العراق يقسم أميركا إلى قسمين؟

يعيد الكونغرس الاميركي “المعادي لأوباما” إحياء مشروع جون بايدن لتقسيم العراق الى ثلاث دول، واحدة كردية والثانية سنية والثالثة شيعية. مسودة المشروع تضع شروطاً على رئيس الوزراء حيدر العبادي بأن يعاد تشكيل الجيش العراقي من ثلاث مكونات متوازية، كردية وسنية وشيعية مقابل تسليح الجيش من المال الذي دفعه العراق مسبقاً للولايات المتحدة، وإلّا ستقوم الاخيرة بتسليح الاكراد والسنة مباشرةً من هذا المال والاعتراف بـ”استقلال” الكيانين الكردي والسني مكرسةَ تقسيم العراق الى ثلاثة كيانات.أول ردود الفعل جاء من الحكومة العراقية الرافضة لتقسيم العراق في حين أنّ العراقيين الاكراد وعلى لسان المتحدث باسم الاتحاد الوطني الكردستاني عبد الباري زيباري لم يوافقوا أو يرفضوا في انتظار “دراسة المشروع”. التمهل الكردي المفهوم يعكس دقة الحسابات الكردية في مقاربة التوازنات في المنطقة وضرورة تحقيق الحلم التاريخي الكردي دون خسائر. مقابله مجلس النواب العراقي بطبيعة الحال اعتبر مشروع القرار في الكونغرس مرفوضاً وأعرب التحالف الوطني الذي يشكل أكبر كتلة في المجلس عن سخط التحالف من هذا المشروع بينما هناك بالمقابل كتل اخرى أيّدت وذهبت بعيدًا لاعتبار أنّ المشروع أصبح أمراً واقعاً.المفارقة حول ردود الافعال على القرار كانت أنّ السفارة الامريكية في بغداد قلّلت من أهمية القرار واعتبرت ان واشنطن كانت وستظل تدعم “عراقاً موحدا”. هذا التباين بين موقف السفارة الممثل القانوني للولايات المتحدة والذي يعكس حتى الآن سياسة واشنطن تجاه العراق وبين الكونغرس يعزز مشهد الصراع السياسي في واشنطن والذي بدأ من جنيف واتفاق لوزان النووي الذي يرفضه الكونغرس “المتصهين” ويحاول محاربة إنجازه في حزيران المقبل، واضعاً كافة العراقيل امامه ومأججاً الصراعات الاقليمية من اليمن الى سوريا ثم العراق الآن في محاولة للتخريب على الهدوء النسبي في العلاقة الايرانية الامريكية وزج الطرفين في مواجهة وتضارب مصالح علّ الانفجار الاقليمي يطيح بالاتفاق النووي.الايرانيون، بطبيعة الحال، يدركون جيداً الهدف من اشعال اليمن ومن زج آلاف المقاتلين الشيشان وغيرهم في معركة كسر العظم في سوريا، ويدركون أيضاً أنّ قراراً لتقسيم العراق طائفياً بهذا التوقيت يهدف الى تسعير المواجهة بين ايران وواشنطن. ولذلك، فإنّ الإيراني يدرس خطواته بدقة لتقطيع الوقت حتى حزيران المقبل وتفويت الفرصة على “فريق نتنياهو” في واشنطن وفي الخليج، ولو أنّ أغلب القواعد الشعبية في الدول الحليفة لإيران كسوريا واليمن تلوم ايران على هدوئها في ظل احتدام المواجهة على تلك الساحات مما يعني أنّ الشهرين ونيّف المتبقّيين على الاتفاق هما الفرصة الوحيدة لـ”إسرائيل” وادواتها في الغرب وفي المنطقة لقلب المعادلات الجديدة المرتقبة، وهما الامتحان الاشد للمحور الممانع، والعنوان الافضل لهذه المرحلة الدقيقة، من يصبر يربح.بالعودة الى قرار الكونغرس، والانقسام القائم حالياً في الولايات المتحدة ما بين الرئيس الامريكي باراك اوباما وفريقه وبين الرئيس “الاسرائيلي” بنيامين نتنياهو وفريقه، فإنّ فشل أوباما في إسقاط نتنياهو بالانتخابات عزز موقع الاخير في دوائر القرار الامريكي وبدا أنّ معركة الانتخابات الامريكية القادمة قد افتتحها نتنياهو وليس اي مرشح امريكي، وليس بعيداً عن نتنياهو وفريقه ان تكون لديهم اصابع خفية في تأجيج الصراع العنصري بين السود والبيض كما شهدنا في احداث بالتيمور الاخيرة. الضغط على ايران من بوابة تقسيم العراق لإفشال الاتفاق النووي سينتج عنه انقسام بين جبهتين امريكيتين في العراق، الجبهة الامريكية الاولى ستعمل سرًا ولو بمساعدة من “إسرائيل” وتمويل من السعودية على تسليح السنة وبعض الاكراد، والجبهة الاخرى المتمثلة باوباما ستحاول التهديد بتعطيل القرار باستخدام الفيتو.الجدير ذكره هنا أنّ اوباما قد يتغاضى عن بعض التسليح لضمان تحقيق التوازن الذي لطالما حرص على إبقائه قائماً في المنطقة، وهو ما شهدناه في سياسته حيال اليمن وفي سوريا كما في العراق، ولكن اوباما سيضع خطوطاً حمرا على القرار منعاً للمواجهة مع ايران فيكون بذلك قد أمسك بالعصا من الوسط.لكن محاذير هذا التكتيك تكمن في خيار الفريق الآخر من هذه التوقعات،حيث ان الانتصارات التي يحققها ابطال الحشد الشعبي في مواجهة داعش الارهابي تسقط اوراق الضغط الامريكية، ومع ارسال اول تابوت من العراق الى اميركا سينقسم الرأي العام الامريكي حول خيارات الحزب الجمهوري المتهورة مما سيشعل الشارع الامريكي بين الحزبين ليعيد تشكيل الرأي العام الامريكي الذي قد يطيح باحلام الجمهوريين مرة اخرى في اواخر العام القادم، مع اول تابوت الى اميركا سيرسل العراق رسالةً ليبث فيها الى الامريكيين بأنّ زمن جو بايدن وبول بريمر قد ولى وبأنّ العراق، يُقسّم.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.