أمـــن العــــراق بــين احـــتلالين

اخهخعخ

ناصر الساعدي

يهتم المستعمرون في بناء العملية السياسية للبلدان المحتلة بالشكل الذي يخدم سياساتهم بطبيعة الحال ويلاحظ اهتمامهم الملفت في بنية المؤسسات الأمنية على وفق مقاساتهم لاستثمارها في ضبط الأوضاع التي تضمن تحقيق مصالحهم ولاستخداماتها هراوة لقمع المقاومة وإخماد الروح الثورية. لذا نجد المحتل البريطاني للعراق (1958 – 1914) قد أجهد نفسه أوائل عشرينيات القرن الماضي لإبرام معاهدة أمنية مع العراق في ذلك الوقت.. يكون العراق بموجبها ملحقاً بالبيت البريطاني, بحيث إذا ما دخلت بريطانيا في حرب مع دولة ما في المنطقة, فسيكون العراق مثابة لجيوشها, واسطبلا لخيولها, ورحبة لعجلاتها, ومهبطاً لطائراتها, غير أنها اشترطت تشكيل المجلس التشريعي الذي لم يتشكل بعد, للتصويت على المعاهدة المذكورة. وفيما كانت طبقة الأفندية المبهورة بالغرب كثيرا, والضباط الشريفيون هم من يشكلون الطيف السياسي الأوسع الذي يحيط بسلطة الاحتلال آنذاك, لم يرَ اولئك في هذه المعاهدة المجحفة من بأس, لأن طبقة الأفندية مبهورة بالحضارة الغربية ونموذجها في الحكم, وأما الضباط الشريفيون فقد أعلنوا توبتهم على يد بريطانيا تكفيرا لجريرة تبعيتهم للأتراك سابقاً, فكانت المرجعية الدينية ومن وراءها عموم طبقات الشعب بالمرصاد لذلك المخطط . وبذا فقد أصدر مراجع الدين السيد أبو الحسن الأصفهاني, والميرزا حسين النائيني وآية الله الشيخ محمد مهدي الخالصي, فتوى بتحريم الاشتراك في عملية انتخابات المجلس التشريعي, لقطع الطريق على تلك المعاهدة من أن تمرر, فعطل إبرام المعاهدة لمدة سنتين, ما حدا بالمحتل البريطاني أن يستخدم الهراوة الأمنية لمعالجة الموقف. وقد وجد السير برسي كوكز في عبد المحسن السعدون ضالته, بما يمتاز به الرجل من قسوة, ونفس طائفي واضح, فصدر الأمر بتعيينه وزيراً للداخلية, وبعد أن أجرى تعديلاً على قانون العقوبات, أصدر أوامره بنفي المراجع الدينيين الأصفهاني والنائيني والخالصي وعشرين آخرين بعضهم من اساتذة الحوزة الدينية إلى إيران وبأساليب تتسم بالقسوة وعدم الاحترام بشكل كبير.. وقد يسر السعدون بعد إزالة المانع عملية انتخاب المجلس التشريعي وتمرير المعاهدة البريطانية المشؤومة …. !. وجرت الولايات المتحدة الأميركية على ذات سياق العمل عند احتلالها العراق عام (2003 – 2011) فمسكت بخيوط الملف الأمني كاملة, وكانت بصماتها واضحة على عملية اختيار الوزراء الأمنيين خلال تلك المدة, وكذلك اختيار عبدالله الشهواني مديراً للمخابرات العراقية والذي كان يرفع تقاريره إلى الحاكم المدني بريمر وليس إلى رئيس الحكومة العراقية.ولما عرف عن الأميركان من غرور وعنهجية وعدم احترام لإرادة الشعوب وحكوماتها في البلدان فاقدة السيادة, كانت دوريات الجيش الأميركي والشركات الأمنية في تماس مباشر مع المواطنين لمعالجة الوضع الأمني من خلال المداهمات والاعتقالات واستخدام لغة السلاح في التعامل مع بعض الحالات ميدانياً, وقد أصبحت الجرائم الأميركية بحق أبناء الشعب العراقي أمراً مألوفا جداً, غير أن المقاومة الإسلامية ولما توفرت عليه من مبدأية ورسالية كانت خير من عبّر بصدق عن رفض الشعب العراقي لتواجد هذا الضيف الثقيل. فكانت ضربات المقاومة الماحقة لدورياته ومعسكراته وبشكل أجبر المحتل على الانسحاب قبل أوانه, كما كان في مخيلة القادة الاميركان, حفظاً لما تبقى من ماء وجه, فأرتأت جبران انكسارها بالابقاء على شعرة معاوية من خلال معاهدة الاطار الستراتيجي لتبقى ثغرة مشرعة للولوج في الشأن الداخلي العراقي, ولي عنقه بأتجاه خدمة أهدافها التي احتلت العراق بمقتضاها, لا سيما وأن هناك من الساسة العراقيين من يتماهى مع المشروع الاميركي, بل لا يضيره ان يكون العراق ولاية مضافة الى الولايات الاميركية الواحد والخمسين. ما يؤخذ على رعاة العملية السياسية والحكومة… حالة الضعف المؤسف, والمجاملة غير المبررة مع الولايات المتحدة الاميركية على الرغم من الأدلة المتواترة على تعمدها اضعاف المؤسسة الأمنية… وعدم تدريب منسوبيها… وعدم تسليح الجيش والشرطة في حين انها تضع العراقيل والمطبات أمام رغبة العراق للتعامل مع مناشئ دولية أخرى للسلاح, ولا أدري هل يحسب ساستنا ذلك عملا عدائيا أم لا ؟. على الحكومة ان تراعِ مشاعر الجماهير الرافضة للضغوط الاميركية غير المبررة لمعاودة الاحتلال وبشتى الاساليب والعناوين المخادعة كما في تجاوز القادة الاميركان للاعراف الدولية ولحرمة الدولة العراقية من خلال قيامهم بزيارات مفاجئة, واللقاء بأفراد من مكون معين في اطار السرية والكتمان, ما يشي بالريبة والشك المشفوعين بالرفض والغضب الشعبي, إذ يرى في التحركات الاميركية في العراق سعيا لتفكيك الوحدة الوطنية وبشكل معلن, وإذا ما كان حنقها على الحشود الشعبية والمقاومة الاسلامية لم يخف على أحد فأن الغاء الاتفاقية الأمنية معها… مطلب شرعي ووطني وأخلاقي.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.