حائط الأزمة المسدود إختبار التفاوض: جنيف 3 منعطفاً في الأزمة السورية والحكومة ستبقى على ثوابتها

44-55404f4707990

المراقب العراقي – متابعات

 

دخلت الحرب الكونية على سوريا عامها الخامس، لا صوت لتسوية تعلو فوق صوت المدفع، قمّتان في جنيف واجتماعان في روسيا وعشرات الجولات المكوكية من الاخضر الابراهيمي الى دي ميستورا لم تحقّق خرقاً في افق الازمة, خيارات الحكومة السورية هي مواجهة الارهاب حتى آخر شبرٍ من أرض الجهورية السورية، مما يعني حرباً طويلة لاستعادة الجغرافيا على طريقة النموذج الجزائري في تسعينيات القرن الماضي، مع فارقٍ مهم هو أنّ المد البشري والدعم اللوجستي والعسكري للإرهاب التكفيري في سوريا لم يتوقف أو يخف، ما يعكس مشهداً ميدانياً متأرجحاً بين ربح الجغرافيا وخسارتها وعمليات كر وفر وانكفاء وتقدم, في المشهد الميداني، حقق الجيش السوري مطلع العام 2015 انتصارات استراتيجية مهمة بسيطرته على جغرافيا أسقطت مشروعين خطيرين متمثلين بإقامة منطقة عازلة في الجنوب والشمال، تزامن ذلك مع بدء عملية تحريرتكريت من داعش في العراق.

