صناعة الأسلحة الروسية تواجه بفعالية الحصار الإقتصادي الغربي

نعكطخحطخ

منذ مدة غير بعيدة أعلن الرئيس الاميركي باراك أوباما، بزهوِّ من اكتشاف الأبجدية، ان “هذه الطريقة – طريقة الحصار الاقتصادي على كوبا – التي لم تأت بنتيجة طوال اكثر من نصف قرن، يجب تغييرها”، وبعد إعلان “الاتفاقية الاطارية” حول البرنامج النووي الإيراني، خرج أوباما مجددا ليصرح أن “طريقة الحصار والمقاطعة الاقتصادية لإيران لتركيعها وتطويعها، لم تأت أيضا بنتيجة!”.والسؤال الذي ينبغي الإجابة عليه في الوقت الراهن: اذا كانت “طريقة” المقاطعة الاقتصادية لم تأت بنتيجة لصالح الغرب الامبريالي، مع كوبا وايران، فكيف الحال مع روسيا؟

فشل إستعمار روسيا بوساطة “الطابور الخامس”

خلال مرحلة غورباتشوف ـ يلتسين، طبق النظام الروسي الليبيرالي حينذاك سياسة الانفتاح على الغرب، بمفهوم سلبي وهو فتح أبواب روسيا على مصراعيها للاحتكارات والعصابات والمافيات الغربية عامة واليهودية خاصة، لنهب روسيا بدون حسيب ولا رقيب، ولإفقار وتجويع الشعب الروسي وتقليصه ديموغرافيا حتى 50 مليون نسمة على الأكثر، حسب سبيغنيو بريجينسكي، ليتم التخلص نهائيا من روسيا كدولة كبرى، وتحويلها الى مستعمرة.ومع ذلك، وبعد إزاحة الخائن يلتسين وفريقه عن السلطة، فإن القيادة القومية المعتدلة الجديدة لروسيا، بزعامة فلاديمير بوتين، والتي قامت على التآلف وتوحيد الجهود بين قطاعات: الجيش، والمخابرات، والمجتمع الصناعي الحربي، وقطاع الطاقة (النفط والغاز والنووية) والقطاع المالي، نقول ان هذه القيادة القومية المعتدلة، وبعد ان وضعت حدا للاقتحام الغربي ـ اليهودي لروسيا، لم تنتهج سياسة عدوانية تجاه الدول الغربية، بل على العكس تماما انتهجت سياسة انفتاح وتعاون إيجابي مع الغرب، لطي صفحة “الحرب الباردة” السابقة تماما، والعمل المشترك لحل المشكلات التي تواجه العالم في العصر الحديث، كمشكلة حفظ السلام العالمي والحؤول دون تحول أي نزاع إقليمي الى صراع عالمي يحمل في طياته خطر الحرب النووية الشاملة، ومشكلة مكافحة الإرهاب.وفي هذا النهج الانفتاحي تنطلق القيادة الروسية من الادراك، انه لولا روسيا لما امكن القضاء على النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وانه اليوم بدون روسيا لا يمكن حل أي مشكلة عالمية. وبعد أحداث 11 أيلول 2001 في اميركا، وبالرغم من التحفظ تجاه الأهداف الحقيقية لاميركا وانتقاد التعرض للمدنيين، لم تعارض روسيا الحرب الاميركية ضد “القاعدة” في أفغانستان، بل على العكس سمحت للجانب الأميركي باستخدام الأراضي والأجواء الروسية لمرور قوافل الشحنات المدنية والعسكرية الأميركية والجنود الجرحى والمصابين. وفي 2009 استُقبل أوباما في موسكو كـ”صديق قديم” ورئيس “دولة كبرى حليفة” منذ الحرب العالمية الثانية، واتيح له إجراء مقابلات عامة والسير في شوارع موسكو ومصافحة المواطنين العاديين. وأنشئت آلية دائمة لتمثيل روسيا لدى الناتو والاتحاد الأوروبي، وانضمت روسيا الى مجموعة الثماني الكبار ومجموعة العشرين الكبار، الخ. وانفقت روسيا عشرات مليارات الدولارات لمد انابيب الغاز والنفط نحو أوروبا، ولمساعدة بعض البلدان الأوروبية في بناء او تجديد المفاعلات النووية لانتاج الطاقة الكهربائية الرخيصة.

