة، ولم تسقط الرمادي، وكأنها حرب باردة بين الطرفين، وبعض سياسييها يتبجحون وكأنهم ضامنون لتصرفات الإرهابيين في مناطقهم، ويعترض أكثرهم على دخول الحشد الشعبي، فقصة سرقة الثلاجة أخذت من مداركهم حيّزاً كبيراً، وطغت مرارتها على مرارة ذبح وحرق الآلاف من أهلهم على يد داعش. الانهيار الأمني في الرمادي ونزوح 150 ألفا من أهلها، وتوجس المستقبلين من دخول داعش بينهم، خوفا من عودة المفخخات الى العاصمة ومناطق الوسط، جاء مباشرة بعد اجتماع لمجلس المحافظة، حينما أُطلقت ساعة الصفر لتحرير الانبار الكبرى، من غير علم حكومة المركز بتلك الساعة، ثم الهروب الجماعي في اليوم الثاني لأعضاء المجلس بأكمله، والوصول الى المنطقة الخضراء، وطلب النجدة من المركز، ما عدا نائب رئيس المجلس الذي بقى صامدا. ما حصل للانبار ظليمة كبرى، لم يتعرضوا لها على مدى تاريخهم، يتحمل مسؤوليتها أولا أخطاء الحكومة السابقة، وثانيها العقل الجمعي لأهلها، كحال كل العراقيين في مختلف مناطقهم، المحبوس بين العقلية العشائرية وعقلية الطائفية المقيتة. أما ثالثها؛ فهو استئثار مسؤوليها بالسلطة والفساد، ليجعلوا منها ضيعة يتنعمون بأموالها في عواصم العرب، ويبقى أهلها العاضين على أصابعهم حرقة وندماً، يحكون للتاريخ قصة 10 سنوات من الضياع، بين الاستقبال القهري للإرهابيين والنزوح القسري فراراً من بطشهم.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.