ناتو الستار الحديدي موسكو وبكين وطهران: أولوية قصوى في نظام جديد متعدد الأقطاب

jk;oii

المراقب العراقي – متابعات

تشهد منطقة الشرق الأوسط تغييرات سياسية متسارعة، وتحالفات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة وهيكلة التحالفات واستبدال الحلفاء القدامى بآخرين جدد، وفقاً لاعتبارات تقتضيها مصلحة الدول, يأتي على رأس هذه التغيرات التقارب الروسي الإيراني الصيني، فقد شهدت العلاقات بين موسكو وبكين تطوراً ملحوظاً بعد تولي فلاديمير بوتين رئاسة روسيا، وزاد التقارب بين البلدين في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، والتي أثارت قلق واشنطن بشكل كبير، وإتضح فيما بعد إنها مشروع لحلف عسكري آسيوي كبير تقوده روسيا والصين معاً، كما اتضح التقارب بين روسيا والصين في المواقف السياسية إلى حد التطابق، وقد شاهدنا الفيتو الثنائي المتكرر منهما في مجلس الأمن الدولي في الأزمة السورية، وموقفهما المشترك من أحداث الربيع العربي، ومن أزمة البرنامج النووي الإيراني وتأييد اتفاق الاطار في لوزان، الأمر الذي يثير شكوكاً وقلقاً لدى الغرب وواشنطن من مشروع تحالف إستراتيجي بين البلدين قد يضم معهما بلداناً أخرى في اوربا وآسيا وأفريقيا وغيرها.