الغرب “يعض” اليد التي مُدَّت إليه

ولكن هذه السياسة الدولية الانفتاحية ـ التعاونية لروسيا لم ترق للأوساط العدوانية الغربية، التي شرعت في تطبيق حملة إرهابية واستفزازية ضد روسيا، لعدّها إياها تمثل العقبة الرئيسة أمام الهيمنة الامبريالية الأميركية ـ اليهودية على العالم. وفي هذا السياق جاءت العمليات الإرهابية “الإسلامية المزيفة” ضد روسيا في العقد الأول من القرن الحالي، والتي شملت بعض مدارس الأطفال والمسارح والمستشفيات والمجمعات السكنية المدنية وقطار الانفاق والمطارات. وذهب ضحيتها آلاف المواطنين الروس المسالمين. وفي العقد الثاني من القرن، حركت الكتلة الامبريالية الغربية ما يسمى “الربيع العربي” في منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية الاستثنائية على المستوى الدولي، بهدف أساس هو طرد ما يسمى “النفوذ الروسي” في المنطقة، ومحاولة استدراج روسيا الى “فخ أفغاني” جديد في سوريا.ولكن “الفخ الافغاني” الذي نصبته جبهة الكتلة الغربية والعربية الموالية لها وتركيا و”إسرائيل”، بوساطة ما كان يسمى “المعارضة السورية” و”القوى الديمقراطية العراقية”، لروسيا وحلفائها، وقعت هي فيه. وها هي تلك الجبهة تضطر اليوم للاعتراف ولو إعلاميا بإرهابية “داعش” و”النصرة” وتوابعهما، وبضرورة التفاوض مع النظام السوري، وبحق ايران في امتلاك برنامجها النووي السلمي وحق روسيا بتسليم ايران صواريخ S-300 الروسية.و”الفخ” الذي تحاول الجبهة “العربية ـ الغربية” ان تنصبه لإيران وروسيا وحلفائهما في اليمن والخليج، ستقع هي فيه أيضا، ولن ينقذها من النتائج الدراماتيكية لهذا الفخ سوى ايران وروسيا وحلفائهما.اما “الفخ الافغاني” الذي نصبته الكتلة الغربية في تونس وليبيا ومصر، فقد حققت فيه بعض النجاحات المؤقتة في ليبيا، ولكنها منذ مقتل السفير الأميركي في ليبيا، بدأت هي نفسها تتخبط في شباك هذا الفخ، وحينما ينفجر غدا الغضب الساطع المضغوط لجماهير الشعب المصري، سيبدأ صرير الاسنان والعويل في “إسرائيل”.

النازيون الأوكرانيون في خدمة “الديمقراطية” الأميركية

وبلغت قمة التحدي والاستفزاز لروسيا في مؤامرة الانقلاب الفاشستي الذي تم في 21 شباط 2014 في كييف، وهو الانقلاب الذي نظمته المخابرات المركزية الأميركية، بالتعاون مع النازيين القدماء أنصار الزعيم النازي الاوكراني “ستيبان بانديرا”، الذي كان حزبه يقاتل الى جانب هتلر في الحرب العالمية الثانية، وارتكبوا المجازر ضد المدنيين في أوكرانيا وبولونيا وبيلوروسيا. وبقدرة قادر تحول أنصار “بانديرا” وهتلر الى “ديمقراطيين” واستبدلوا الأعلام النازية بأعلام الاتحاد الأوروبية والأميركية، وبدأوا باحتلال المباني والمرافق العامة وقتل واحراق المواطنين أحياء في الشوارع والأماكن العامة. بهدف استدراج روسيا الى حرب روسية ـ اوكرانية ولاتهام روسيا بالعدوان على جارتها، وبذلك يحصلون على قرارات “أممية” و”ناتوية” جاهزة ضد روسيا تبرِّر أي عدوان عليها.

الإنتفاضة الشعبية الأوكرانية المعادية للنازية الجديدة

ولكن كل هذا المخطط العدواني فشل فشلا ذريعا، ثم “انقلب السحر على الساحر”. اذ ان جميع القطع البحرية الأوكرانية في سيباستوبول وجميع الثكنات العسكرية الأوكرانية في القرم وشرق وجنوب أوكرانيا رفضت توجيه أسلحتها ضد الاسطول الروسي وجماهير الشعب في القرم والدونباس ذي الأكثرية الشعبية الروسية. وانضمت غالبية الضباط والجنود الى جانب جماهيرهم الشعبية، وتركت الحرية للأقلية من الضباط والجنود الذين ظلوا موالين لكييف ان ينسحبوا من الثكنات بدون أسلحة. وشكلت الوحدات البحرية والبرية والجوية المتمردة على الانقلابيين في كييف نواة “قوات الدفاع الشعبي الذاتي” التي تحولت بسرعة الى جيش شعبي كبير. وأعلنت شبه جزيرة القرم عودتها الى الانضمام الى روسيا، بعد استفتاء شعبي عام. وأعلنت مقاطعتا دونيتسك ولوغانسك نفسيهما جمهوريتين منفصلتين عن أوكرانيا. ومنذ ان أعلنت القرم الانضمام الى روسيا لم يجرؤ أي طرف على توجيه رصاصة واحدة إليها. وطوال أكثر من سنة حاولت المجموعات الفاشستية وقوات الجيش الانقلابية اقتحام “الجمهوريتين الشعبيتين” في دونيتسك ولوغانسك، دون جدوى. بل كانت المجموعات المعتدية كلَّما تجمعت في مكان تتعرض لهجوم مضاد من “قوات الدفاع الشعبي الذاتي” فتضطر للفرار او التعرض للحصار، ومن ثم يتوسل الطرف الروسي للتوسط لدى “قوات الدفاع الشعبي” لفتح الطريق لها للانسحاب.

