الوسطية الإقتصادية الإسلامية بين المذهبين الرأسمالي والإشتراكي

غعهغععغ

يعد الحقل الاقتصادي في الدين الاسلامي جانباً مهماً وأساساً اعاره الدين كثير احكام وشروح سواء على عهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أم على عهد الأئمة(عليهم السلام) ،ولكن كون أن الاحكام فيما يخص الحقل الاقتصادي في الدين الاسلامي جاءت في بعض الاحيان عامة مجملة قد يفهم البعض أنها اغفلت جاباً دون آخر متناسياً أن عموميتها هي سبب بقائها صالحة لكل زمان ومكان..المحرر
الإدعاء على الإسلام
يقول المناوئون من المذاهب الاقتصادية الخارجة عن الدين الإسلامي فكراً وتطبيقاً ان الاقتصاد الذي تزعمون وجوده في الإسلام ليس مذهباً اقتصادياً، وانما هو في الحقيقة، تعاليم اخلاقية من شأن الدين ان يتقدم بها الى الناس، ويرغبهم في اتباعها. فالإسلام، كما أمر بالصدق والأمانة، وحث على الصبر وحسن الخلق، ونهى عن الغش والنميمة، كذلك أمر بمعونة الفقراء ونهى عن الظلم، ورغب الأغنياء في مواساة البائسين، ونهاهم عن سلب حقوق الآخرين، وحذرهم من اكتساب الثروة، بطرق غير مشروعة، وفرض عبادة مالية، في جملة ما فرض من عبادات وهي الزكاة. اذ شرعها الى صف الصلاة والحج والصيام، تنويعاً لاساليب العبادة، وتأكيد ضرورة اعانة الفقير والإحسان اليه.
كل ذلك، قام به الإسلام، وفقاً لمنهج أخلاقي عام، ولا تعدو تلك الاوامر والنصائح والإرشادات، عن كونها تعاليم أخلاقية، تستهدف، تنمية الطاقات الخيرة في نفس الفرد المسلم والمزيد من شده الى ربه، والى أخيه الإنسان، ولا يعني ذلك مذهباً اقتصادياً، على مستوى تنظيم شامل للمجتمع.
وبكلمة أخرى، أن التعاليم السابقة، ذات طابع فردي أخلاقي، هدفها اصلاح الفرد، وتنمية الخير فيه، وليست ذات طابع اجتماعي، تنظيمي، فالفرق بين تلك التعاليم، والمذهب الإقتصادي، هو الفرق بين واعظ يعتلي المنبر، فينصح الناس بالتراحم والتعاطف، ويحذرهم من الظلم والاساءة، والاعتداء على حقوق الآخرين، وبين مصلح اجتماعي، يضع تخطيطاً لنوع العلاقات، التي يجب أن تقام بين الناس، ويحدد الحقوق والواجبات.
الجواب
وجوابنا على هذا كله: ان واقع الإسلام، وواقع الاقتصاد الإسلامي، لا يتفق اطلاقاً مع هذا التفسير، الذي ينزل بالاقتصاد الإسلامي عن مستوى مذهب، الى مستوى نصائح واوامر أخلاقية.صحيح، ان الإتجاه الاخلاقي واضح، في كل التعاليم الإسلامية،وصحيح، ان الإسلام، يحتوي على مجموعة ضخمة، من التعاليم والأوامر الاخلاقية، في كل مجالات الحياة، والسلوك البشري وفي المجال الإقتصادي خاصة،وصحيح ان الإسلام حشد أروع الأساليب؛لتنشئة الفرد المسلم على القيم الخلقية،وتنمية طاقاته الخيرة،وتحقيق المثل الكامل فيه.
ولكن هذا لا يعني، ان الإسلام، اقتصر على تربية الفرد خلقياً، وترك تنظيم المجتمع. ولا ان الإسلام، كان واعظاً للفرد، فحسب، ولم يكن الى جانب ذلك، مذهباً ونظاماً للمجتمع، في مختلف مجالات حياته، بما فيها حياته الإقتصادية.
ان الإسلام، لم ينه عن الظلم، ولم ينصح الناس بالعدل ولم يحذرهم من التجاوز على حقوق الآخرين، بدون ان يحدد مفاهيم الظلم والعدل، من وجهة نظره، ويحدد تلك الحقوق التي نهى عن تجاوزها.
فالإسلام لم يترك تلك المفاهيم، مفاهيم العدل والظلم والحق، غائمة غامضة، ولم يدع تفسيرها لغيره، كما يصنع الوعاظ الاخلاقيون. بل انه جاء بصورة محددة، للعدالة وقواعد عامة للتعايش بين الناس، في مجالات انتاج الثروة وتوزيعها وتداولها، وعدّ كل شذوذ وانحراف، عن هذه القواعد، وتلك الصورة، التي حددها للعدالة، ظلماً، وتجاوزاً على حقوق الآخرين.
