مشروع التقسيم والخيارات الشيعية

لم يكن المشروع الأخير الذي أقرّه الكونغرس جديداً، فهو نتيجة منطقية للعقلية الأمريكية, التي تعمل وفق مخططات برنارد لويس, لإعادة رسم خارطة المنطقة, والتي تفرّع منها مشروع جو بايدن, الذي أقرّه الكونغرس أيضا عام 2007, وبالتالي فان طرح هذا الأمر, لم يكن خارج سياق السياسة الأمريكية ومتبنياتها, منذ احتلالها للعراق ولحد الآن، فالهدف تقسيم العراق، وبأدوات وأساليب تختلف باختلاف الظروف، والمنفذون يختلفون كل حسب قدرته, على إقناع الجانب الأمريكي, بإمكانيته الوصول بهذا المخطط الى نهاياته السعيدة، ونحن على يقين بما تهدف إليه أمريكا وعملاؤها, من إثارة القلاقل والاضطرابات المستمرة, وموجات التفجيرات التي عادة ما تطال المدن والمناطق الشيعية, وتحريك الأدوات المتنوعة, والتي تصب بالنتيجة في إحداث شرخ مجتمعي, بين أطياف الشعب والوصول الى حد الاحتراب الطائفي كمقدمة للتقسيم، وكانت آخر هذه الأدوات, ما اتفقوا على تسميته بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش), الذي مهّد لكسر الحدود الدولية، وإشاعة العداء الطائفي بأساليب دموية, تستهدف الوجود الشيعي بالذات، والعمل على تهديد النظام السياسي, الذي أقامته أمريكا بنفسها على أسس طائفية ملغمة، ولكن فشل داعش في الوصول الى هذا الهدف, وانقلاب الأمر الى بزوغ قوة شيعية هائلة, بات من الصعب تجاهلها أو تحديدها أو إبعادها عن الساحة, وتحولها الى بديل جاهز يمتلك جميع المقومات, لإزاحة الوجودات الشيعية, التي تبنت المشروع السياسي الأمريكي, وهذا يعني خسارة أمريكا للشريك الشيعي الضامن لاستمرار مشروعها، ومع هزيمة داعش وافتضاح ارتباطها باللاعب الدولي والإقليمي، تحرّك المشروع القديم, الذي عبر طرحه الجديد, عن اليأس الذي وجدت فيه أمريكا نفسها، بالحصول على مكاسب على الأرض، خصوصا بعد تحرير تكريت, بجهود عراقية خالصة, واستبعادها عن ساحة المعركة, والتي أرادت من خلالها الحصول على مكاسب, ترفع رصيدها لدى الرأي العام الأمريكي والعالمي، وبتحرك هذا المشروع, وفي هذا التوقيت المريب, الذي يحمل رسائل عديدة, لا بدَّ لنا نحن الشيعة من وقفة تجاهه, تضع الأمور في نصابها الحقيقي, لصياغة موقف موحد, في مواجهة مخطط نحن المستهدفين فيه, ونحن المخاطبين فيه، فنص القرار الأمريكي, لا يطالب الحكومة العراقية بالتنازل للسنة والأكراد, لأنها في الواقع مشكلة من مجموعهم, لاسيما وأنهم قد ابدوا تعاطفاً تجاهها, وقدموا لها دعماً في بداية تشكيلها، وإنما يطالب الشيعة بالتنازل للسنة والأكراد, كما يطالب المجموعة السياسية الشيعية, التي تنسجم مع مشروعهم, إلى إبعاد فصائل المقاومة والحشد الشعبي، التي باتت عقبة أمام الهيمنة الأمريكية على العراق، ولهذا جاء نص القرار بصيغة إعطاء مهلة ثلاثة شهور, لإبعاد فصائل المقاومة والحشد, وإلا فان أمريكا ستفرض تشكيل ما أطلقت عليه بكل صراحة (الحرس الوطني السني) وتسليحه, هي دعوة للقوى الشيعية لدراسة تداعيات هذا القرار, على مستقبل الوجود الشيعي, والتهيؤ لخيارات قد يفرضها علينا شركاؤنا, الذين تبيّن ان مواقفهم منسجمة بشكل كبير مع أهداف هذا القرار, ولعل ما جرى في مجلس النواب إثناء جلسة التصويت على رفضه دلالة واضحة.     محمد محي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.