جمال السفاح وال على العراق طبق سياسة العثمانيين بعدم مهادنة عشائر الفرات الأوسط

غهخعخهع

بعد مضي أربعة عشر يوماً من وصوله إلى بغداد، أصدر بياناً إلى العشائر، حذرهم فيه من العودة إلى الغزو، وذكرهم بأنهم مسلمون موحدون، وطلب منهم الرجوع إلى باب الحكومة لحل المنازعات بينهم، ثم هددهم بالعقاب الشديد إذا لم يرتدعوا، ولم تعترف العشائر بما جاء به جمال بك فعادوا إلى التنازع والقتال فيما بينهم، وكانت أولى العشائر التي فعلت ذلك هي عشائر الشامية وأبو صخير، مما أدى إلى الفوضى في المنطقة، فوقعت من جراء ذلك معارك عنيفة أبدى فيها مزهر الفرعون من آل فتلة قسوة وهاجم أعداءه من عشيرة الغزالات، وحاصر قرية اللهيبات القريبة من الحيرة، وأحرق دورها ونهب أموالها، ثم هاجم الحيرة نفسها فأحرقها ونهبها.
ولأجل ذلك أرسل جمال بك قوة عسكرية بقيادة سليمان عسكري بك، للتحقق من هذه الحوادث، فقام سليمان عسكري بك بحرب عشائر الغزالات وآل إبراهيم والفتلة والشبل ووجه ضربات شديدة لها، ثم ألقى القبض على رؤسائها فزجهم في السجن، كان منهم مزهر الفرعون وأخوه مبدر وعبد الكاظم الحاج عسكر وأخوه عبد الواحد، ولكنه لم يستطع أن يلقي القبض على المسؤول عن النزاع (عليوي الرخيص)، فاستحوذ على جميع مواشيه وأثاثه وأغنام عشيرته، وأعطى أراضيه وأراضي عشيرته إلى (حسن الفرهود) رئيس بني زريج، ومن ثم فرض الضرائب على جميع القبائل المتناحرة بالقوة.
وقد واجه أحد كتاب جريدة الزهور، الوالي جمال بك، فسأله عن حملة سليمان عسكري بك، فقال الوالي:
“لما هبطت الولاية رأيتها والفوضى قد عمت فيها، لاختلال النظام والراحة في جميع أنحائها، وفي اليوم الثاني من وصولي إلى هنا ورد إليّ نبأ برقي من متصرف الديوانية ينبىء عن تحفز عشيرتي والشبل والغزالات لجمع الجموع وإعداد القوة للهجوم على صاحبها، وللحال سيرت إلى محل النضال طابوراً من الجند البغالة وطابورين من المشاة وفرقة بلوكا من المدفعيين أصحاب المدافع الرشاشة، وثلة من مدفعية الصحراء لمنع نهوض المعتدين وحقن دماء العثمانيين، وإظهار سطوة الحكومة، وتأديب المخالفين…”.ومن الواضح أن مثل هذه القوة كانت استعراضاً عسكرياً مقصوداً لتخويف العشائر.وبعد القضاء على النزاع قرر جمال بك زيارة الفرات الأوسط في جولة تفتيشية، مع حاشيته ممتطين الخيول، وقد لبس جمال بك الزي العربي المتمثل بالعباءة والعقال، فذهب إلى المسيب والهندية، وبعد أن فتش سدة الهندية التي كان العمل يجري فيها توجه إلى الحلة وعند اقترابه منها لم يجد في استقباله سوى أربعة أشخاص فقط، هم: المفتي إسماعيل أفندي الواعظ، والحاكم صالح أفندي الباججي، ومأمور الأملاك المدورة محمود أفندي الشيخ علي، والقومسير محمود أفندي، فاشتد غضب الوالي جمال بك لعدم حضور القائممقام والأهالي لاستقباله، ولما دخل إلى البلدة، جاء شوكت بك، وكان القائممقام بالوكالة وأخذ يعتذر ولكن الوالي جمال بك لم يقبل اعتذاره بل ظل غاضباً لا يتكلم ولم يلتفت إليه ولم يجبه، ثم جلس ولم يشرب القهوة والمشروب الذي قدم له، ولم يدخن، ثم نادى على الطاهي وأمره أن يعد له الغذاء في الجربوعية التي تبعد عن الحلة مسافة خمسة فراسخ، ثم ذهب إلى دائرة التلغراف فأبرق إلى قائممقام خانقين الحاج نامق أفندي، يأمره بالحضور حالاً إلى الحلة ليتسلم منصب القائممقامية بدلاً من شوكت بك، على أن يصلها خلال يومين، وكانت تلك مشكلة كبرى للحاج نامق أفندي، إذ يجب عليه أن يقطع مسافة ثمانية أيام في يومين، وقد استطاع على أي حال أن يصل، وكان يبدل فرسه في كل بلدة يمر بها بين خانقين والحلة.