وهذا هو الفارق، بين موقف الواعظ، وموقف المذهب الإقتصادي. فان الواعظ، ينصح بالعدل، ويحذر من الظلم ولكنه لا يضع مقاييس العدل والظلم، وانما يدع هذه المقاييس الى العرف العام المتبع، لدى الواعظ وسامعيه. واما المذهب الاقتصادي، فهو يحاول أن يضع هذه المقاييس، ويجسدها في نظام اقتصادي، مخطط، ينظم مختلف الحقول الاقتصادية.
فلو ان الإسلام، جاء ليقول للناس، اتركوا الظلم، وطبقوا العدل، ولا تعتدوا على الآخرين، وترك للناس، ان يحددوا معنى الظلم، ويضعوا الصورة التي تجسد العدل، ويتفقوا على نوع الحقوق التي يتطلبها العدل، وفقاً لظروفهم، وثقافتهم، وما يؤمنون به من قيم، وما يدركونه من مصالح وحاجات. لو أن الإسلام ترك كل هذا للناس، واقتصر على الامر بالعدل والترغيب فيه، والنهي عن الظلم والتحذير منه، بالاساليب التي يملكها الدين للاغراء والتخويف، لكان واعظاً فحسب.
ولكن الإسلام، حين قال للناس، اتركوا الظلم، وطبقوا العدل، قدم لهم في نفس الوقت، مفاهيمه عن العدل والظلم وميز بنفسه، الطريقة العادلة، في التوزيع والتداول والانتاج عن الطريقة الظالمة. فذكر مثلاً، ان تملك الارض بالقوة، وبدون احياء، ظلم، وان الاختصاص بها، على أساس العمل والاحياء، حق، وأن حصول رأس المال، على نصيب من الثروة المنتجة باسم فائدة، ظلم، وحصوله على ربح، عدل. الى كثير من الوان العلاقات، والسلوك، التي ميز فيها الإسلام بين الظلم والعدل.
وأما حث الإسلام للاغنياء، على مساعدة اخوانهم، وجيرانهم من الفقراء، فهو صحيح، ولكن الإسلام، لم يكتف بهذا الحث وهذه التربية الخلقية، للاغنياء. بل فرض، على الدولة، ضمان المعوزين، وتوفير الحياة الكريمة لهم، فرضاً يدخل في صلب النظام، الذي ينظم العلاقات، بين الراعي والرعية. ففي الحديث عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)انه ذكر وهو يحدد مسؤولية الوالي في أموال الزكاة:”إن الوالي يأخذ المال فيوجهه الوجه الذي وجه الله على ثمانية أسهم، للفقراء والمساكين.. يقسمها بينهم، بقدر ما يستغنون في سنتهم، بلا ضيق ولا تقية؛فان فضل من ذلك شيء رد الى الوالي،وان نقص من ذلك شيء، ولم يكتفوا به، كان على الوالي ان يمونهم من عنده، بقدر سعتهم، حتى يستغنوا”.
وواضح، في هذا النص، ان فكرة الضمان، وضرورة توفير الحياة الكريمة للجميع، ليست هنا فكرة وعظية، وانما هي، من مسؤوليات الوالي في الإسلام.وبذلك تدخل في صلب تنظيم المجتمع، وتعبر عن جانب، من جوانب، التصميم الإسلامي للحياة الاقتصادية.
ان هناك، فرقاً كبيراً بين النص المأثور، القائل، ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره جائع وهذا النص الذي يقول: كان على الوالي، أن يمونهم من عنده، بقدر سعتهم حتى يستغنوا. فالأول ذو طابع وعظي، وهو يبرز الجانب الاخلاقي، من التعاليم الإسلامية. واما الثاني، فطابعه تنظيمي ويعكس،لأجل ذلك جانباً من النظام الإسلامي. ولا يمكن أن يفسر،إلاّ بوصفه جزءاً من منهج اسلامي،عام للمجتمع.
والزكاة هي عبادة، من أهم العبادات الى صف الصلاة والصيام،لا شك في ذلك.ولكن اطارها العبادي،لا يكفي للبرهنة على انها ليست ذات مضمون اقتصادي،وانها لا تعبر عن وجود تنظيم اجتماعي، للحياة الإقتصادية في الإسلام.
إن ربط الزكاة بولي الأمر وعدها أداة يستعين بها على تحقيق الضمان الإجتماعي في المجتمع الإسلامي ـ كما رأينا في النص السابق ـ وحده يكفي لتمييز الزكاة عن سائر العبادات الشخصية،والتدليل على انها ليست مجرد عبادة فردية، وتمرين خلقي للغني على الإحسان الى الفقير،وانما هي على مستوى تنظيم اجتماعي لحياة الناس.
أضف الى ذلك، أن نفس التصميم التشريعي لفريضة الزكاة يعبر عن وجهة مذهبية عامة للإسلام. إذ إن نصوص الزكاة، دلت على انها تعطى للمعوزين حتى يلتحقوا بالمستوى العام للمعيشة. وهذا يدل على ان الزكاة جزء من مخطط إسلامي عام لايجاد التوازن وتحقيق مستوى عام موحد من المعيشة في المجتمع الإسلامي. ومن الواضح ان التخطيط المتوازن، ليس وعظاً وانما هو فكر تنظيمي على مستوى مذهب اقتصادي.