بعدها التقى وفد عراقي بالحكومة السورية وكان التوافق على التعاون الامني والعسكري فيما يتعلق بحدود البلدين، إلّا أنّ الحكومة العراقية آثرت تقريب معركة الانبار على معركة الموصل مما يعني “عسكريًا” أنّ الجيش العراقي أجّل معركة الوصول الى الحدود والسيطرة عليها واختار معركة الانبار لدفع الإرهاب الداعشي باتجاه سوريا دون إقفال الحدود، ومحاربتهم للقضاء على آخر عنصر فيهم, لعلّ هذا الخيار يسهل المواجهة ويخفف من فاتورتها على العراق، ولكنه من جهة أخرى يعزز ميزان القوة الارهابية في سوريا ويعيد خلط بعض اوراق الميدان، وقد بدا جلياً هذا الزخم البشري بعد معركة تكريت على جبهة ادلب وجسر الشغور وقبلها بصرى الشام, ويمكن وصف هذه الحالة بالبالون الذي إن ضغطته من جهة انتفخ في الجهة الاخرى, في بداية الحرب على سوريا استطاعت العصابات الارهابية الاستحواذ على اكثر من ستين بالمئة من الجغرافيا السورية، وكان الوضع دقيقاً وخطيراً قبيل التحول الذي حصل في القصير, في تلك الفترة كانت داعش واخواتها طورالتشكيل وكان ما يسمى الجيش الحر والكتائب الاخرى اقوى ميدانياً واذا صح التعبير في مكان ما، اقوى بحاضنتهم الشعبية، واستطاعوا تحقيق ما لم تحققه داعش والنصرة في اوج قوتهما اما اليوم، فداعش والنصرة اللتان استنفذهما القتال فيما بينهما وفيما بين ما يسمى الجيش الحر والكتائب الاخرى، بالاضافة الى الوهن الذي أصابهما في العراق وخسارة العديد من الموارد المالية الضخمة، لم تعودا تشكّلان الخطر الذي كان في سنوات الحرب الاولى حتى لو انضم آلاف الارهابيين الهاربين من العراق الى صفوفهما في سوريا، بدليل أنّ جُل ما استطاعتا تحقيقه بالرغم من الدعم المركز واللامنتاهي من السعودية وتركيا هو اقتحام مدينتي ادلب وجسر الشغور اللتين لم تكونا محصنتين عسكرياً بالشكل الجيد، لاعتبار أنهما ليستا ساحات مواجهة واشتباك ولعلّ مؤشراً آخر يتمثل بهدوء المواجهة بين الاكراد وداعش في شمال شرق سوريا، يؤكد أنّ داعش والنصرة قامتا بتحشيد كل قواهما في هجوم ادلب وجسر الشغور والتركيز عليهما دون القدرة على فتح جبهات متوازية في مناطق اخرى، وهو مؤشر ضعف ووهن يعكس تطبيق سياسة التجمع والاقتحام الصهيونية, لذلك، فإنّ الجيش العربي السوري استطاع امتصاص تداعيات معركة تكريت وأسقط المشروع السعودي التركي بالسيطرة الكاملة على شمال سوريا، ويمكن الاعتبار أنّ الاسوأ أصبح الى الوراء فيما يختص بتطورات الميدان وأنّ الجيش السوري عاد الى موقع الهجوم لا الدفاع على هاتين الجبهتين، وأصبحت عملية استعادتهما مسألة وقت لا أكثر, في المشهد السياسي، لأول مرة سيجلس ظريف والمعلم وكيري مع بعضهم البعض، يبدو دي ميستورا اليوم كثير التفاؤل، فهل السبب الكامن وراء تفاؤله مستمد من الخرق الحاصل في مضمون جنيف 3 والمتمثل بدعوة ايران الى طاولة الحوار حول الازمة السورية، أم أنّ تفاؤله يشي بانفراجٍ في الموقف الاميركي والمنعكس أيضاَ من جو التفاوض النووي الايراني الغربي ومن ناحية اخرى، زيارة وزير الدفاع السوري الى ايران، هل تحمل مطلباً سورياً الى طهران بالضغط على “شريكها التجاري” التركي بأن يوقف غزوته غير المباشرة في الشمال السوري تحت تهديد فرط عقد التحالف السوري الايراني, فإيران تعي جيداً أنّ الرئيس الاسد لا يحتاج إلّا لرفع سماعة الهاتف والطلب من اوباما وجون كيري “إحياء المفاوضات” مع “إسرائيل” وينتهي كل شيء لذلك، فإنّ زيارة وزير الدفاع السوري تتخطى مضامين الدعم العسكري الايراني لسوريا الى أبعاد لها علاقة بوضع الميدان وأفق المواجهة والتأكيد عن ضرورة انتصار سوريا كمنظومة وليس فقط كنظام مهما كانت الحسابات الايرانية تجاه تركيا التي تخطت الخطوط الحمراء, في جنيف 3، الحكومة السورية ستبقى على ثوابتها ولن تزيح قيد انملة على تصورها لحل الازمة ضمن المنطلقات السيادية للدولة السورية، والتي تحفظ كيان الدولة وهوية النظام الممانع، المعارضة لا تستطيع ان تقدم ما لا تملكه، وجل ما تستطيع أن تقدمه هو مواقف استعلائية كرتونية مضخمة لحجمها وقوتها، وحده الايراني، الذي يمسك بكافة أو اغلب ملفات المنطقة الساخنة يستطيع أن يساند الحكومة السورية في مقارعة أسياد المعارضة وعلى رأسهم السيد الامريكي، ويفاوضه بالجملة أو بالمفرّق على المخارج لحلحلة الازمة بما يحقق توافقاً في المصالح الدولية والاقليمية قد يخرج سوريا من محنتها ويكون منطلقاً لترتيب باقي الملفات من بيروت الى باب المندب, إنّ مجرد دعوة ايران الى جنيف 3 هو اعتراف امريكي بالدور الفاعل لإيران في هذا الملف، ولا مناص من مشاركتها في آخر المطاف، وهو يعكس مقاربة جديدة للادارة الامريكية تختلف عنها في جنيف 2 وجنيف 1 ولاسيما وأنّ جنيف 3 كما سُرب في الاعلام سينعقد لثلاثة أسابيع متواصلة، وهذا يدل على جدية في التفاوض قد تنتهي بخروج الدخان الابيض ولعلّ ظروف انعقاد المؤتمر المختلفة عن سابقاتها إن من ناحية تراجع دور المعارضة التي خسرت مقعدها الوهمي في الجامعة العربية وتحجم دورها، أو من ناحية تورط السعودية في حرب اليمن التي تبحث عن اي طوق نجاة او سُلّم لإنزالها عن الشجرة، أو من ناحية الاريحية التي كسبتها ايران بعد الاتفاق النووي والمرونة المتأتية عنها, في كل الاحوال، أمام الجميع فرصة هامة هي جنيف 3، وقد يكون هذا المؤتمر باب حل ليس للازمة السورية فحسب بل لعديدٍ من الازمات، فإن تلقفها الجميع بمسؤولية وعقلانية، خيراً يروا، وان تم تفشيل هذا المؤتمر، فسيتحمل الجميع وزر ذلك لأنّ ما قبله لن يكون كما بعده مثلما حصل في المؤتمرين السابقين، اي عوداً على بدء، بل ستنتقل المواجهة حتماً الى مستويات جديدة ليس اقلها رسالة الشهداء الأربعة على حدود الجولان المحتل او كسر اليد التي ستمتد الى سوريا كما رد الجعفري، وفي رده ابلغ الكلام.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.