ساسة العراق والثقافة الشفاهية

في كثير من الدول، ولا سيما الديمقراطية منها، تجد الساسة ورؤساء الأحزاب، يعبرون عن آرائهم ومعتقداتهم ومواقفهم، إزاء القضايا التي تواجهها مجتمعاتهم، بمقالات تنشرها لهم كبريات صحف بلدانهم؛ ذلك لأن الكتابة وثيقة قابلة للمراجعة والنشر وإعادة النشر، وهو ما يوصل رسائلهم بالإتجاهات المطلوبة بشكل مضمون.

في بلدنا العراق، لا نجد أثرا لهذه الطريقة بالتواصل، وإذا وجد فإنه محدود جدا، ينحصر بعدة أشخاص ولوجوا عالم السياسية من بوابة الإعلام.

ساستنا شفاهيون، يتعشقون الفضائيات والجلوس على منصات الخطابة؛ هنا يثار السؤال التقليدي: لماذا لا يعرف الساسة الطريق إلى الكتابة؟!

هو سؤال سأله كثيرون، ولست أول من يحاول الإجابة، لكن الإجابة تنطلق من إشكالية الكتابة، التي لا تبدأ منذ لحظة إمساك القلم، بل تبدأ قبلها؛ بوقت ربما أبعد مما يتوقع المتلقي.

الكتابة وعي متقدم، وهي أرقى أشكال التعبير عن الآراء، كما أنها أكثر ثباتا من الصورة والصوت، لكن قلة الوعي بأهميتها، وعدم إمتلاك الساسة لأدواتها الفنية، ومهاراتها التعبيرية، وتدني قدراتهم اللغوية، وإستعصاء الصياغة، وإفتراضهم أن شعبنا شفاهي الثقافة، برغم أنه أول من علم البشرية الحرف، كل ذلك يجعل الساسة بعيدين عن ميدان الكتابة، أو يتهيبون ولوجه.

الكتابة ذات أرقى بكثير جدا، من الذات الناطقة، وهي هم أساس، ينطلق من شيء نتحسس وجوده دوما في مؤخرة الرأس! وهي عند من يمتلك زمامها، تبدأ من بدايات تشكل الوعي، وهي على الدوام تلعب برأس الكاتب لعبتها، في ظل الوعي التام برهانات الكتابة، وتفرض الكتابة سطوتها، لتتحول إلى سلاسل من العلامات والكلمات، بوصفها أداة تعبير وعملية خلق.

تفرض الكتابة نفسها بقوة؛ ووحدهم المفكرون؛ هم من يعرفون الطريق إلى الكتابة في الحقل السياسي، أما الباقون فثقافتهم السياسية، ثقافة شفاهية كمعظم ساسة العراق!

الحقيقة؛ وما دمنا قد توصلنا الى نتيجة مؤداها؛ أن ثمة علاقة وشيجة بين الكتابة والرقي، وهو ما يقدم تفسيرا معقولا لسؤالنا، الذي أتخذناه في أول سطر..

سيكون الجواب بسيطا جدا: هو أنهم لا يعرفون طريقا لرقي الكتابة، بمعنى آخر؛ أن المسافة بينهم وبين الرقي كبيرة جدا، بمعنى أكثر وضوحا،؛ أنهم أقرب الى الأمية منهم الى الثقافة!

كلام قبل السلام: الصور تمر وتختفي، وتمحى من الذاكرة بأسرع مما نتصور، والصوت سرعان ما يضيع في تلافيف الأثير، لكن الورقة تبقى وتعمر طويلا!

سلام..

qasim_200@yahoo.com

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.