لعبة الصبر

تامتنهخه

غسان عباس محسن

كانت معدته خالية إلا من الهواء فأخذت تصدر اصواتا وكأنما لتحتج بذلك على خلوها من الطعام , نظر ( حميد ) في عيني زوجته بعد أن استيقظ من قيلولته فوجد فيهما حزنا ممزوجا بالأمل , ألقى بجسده المنهك من عمله المضني على تلك الكنبة المتيبسة مرة أخرى , وهو يفكر في بعض المواقف التي صادفته أثناء عمل ذلك اليوم , كان يعمل كعامل في إحدى المصانع ورغم انه عمل بسيط إلا انه كان يحصل من خلاله على اجر يسد بالكاد إيجار المنزل الذي كان يسكن فيه مع أسرته , وذلك الأمر يشكل الأولوية بالنسبة لحميد وأما ما تبقى من مبلغ فانه يبذل قصارى جهده وبالتعاون مع زوجته ليجعل من ذلك المبلغ كافيا لسد حتاجات الأسرة طوال الشهر رغم انه لم يكن ليكفي مصاريف بضعة أيام في الحالات الطبيعية , اعتدل جالسا و بلل ريقه ببعض المياه بعد أن فرك وجهه الذي جعدته السنوات ثم سأل زوجته :
– أين الأطفال ؟
– لقد ناموا بعد أن أكلوا رغيفا من الخبز مع بعض السمن .
زفر بقوة وكأنه قد رغب بان تخرج روحه مع ذلك الزفير , ثم قال بنبرة العاجز المتحسر :
– متى نستطيع أن نشبع بطوننا وبطونهم ؟
ردت عليه بنبرة أمل لطالما قد عهدها منها :
– عندما يرفع الحصار .
أبتسم ســــاخرا من كلامها ثم عقب قائلا :
– صدقت , عندما يرفع الحصار ..
خرج من المنزل بعد أن أحس بضيق في صدره فقادته قدماه إلى باب منزل جاره ( كريم ) الذي كان يعمل في نفس المعمل الذي يعمل فيه حميد والذي تعود أن يفرغ معه ما يحمله من هموم تثقل قلبه بالكلام وتدخين السجائر , كانت ظروف كريم تشبه ظروف جاره باستثناء بعض الاختلافات , فبينما كان لدى حميد ثلاثة أطفال فقد كان لدى كريم خمسة كما أن والدته كانت لا تزال على قيد الحياة وتسكن معه في نفس البيت القديم المتهالك . جلس الصديقان المثقلان بالهموم وكلاهما يملك معدة قد شبعت من الجوع , التفت كريم إلى صديقة بعد أن زفر نفسا من سيجارته ثم قال له :
– آلا من أمل يلوح في الأفق .. هل كتب علينا الشقاء الأبدي ؟؟
رد عليه حميــــد بنبرة المتحسر الحزين :
– من الواضح بأنه لا يوجد أمل بتغيير حالنا ..
توقف وهو يسحب نفسا عميقا من السيجارة التي تلقفها من يد صديقه ثم أضاف :
– أحسد الحجارة في بعض الأوقات , فهي لا تجوع أبدا وليس لديها أي مسؤولية .
رد عليه كريم بنظرة يأس مريب , كان حميد مشبعا باليأس ولكن لم يصل إلى درجة يأس صاحبه . تبادل الصديقان الصمت خلال دقائق مريرة , ثم مضى حميد إلى
منزله وحالما وصل إلى غرفته ألقى برأسه على وسادته ونام بعد لحظات تمنى خلالهن أن لا يستيقظ من نومه أبدا , لكن امرأته أيقظته في الصباح وهي تقول له بصوت حزين :
– حميد .. استيقظ لقد مات صديقك كريم .
نهض من على فراشه وهو لا يكاد يصدق ما قد سمعه , فلم بعقل أول الأمر بان صديقه الذي كان يجلس معه منذ ساعات قد مات , وفي الساعات اللاحقة عرف حميد من احد الجيران بان صديقه قد سمم نفسه , عندئذ بدا الأمر منطقيا بالنسبة له فقد شعر أثناء حديثه معه ليلة أمس باليأس الفظيع الذي تملك صاحبه , ثم أن حميد نفسه كان يائسا ولكنه لم يصل إلى الحد الذي وصل له صاحبه , وعلى أية حال فقد شارك أهل كريم وأقاربه في حزنهم وسرادق العزاء التي أقاموها , وبعد أن صبوا وجبة العشاء جلس حميد وتناول الطعام حتى كادت معدته أن تمتلئ وعندئذ تذكر صديقة فشعر وكأنه يأكل من لحمه فلمعت عيناه لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه عن مواصلة الأكل .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.