الإسلام والمذهب الإقتصادي
وأنا لا ادري لماذا يسخو المنكرون للاقتصاد الإسلامي بلقب المذهب الإقتصادي، على الرأسمالية والاشتراكية، ثمّ لا يمنحون هذا اللقب، للاقتصاد الإسلامي، بل يجعلونه مجموعة من التعاليم الاخلاقية.فمن حقنا أن نتساءل: بم استحقت الرأسمالية او الاشتراكية أن تكون مذهباً اقتصادياً دون الإقتصاد الإسلامي؟.
اننا نلاحظ ان الإسلام عالج نفس الموضوعات التي عالجتها الرأسمالية مثلاً وعلى نفس المستوى،وأعطى فيها أحكاماً من وجهة نظره الخاصة تختلف عن وجهة النظر الرأسمالية،فلا مبرر للتفرقة بينهما،او للقول بأن الرأسمالية مذهب،وليس في الإسلام إلاّ المواعظ والاخلاق.
ولنوضح ذلك في مثالين لنبرهن على ان الإسلام أعطى آراءه على نفس المستوى الذي عالجته المذاهب الإقتصادية:
الملكية
والمثال الاول: يتعلق بالملكية وهي المحور الرئيس للاختلاف بين المذاهب الإقتصادية.
فالرأسمالية ترى ان الملكية الخاصة هي المبدأ وليست الملكية العامة إلاّ استثناء.بمعنى ان كل نوع من أنواع الثروة، ومرافق الطبيعة، يسمح بتملكه ملكية خاصة، ما لم تحتم ضرورة معينة، تأميمه واخراجه عن حقل الملكية الخاصة. والماركسية ترى ان الملكية العامة هي الأصل والمبدأ،ولا يسمح بالملكية الخاصة لأي نوع من أنواع الثروة الطبيعية والمصادر المنتجة ما لم توجد ضرورة معينة تفرض ذلك.فيسمح بالملكية الخاصة عندئذ في حدود تلك الضرورة ما دامت قائمة.
أما الإسلام فيختلف عن كل من المذهبين في طريقة علاجه للموضوع،فهو ينادي بمبدأ الملكية المزدوجة،أي ذات الأشكال المتنوعة. ويرى ان الملكية العامة، والملكية الخاصة، شكلان أصيلان للملكية، في مستوى واحد، ولكل من الشكلين حقله الخاص.
أفليس هذا الموقف الإسلامي يعبر عن وجهة نظر اسلامية على مستوى المدلول المذهبي للموقف الرأسمالي والموقف الاشتراكي؟،فلماذا يكون مبدأ الملكية الخاصة ركناً من أركان المذهب الرأسمالي،ويكون مبدأ الملكية العامة ركناً في المذهب الاشتراكي الماركسي،ولا يكون مبدأ الملكية المزدوجة ـ أي ذات الشكل العام والخاص ـ ركناً في مذهب اقتصادي اسلامي؟.
الكسب على أساس ملكية مصادر الإنتاج
والمثال الثاني: يتعلق بالكسب القائم على أساس ملكية مصادر الانتاج.والرأسمالية تجيز هذا الكسب. بمختلف ألوانه، فكل من يملك مصدراً من مصادر الانتاج، له أن يؤجره ويحصل على كسب، عن طريق الأجور التي يتقاضاها، بدون عمل. والاشتراكية الماركسية تحرم كل لون من ألوان الكسب القائم على أساس ملكية مصادر الانتاج لأنه كسب بدون عمل.
فالاجرة التي يتقاضاها صاحب الطاحونة ممن يستأجر طاحونته والأجرة التي يتقاضاها الرأسمالي باسم فائدة ممن يقترض منه،غير مشروعة في الاشتراكية الماركسية،بينما هي مشروعة في الرأسمالية.
والإسلام،يعالج نفس الموضوع من وجهة نظر ثالثة فيميز بين بعض ألوان الكسب القائم على أساس ملكية مصادر الانتاج،وبعضها الآخر. فيحرم الفائدة مثلاً، ويسمح بأجرة الطاحونة.
فالرأسماليةاذن،تسمح بالفائدة ،وباجرة الطاحونة معاً،تجاوباً مع مبدأ الحرية الاقتصادية.
والاشتراكية الماركسية لا تسمح للرأسمالي،بأخذ الفائدة على القرض ولا لصاحب الطاحونة، بالحصول على أجور،لأن العمل هو المبرر الوحيد للكسب،والرأسمالي حين يقرض مالاً،وصاحب الطاحونة حين يؤجر طاحونته، لا يعمل شيئاً.
والإسلام لا يأذن للرأسمالي،بتقاضي الفائدة ويسمح لصاحب الطاحونة،بالاكتساب عن ايجارها وفقاً لنظريته العامة في التوزيع.مواقف ثلاثة مختلفة تبعاً لاختلاف وجهات النظر العامة في التوزيع.
فلماذا يوصف الموقف الرأسمالي والماركسي، بالطابع المذهبي ولا يقال ذلك،عن الموقف الإسلامي؟ مع أنه يعبر عن وجهة نظر مذهب اقتصادي ثالث،يختلف عن كل من المذهبين؟!.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.