المساعدات الإنسانية هي… عدوان!

وكان للمساعدات الإنسانية الروسية أهمية سياسية كبيرة في انها قطعت الطريق امام الفاشست والانقلابيين في كييف للضغط على مقاتلي “قوات الدفاع الشعبي الذاتي” في الدونباس ودفعهم للتنازل عن طريق قتل اهاليهم وحرمانهم من الغذاء والدواء والماء ولوازم الحياة الضرورية خصوصا في فصل الشتاء. وهذا ما أفقد الفاشست والانقلابيين في كييف واسيادهم صوابهم.وعدّت هذه الأوساط ان موافقة روسيا على انضمام القرم القانوني وإيوائها اللاجئين الاوكرانيين وتقديم المساعدات الإنسانية للمناطق المنكوبة، بأنه “عدوان وتدخل في الشؤون الداخلية الأوكرانية”. وبناء على هذا الادعاء الكاذب والافترائي، المناقض لكل الأسس والمعايير الإنسانية والأخلاقية والحقوقية الدولية، شنت الأوساط الإعلامية والسياسية الغربية حملة عنصرية مسعورة ضد روسيا، لم يسبق لها مثيل حتى في أسوأ ظروف “الحرب الباردة” السابقة بين المعسكر الغربي والسوفياتي السابق.

روسيا ترد بثبات وهدوء على المقاطعة الغربية

ومن اللافت للنظر انه قد انضم الى هذه الحملة المعادية لروسيا جميع القادة الرئيسين الأوروبيين والأميركيين. وفي ظل هذا الافتراء المزيف، وبحجته، بدأ اتخاذ قرارات “معاقبة” روسيا ومقاطعتها اقتصاديا وماليا. وترد روسيا بهدوء وثبات وبشكل فعال على المقاطعة الغربية، على المستويين:

أ ـ المستوى الاجرائي العملاني. وهو الأبرز والأكثر ظهورا للعيان، كقرار منع استيراد المواد الغذائية والزراعية من بلدان الاتحاد الأوروبي وغيرها من البلدان الداخلة في نظام المقاطعة الغربية لروسيا. وهذا المستوى هو قابل للأخذ والرد والمساومة، تبعا للعلاقة مع كل دولة على حدة، ولحاجات السوق الروسية.

ب ـ المستوى الاستراتيجي العام بعيد المدى، والمتعلق بالخطوط العريضة للسياسة الاقتصادية العامة للدولة الروسية. وستظهر نتائج هذا المستوى في العقود القريبة في تغيير شامل لوجه الاقتصاد العالمي برمته. وهنا يمكننا القول ان الدولة الروسية كانت حتى بداية “المقاطعة الاقتصادية الغربية” تنتهج سياسة التعاون والتكامل مع الاقتصاد العالمي، ونواته الرئيسة الاقتصاد الغربي (بالمعنى الضيق للكلمة: أي أوروبا وأميركا). ولكن قرارات “المقاطعة الغربية” سببت “صدمة” حقيقية للقيادة الروسية، التي عدّت ان “المقاطعة” هي عدوانية وغير مبررة بتاتا وهي تتضمن رفضا مسبقا لسياسة الانفتاح والتعاون بين روسيا والغرب. وهذا ما اقنع القيادة الروسية بأن الدول الغربية هي دول “مريضة” لا تريد الصداقة مع أي بلد او شعب او دولة، ما دفعها لاستبدال استراتيجية التعاون مع الاقتصاد الغربي، بالتوجه نحو إيجاد اقتصاد عالمي رديف.

التسلح المتطور في رأس أولويات القيادة الوطنية الروسية

وهذه الحقائق التاريخية والمعاصرة هي في صلب وعي القيادة القومية الروسية المعتدلة الحالية. وبناء على هذه الحقائق تضع القيادة الروسية في رأس أولوياتها السياسة الدفاعية الروسية، ومن ثم التطوير والتحديث المتواصل لصناعة الأسلحة الروسية. وأمام المخاطر والتهديدات التي تتعرض لها روسيا باستمرار، وفي المرحلة الراهنة بالخصوص، وضعت القيادة الروسية أمام العلماء الروس، والمهندسين والمخترعين، ووزارة الدفاع وكل قطاعات الجيش، والمجمع الصناعي الحربي، المهمة الاستراتيجية المركزية لتحديث وتطوير الجيش الروسي، وكل أسلحته، من القنبلة النووية والصواريخ الجبارة والغواصات الفريدة من نوعها، حتى المسدس الفردي الصغير، وتشجيع إيجاد اختراعات وابتكارات جديدة. على ان يتم ذلك على أساس اقتصادي ـ أي ربحي وريعي ـ بشكل أساس.بناء على ذلك يمكن استخلاص النتيجة التالية: ان الاقتصاد الروسي هو اقتصاد كبير وشامل.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.