كما إن حاجة روسيا إلى حلفاء إقليميين في الشرق الأوسط لتجديد عودتها إلى المنافسة على الزعامة الدولية دفعها لتمتين علاقاتها مع دول في الإقليم تقف بالمرصاد ضد السياسة الأمريكية، ولم تجد أفضل من إيران المعروفة بمناهظتها للسياسات الامريكية في العالم والشرق الاوسط على نحو الخصوص، والحريصة على التحالف مع أطراف دولية قوية قادرة على دعمها في مواجهة التسلط الأمريكي، هنا يمكن القول إن روسيا اليوم في حاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى لترسيخ علاقتها بالصين وإيران لتكوين جبهة قوية ضد الهيمنة الأمريكية، ووضع حد لإنفرادها بالسيطرة على العالم من دون منازع وكسر سياسة الاحتواء والطوق الذي تريد أن تضربها على هذه الدول بسياسات مختلفة، وكانت القيادة الروسية قد أشارت إلى تأسيس مثلث استراتيجي يجمع الصين وروسيا وإيران وهذا ما لا تريده الولايات المتحدة لأنه يقلص من هيمنتها ويقزم دورها في المنطقة، ولذلك فهي تعمل على إغراء إيران بكل ما تحتاجه حتى لا تعطى لها فرصة الانضمام لهذا الثالوث الإستراتيجي العملاق، لذلك انطوى التقارب الأمريكي الإيراني في حقيقته على إبعاد طهران عن موسكو أو إضعاف العلاقة البراغماتية بينهما، خاصة في أوضاع منطقة وسط آسيا وبحر قزوين، وكذلك الساحة السورية، ومنها أيضاً الملف النووي الإيراني وتكريس العلاقة مع الإتحاد الأوربي والوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بطريقة إضعاف روسيا في هذا الملف الذي باتت تستخدم فيه أسلوب المساومة والمقايضة حيال القضية الأوكرانية لذلك حاولت روسيا أن تجعل من حلفها مع ايران والصين شوكة في حلق أمريكا وورقة ضغط رابحة تستخدمها في كل الظروف والأزمات، وهي كذلك موقع استراتيجي متقدم من الحدود وحزام من الأحزمة الواقية لروسيا، ولذلك فإن الدور الإقليمي الذي يمكن أن تقوم به إيران مهم بالنسبة إليها وجزء لا يتجزأ من إستراتيجيتها العسكرية, وفي هذا الإطار تسعى كل من روسيا وإيران والصين إلى تشكيل تحالف إقليمي ليكون صداً في وجه الاختراق الأميركي للمنطقة، خاصة في المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي سابقاً والتي فرط عقدها إثر انهياره، وقد عمدت هذه الدول إلى تأسيس بعض المنظّمات الإقليمية وتفعيل أخرى لهذا الغرض, وفي سياق متصل شهدت الأسواق الأوروبية حالة من الاضطراب مع تباين مواقف القادة حول كيفية فرض عقوبات على روسيا بشكل لا ينعكس سلباً على اقتصادياتهم في الوقت الذي تشعر بعض الدول الغربية بالقلق إزاء الآثار طويلة الأمد المترتبة على التوترات المتزايدة بينها وبين روسيا، وسيكون بالتأكيد لكل ذلك تأثير كبير في الأسواق الصينية والإيرانية وسينعكس إما من خلال انكماش التجارة العالمية أو تراجع التجارة الإقليمية، وقد تلحق هذه العوامل ضرراً بالنمو الاقتصادي في اوربا التي تمر أصلاً بحالة من التراجع، كما يمكن القول إن الصين هي الرابح الأكبر من الأزمة الأوكرانية ودعم الموقف الروسي، حيث ستستفيد بشكل مباشر من الأزمة بين روسيا والقوى الغربية حول أوكرانيا، كونها في السابق تفاوضت مع شركة غازبروم الروسية، وهي واحدة من أكبر شركات استخراج الغاز الطبيعي، أما على المدى الطويل فترغب الصين في بناء علاقات مستقرة مع أوروبا والاتحاد الأوروبي وروسيا، وتمثل جميع هذه البلدان أطرافاً وشركاء اقتصاديين يمكن أن تستفيد منهم لتحقيق نموها، لذلك تقف الصين موقف المحايد على الأزمات الحالية، ولكن عينها تظل مفتوحة على المشهد العالمي على المدى الطويل، وتعدّه مكسباً كبيراً في المستقبل القريب, وفي هنا يمكننا القول إن الموقف الصيني له دور في لجم الاندفاع والتهور الأميركي تجاه العديد من الملفات الدولية المعقدة، وتجاه العديد من الموضوعات المثارة على كل المستويات الأممية، وقد كان الملف النووي الإيراني واحداً منها، حيث سقطت سياسة التهديد العسكري الأميركي ضد إيران وهو ما دفع بالرئيس الأميركي ”باراك أوباما” طوال حقبته الرئاسية الأولى، لتفضيل الخيارات الدبلوماسية، وتركيزه في العمل مع حلفائه سياسياً ودبلوماسياً كبديل عن استخدام القوة، في رؤية لا يستطيع من خلالها تجاهل الدور الروسي وحتى الصيني في معالجة معظم القضايا الدولية, وأخيراً فإن العالم يشهد اليوم ثلاث قوى إستراتيجية كبرى متمثلة في أمريكا، أوروبا، والتحالف الصيني، الروسي, الايراني، وتعدّ أمريكا وأوروبا حليفين إستراتيجيين، وإن تقارب روسيا وإيران والصين من شأنه أن يؤثر في المكانة الإستراتيجية الأمريكية، والتحفيز الكبير ليس فقط بالنسبة لأمريكا ولكن بالنسبة للعالم الغربي، حيث يحوم حالياً شبح الحرب الباردة الثانية، بسبب الصراع الروسي الأمريكي بشأن الأزمة الأوكرانية، أو وصول علاقة اليابان مع دول الجوار إلى نقطة التجمد، وبموجب هذا السيناريو أصبح التقارب الإستراتيجي بين روسيا وإيران والصين مرساة استقرار للعالم، وهي ضمان إستراتيجي لمنع نشوب حرب باردة جديدة، كما أن النهوض الصيني الإيراني يشكل تحدياً لا مثيل له بالنسبة للغرب وأمريكا على وجه الخصوص.

