قراصنة الماضي وأموال العراق في البنوك السويسرية

الموضوع لايتطرق الى التسميات المضحكة المستعملة في عالمنا العربي كالمصرف الوطني ووطنيته أو البنك الأسلامي وخدماته للمسلمين التي تمنح الزبائن ثقة عند إيداعهم أموالاً فيها. ولايهمنا من الموضوع عبارات يناقشها علماء اللغة والنحو وتصريف الأفعال كالتفريق بين السرقة واللصوصية وقراصنة البحر وإختلاف معانيها الحرفية عن الأختلاسات المالية الحقيقية, الذي يهمنا هو قراصنة الاختلاسات المالية السياسية “موضوع حديثنا هنا” هم كمن يختلس النظر بخجل وسرية وبسرعة البرق وصعوبة التفريق بين المشتبه بهم والأخرون الذين يختلسون الأموال وتختزل لهم البنوك السويسرية المتخصصة والحاسبات الحديثة والتحويل الألكتروني والشفرات بالأرقام السرية دون معرفة أحد,والتحول التاريخي الذي حدث من زمن القرصنة وقراصنة السلب والنهب والسرقة الى قراصنة اليوم وفنونهم في إخفاء وإختفاء الأموال المسروقة من خزائن الدول العربية بمعرفة حكوماتها ومسؤوليها والتصريح الإعلامي بإختفائها، بعد التحقيقات الأولية وإنتشار الفضيحة المالية.
والذي نعرفه عن دولة، كسويسرا، تعطي وتُمكّن بقوانينها، دون تحقيق، حفنة أشخاص من لصوص عشيرة الحاكم وأسرته وتُمكّنهم من التصرف بأموال الدولة وإستحلال الملكيات وأراضي الدولة العامة والخاصة. هذه الحفنة تعتقد بأن مصادر الثروة و خزين الدولة المالي هو ملكهم الشخصي وملك زوجاتهم وأبنائهم وحراسهم وخدمهم وسماسرتهم. فضيحة البنوك السويسرية ومنها HSBC ليست جديدة ومعروفة لوكالات المخابرات الدولية و ورد بعضها حتى في فيديو “يوتوب ” وتستطيع مشاهدته بطبع:
” عندما تصبح بنوك سويسرا مزبلة العالم المالي”
فعلى حكومة العراق ضرورة إتخاذ إجراءات حقوقية قضائية قانونية دولية ضد بنوك سويسرية ,فأن ما فشلنا فيه وفشل الكثير معنا هو إستباق الزمن في إماطة اللثام عن أختفاء أموال كان البنك الفدرالي في الولايات المتحدة الأمريكية قد جمدها عند غزو العراق للكويت عام 1990. وتقدر ما بين 17 الى 22 بليون دولار أمريكي، وكذلك ما أختلسه عراقيون وأمريكيون وبعد الأطاحة بالنظام عام 2003، وكان يفترض لهذه الأموال إعادتها الى العراق ولكنها إختفت خلال عمليات نقلها. ورغم محاولات المفتش الأمريكي العام وجهوده لكشف المختلسين فقد فشل وعبّر عن فشله بإعتراف صريح الى لجان الكونغرس التي عُهِدَ إليها مهمة كشف المافيا الأمريكية العراقية التي شاركت في إخفاء المبالغ المختلسة. وطبيعي هذا ماحدث لدول شرق أوسطية عديدة ( كمصر والجزائر وتونس وليبيا ولبنان والعراق من بينها). في الأعوام التي تلت هذه الجرائم المالية، فإننا نعتقد بوجوب الوصول الى تحقيق دولي بشأنها. فعملية الأختلاسات إستمرت وبأسماء أشخاص قاموا بتحويل أموال ضخمة من العراق الى البنوك السويسرية.