ولم يمكث جمال بك في الحلة، بل غادرها متوجهاً إلى الجربوعية، ثم إلى الديوانية، وكان قاضي الديوانية صالح أفندي الملي وكيلاً عن المتصرف فيها، فأقام الوالي حفل استقبال لم يسبق له مثيل، حيث نصب له خيمة فخمة على جدول الرشادية، وجاءته العشائر أفواجاً، تسلم عليه، كما زينت البلدة بأنواع الزينة، وفرش له السجاد الإيراني على الأرض من الجسر إلى باب السراي، فمكث جمال بك في الديوانية ثلاثة أيام ويبدو أن القوم قد وصلتهم أخبار الحلة وما جرى فيها فاستعدوا لاستقباله الاستعداد اللازم لذلك.
وقد أمر جمال بك بتخصيص ألف ليرة عثمانية لتوسيع جدول الرشادية وحفره، والرشادي هي ناحية كان يقال لها الشوفة والمليحة، والرشادي هو نهير أنشأ بسبب انقطاع نهر الفرات عن الديوانية، وأجري فيه الماء من هور ابن نجم لأجل الشرب إلى قصبة الديوانية، ومن هذه الوساطة استفادت العشائر من الزرع على جانبيه.غادر جمال بك الديوانية متوجهاً إلى الشامية فأبو صخير ثم كربلاء، ثم عاد إلى الحلة، فجمع الحاج نامق القائممقام الجديد فيها، جميع عشائر الحلة وأهلها الذين خرجوا بأسلحتهم لاستقباله وكان الموكب مهيباً. ثم زار آثار بابل، وزار المدارس، وأعان بعض الطلاب بالكتب والألبسة وفتش جدول الرشادية القريب من الديوانية، ثم عاد إلى بغداد وكان محل إقامته فيها، في قصر عبد القادر الخضيري الكائن على دجلة قرب الدبخانة .أما في بغداد فقد قام الوالي جمال بك باتباع مختلف أساليب الترغيب والترهيب والوعيد تمهيداً لعملية الانتخاب، وأبدى أعيان بغداد ووجهاؤها مقاومة نشطة لإدارة الاتحاديين، وأظهر الأعيان نفوراً من الوالي جمال بك، ففي صيف عام 1911 وصلت الأمور إلى حد الهجوم المكشوف عليه، ونظمت مجموعة المحافظين المتنفذين برئاسة عيسى الجمالي، تظاهرة للدفاع عن رئيس تحرير جريدة (الصاعقة) صادق العرجي، الذي اعتقل بسبب نقده للوالي جمال بك، واضطرت الحكومة المركزية في نهاية المطاف إلى التدخل في القضية، وأصدرت التعليمات بالإفراج عن المعتقل.جرت الانتخابات في بغداد في ربيع عام 1912، وكانت انتخابات حامية تختلف عما جرى من قبل، وشهد العراقيون صراعاً حزبياً بين المرشحين، وقد بذل الوالي جمال بك جهوداً كبيرة في إنجاح المرشحين الاتحاديين ضد خصومهم بأن استخدم مختلف أساليب الترغيب والترهيب والوعيد والتلاعب في عملية الانتخاب عن طريق حرق الأوراق الانتخابية وتزويرها، مما أثار استياء أهالي بغداد وكانت النتيجة فوز الاتحاديين في جميع الألوية، عدا البصرة والعمارة، إذ فاز فيها الائتلافيون بقوة السيد طالب النقيب.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.