مؤتمر موسكو للأمن الدولي

كان مؤتمر موسكو للأمن الدولي، بمثابة تقديم إشعار إلى الولايات المتحدة وحلف الناتو أنّ القوى العالمية الأخرى لن تتركهما يفعلان ما يحلو لهما, تم تعزيز الحديث عن الجهود المشتركة بين الصين والهند وروسيا وإيران ضد توسع حلف الناتو، من خلال وجود خطط لإجراء محادثات عسكرية ثلاثية بين بكين وموسكو وطهران, اجتمع وزراء الدفاع والمسؤولون العسكريون من جميع أنحاء العالم، في 16 أبريل، في فندق راديسون رويال الشهير، أحد أفضل معالم العمارة السوفيتية في موسكو، وأحد ما يُعرف باسم “الشقيقات السبع” التي شيدت خلال عهد جوزيف ستالين, كان الحدث الذي استمر ليومين واستضافته وزارة الدفاع الروسية في المؤتمر السنوي الرابع للأمن الدولي في موسكو, حضرت مجموعة من المسؤولين المدنيين والعسكريين من أكثر من سبعين دولة، بما في ذلك أعضاء حلف الناتو، كما شارك خمسة عشر وزيرا للدفاع في هذا الحدث ومع ذلك، باستثناء اليونان، لم يشارك وزراء دفاع دول حلف الناتو في هذا المؤتمر, وعلى عكس السنوات السابقة، لم يرسل منظمو مؤتمر موسكو للأمن الدولي دعوة إلى أوكرانيا لحضور محادثات هذا العام, وقال أناتولي أنتونوف، نائب وزير الدفاع الروسي “في هذه المرحلة من الصراع المعلوماتي القوي فيما يتعلق بالأزمة في جنوب شرق أوكرانيا، قررنا عدم تأجيج الوضع في المؤتمر وقررنا عدم دعوة زملائنا في أوكرانيا للمشاركة في هذا الحدث” وعلى الصعيد ذاته، وبعدّها مسألة ذات أهمية خاصة، تابع المختصون في هذا الشان هذه الأنواع من المؤتمرات لسنوات, لأنّها تحتوي على تصريحات هامة بشأن السياسات الخارجية والأمنية, وفي هذا العام كان المراقبون متحمسين عند افتتاح هذا المؤتمر الأمني وبصرف النظر عن حدوثه في وقت يتغير فيه المشهد الجيوسياسي في العالم بسرعة كبيرة, إلّا أن الباحثين مهتمًون بمعرفة ما سيسفر عنه المؤتمر، واثيرت الاسئلة منذ عام 2014 في السفارة الروسية في كندا ما إذا كان البعض مهتمًا بحضور مؤتمر موسكو الرابع للأمن الدولي, بقية العالم يتحدث عن سماع المخاوف الأمنية الأطلسية غير الأوروبية, فمؤتمر موسكو هو المعادل الروسي لمؤتمر ميونيخ للأمن الذي عُقد في فندق بايريشر هوف في ألمانيا لكن، هناك اختلافات كبيرة بين الحدثين, في حين أُقيم مؤتمر ميونيخ للأمن لمناقشة أمن المنطقة “الأوروبية-الأطلسية” وينظر إلى الأمن العالمي من منظور “أطلسي” لحلف الناتو, إلّا أنّ مؤتمر موسكو للأمن الدولي يمثل منظورا عالميا شاملًا ومتنوعا فهو يمثل بقية المخاوف الأمنية العالمية للمنطقة الأطلسية غير الأوروبية، وخاصة في الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ من الأرجنتين والهند وفيتنام إلى مصر وجنوب إفريقيا، يجلب المؤتمر المُقام في فندق أوكرانيا مجموعة متنوعة من اللاعبين الكبار والصغار إلى الطاولة، من الذين قوّضت أصواتهم ومصالحهم الأمنية، بطريقة أو بأخرى، وتم تجاهلها في ميونيخ من قادة الولايات المتحدة وحلف الناتو, افتتح المؤتمر وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو، الذي يحمل رتبة أدميرال التي تساوي رتبة جنرال بأربع نجوم في معظم دول حلف الناتو, كان يجلس بجوار شويجو وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ومسؤولين آخرين رفيعي المستوى, تحدث كل منهم عن حرب واشنطن متعددة الأطياف التي استغلت الثورات الملونة، مثل احتجاجات الميدان الأوروبي في أوكرانيا وثورة الورد في جورجيا، لتغيير النظام وفي حديثه، استشهد شويجو بفنزويلا والمنطقة الإدارية الخاصة بهونج كونج في الصين بعدّهما ثورات ملونة فاشلة, وذكّر وزير الخارجية لافروف الحضور أن احتمالات حدوث صراع خطير في العالم تتزايد, بسبب عدم اهتمام الولايات المتحدة وحلف الناتو بأمن الآخرين وعدم، وجود حوار هادِف ولإثبات مزاعمه، استشهد لافروف بمقولة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت “لا يمكن أن يكون هناك أرضية مشتركة هنا, ويتعين علينا تحمل المسؤولية لتعاون عالمي، أو تحمل مسؤولية صراع عالمي آخر” وأوضح حول ما تعلمه قادة العالم من الحرب العالمية الثانية، قائلًا “أعتقد أنها شكّلت أحد الدروس الرئيسة للصراع العالمي الأكثر تدميرا في التاريخ ويمكن مواجهة التحديات المشتركة والحفاظ على السلام من خلال الجهود الجماعية المشتركة على أساس احترام المصالح المشروعة لجميع الشركاء” أجرى شويجو أكثر من عشرة لقاءات ثنائية مع مجموعة مختلفة من وزراء الدفاع والرؤساء الذين وصلوا إلى موسكو لحضور مؤتمر الأمن الدولي وخلال اجتماع مع وزير الدفاع الصربي، براتيسلاف جاسيك، قال شويجو إنّ موسكو تعدّ بلغراد شريكًا يمكن الاعتماد عليه في التعاون العسكري.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.