وما فشلنا كباحثين مُلاحقين لمبدأ (إتبع المال تعرف الحقيقة) وفشل الحكومات العراقية المتعاقبة بعد 2003 هو أننا أقل فطنة وذكاءاً وخبرة من مرتكبي جرائم الاختلاسات المالية ومافياتهم الدولية الذين يسارعون الى التقليل من أهميتها ومواجهة الباحث والمدقق والمفتش المالي بطعون إجرائية وحجج وتراشق إتهامات بين نواب عراقيين وتضاف اليها العوائق والسدود التي يصعب إجتيازها. هذه السدود تم وضعها كسياسة إجرائية خاصة من بنوك الأستثمارات والعقارات والأعتمادات والقروض العامة. فما الإشكال ولماذا سويسرا بالأخص وبنوكها بالذات؟ وبكل بساطة نعلم أنه لايوجد أي عمل نبيل خيري قام به أشخاص من سماسرة تجار مافيا الاختلاسات المالية وأمتصوا خلال عهودهم السوداء، ثروات شعوبهم وحولوا خيرات بلادهم الى ما إشتهرت به البنوك السويسرية المختصة المعروفة بين غيرها لأخفاء سرقاتهم المهربة؟ البنوك السويسرية تمنع مكاتب الملاحقة القانونية من التدخل المباشر في شؤون زبائنها وتمنع ملاحقتهم قضائياً وتترك القضاء الدولي ومفتشوه في موقف التخمين بأرقام المبالغ المختلسة، وتطمئن رجل الأعمال والمستثمر والغني والوكيل والعميل والسماسرة وقراصنة المال الجدد من السياسيين ولاتطالبهم بألايضاح الرسمي عن كيفية الحصول على المبالغ والأرصدة المحوّلة والقبول بما يدونه الزبون من تعهد. كما أن القوانين السويسرية وبلغة مفهومة وعامة تقف على الحياد من الجرائم المالية ( مادامت الجريمة المالية والجنائية لم تقع ولم ترتكب داخل الأراضي السويسرية ). وبكلمة أوضح فأن البنوك السويسرية، وبكل صلافة، لاتجد نفسها ملزمة بتزويد أي حكومة أو هيئة تحقيق دولية لأشخاص مطلوبين للقضاء وبكشوفات لحسابات زبائنهم وأرصدتهم وأرقامهم السرية. وهذا (ما أدركه وتعلمه المزيفون من زين العابدين في تونس وسمعه القذافي وأبناؤه،وأدركه مبارك وأبناؤه، وتعلمه المجرم صدام وأبناؤه) وشخصيات من عشائر عربية وإسلامية لاحصر لهم.من المهم جداً أن قادة وشخصيات في دول السرقات والأختلاسات والتهريب المالي ترسل من تثق بهم للعمل في سفاراتها وممثلياتها التجارية في سويسرا. وليس غريباً مثلاً أن يشَغِل ( برزان التكريتي منصب سفير العراق في سويسرا وهو أخ المجرم صدام), وليس سراً أن زبائن هذه البنوك من أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية والصين والباكستان والهند يفضلون البنوك السويسرية على بنوك بلادهم للمزايا العديدة في فتح الحسابات وبالأسماء التي يفضلونها وبأكثر من رقم سري والتهرب من دفع الضرائب في بلدانهم، مع أن النظام السويسري يفرض فائدة عالية على أموالهم. وتتصرف البنوك بتحويلاتهم المالية وإستثمارها دون السماح لأي حكومة أو مؤسسة أو بنوك فيدرالية لدول أخرى بالأستفسار عن أنسياب وسيولة أموال ضخمة من أشخاص مشكوك فيهم، كما أن السلطات السويسرية وبحجة حيادها وإستقلاليتها لاتجيب أو ترد على طلب هذه الدول أو” على الأقل” بمشاركة التحقيق معهم أو تجميد أموال المشتبه بهم ومحاربة مافيا المال من الأسماك الكبيرة وإطعامها الأفضال والزوائد الى الأسماك الصغيرة وتُرّكز دول عديدة الآن على دراسة إسلوب السرقات المالية الضخمة مع التغيّر الذي حصل بتطور طرق المراقبة الألكترونية وأجهزة المراقبة المتطورة والمفتشين الماليين ومنحهم صلاحيات وتفويض الدولة قي محاربة مافيا المال وبطرق مضادة جديدة للكشف والتنسيق الدولي مع البنوك الدولية وفدرالية البنوك، مع أن التضييق والتأثير الدولي مازال ضعيفاً على سويسرا التي تعدّ اليوم محطة التهريب المالي الأولى في العالم. ولاتستطيع أي دولة في العالم الحصول على تفويض من الحكومة السويسرية للتحقيق المالي أو الحصول على كشف حسابات شخصية للمبالغ المودعة لديها.
سويسرا من الدول التي لها نُظمها السرية الخاصة ويصعب على الدول إلزام حكومتها ومؤسساتها المالية بالأنظمة الدولية الفدرالية الجديدة المتبعة في بلدان العالم. شخصيات دولية عربية وإسلامية وغربية من المتهمين بغسيل الأموال والتحويلات المالية المفقودة من خزائن الدول وببلايين الدولارات تواصل إسلوبها في التلاعب بمقدرات بلدانها، وتساهم ضعف الوثائق المدونة وتزييفها في زيادة الأرباك. ويساهم الإعلام وبعض النشرات الأقتصادية في زيادة التمويه والتعمية والجدل الأفلاطوني أو كما يقال ” وأذا أراد الله بقوم سوءاً منحهم الجدل ومنعهم العمل” وللأعتقاد الشائع لدى البعض بأن الانتخابات الحرة والتمثيل الديمقراطي النيابي في بلدانهم وتشكيل لجان المراقبة، يمكن أن يقيد أيادي قادة وزعماء عشائر ورؤساء برلمانات ويحد من إختلاساتهم.وهنا تكمن المأساة المالية. الحكومة السويسرية ببنوكها ومحاميها وقوانينها ترفض إعادة الأموال ((المختلسة والمجمدة والمهربة)) التي لها تاريخ يرجع الى عام 1991. والحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003، لاتعرف سوى العويل والصراخ ومخاطبة بعضها البعض وتوجيه أسئلة في منتهى السخافة إن واجهت سياسياً برلمانياً في عراق السلطة، والتغطية على آخر وتجاهل شخصيات المافيا العراقية الحقيقية الموجودة بينهم والمنخرطة في السلطة بأوجه حزبية وعشائرية مختلفة,وتوجيه التهم والغمز والأشارة دون مساعدة السلطات التفتيشية السويسرية وتعنت رؤساء بنوكها لن يكشف المختلسين والمسروقات المالية وإسترجاعها رسمياً.
في بلدان خَذلَ قادتها شعوبهم بسطوة أحزابهم ومسؤوليها وبتحكمهم الشخصي بخزينة الدولة ومواردها المالية فأن مآل التحقيقات تنتهي غالباً بالفشل بل وبإنتشار طرق التحايل والأختلاس وفنونه.وختاماً. أرى أنه بدون قرار دولي يتخذه مجلس الأمن للسماح لمفتشين دوليين بكشف حسابات وأرصدة عراقية مختلسة ومجمدة وإجبار الحكومة السويسرية على الموافقة على إطلاع المفتشين على السجلات المالية للمشتبه بهم وفحصها بدقة، فأن أي قرارات أخرى هي هباء في هباء. تابعوا أموالكم بشقيها ( المجمدة والمختلسة ) فمجلس الأمن الدولي له عنوان ومقر، ولا يمر بهيئة النزاهة أو مجالس نيابية ورئاسية سبق أن إتخذت وأصدرت جملة قرارات لأسترجاع ما تمَّ نهبه من العراق ولم تصل الى أي نتيجة. ومجلس الأمن الدولي له صلاحيات مُلزمة على الدول الأعضاء وسبق أن فرض المقاطعة الأقتصادية والحصار على دول والعراق واحدة منها، وفي إستطاعته اليوم إلزام هذه الدولة الأوروبية واخضاعها الى وقف التهريب المالي والتسليم لمفتشين دوليين لكشف أرصدة وإرجاع أموال مُستحقة إختلستها شخصيات مشبوهة بتنسيقها مع المافيا الدولية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.