روايات لن تستطيع تركها قبل الإنتهاء منها

منطمكطم

قد يكون اختيارك لبعض الكتب التي ترغب في تقضية وقتك بها أمرًا شاقًا، أنت ترغب في الحصول على روايات صالحة للقراءة لتسلية الوقت والتغلب على رتابة الأيام، لذا رواية طويلة معقدة أو كتاب علمي ثقيل بالتأكيد لن يصلح لك، الأفضل اختيار مجموعة من الروايات المشوّقة، التي لن تستطيع تركها قبل الانتهاء منها، الصالحة تمامًا لرحلة طويلة، أو لعطلة مثالية، وفي الوقت نفسه، تقضي بصحبتها وقتًا ممتعًا، مسليًا، مؤثرًا، تتغير حياتك ولو بنسبة ضئيلة بعده، هذه إذن الاختيارات المناسبة تمامًا لك..
يوم غائم في البر الغربي- محمد المنسي قنديل
“الليل في مصر هو الأشد ظلمة من أي مكان آخر، خصوصًا عندما يغيب القمر الشاحب، فالظلمة دائمة و الضوء طارئ، تراكمت ذراته الداكنة على ضفاف الوادي عبر آلاف السنين!“.للروائي المصري محمد المنسي قنديل طابعه الخاص، فهو يستطيع جذبك ببساطة إلى أعماق كتابه دون جهد، من أول كلمة في الرواية، سيصيبك ما هو أقرب للسحر، رحلة طويلة في تاريخ وجغرافية مصر، والأهم في روحها نفسها، البطلة عائشة في رأيي هي مصر ذاتها، التي تتوقف لمحطات مع شخصياتها الأهم، عائشة تعشق فنانيها، مخلصة لأبطالها، مجذوبة بتاريخها، تحمل هوية دينية مختلطة، تتجول على غير هدى في الأماكن والبلاد والصحراء، تقترب من أعدائها، وتنهزم ثم تقوم من جديد، يقودنا المنسي قنديل من معابد الفراعنة إلى أوائل القرن العشرين ذهابًا وإيابًا دون تخبط، ينتقل بسلاسة ليحكي عن وقائع مختلفة ومتناقضة امتزج فيها الخيال بالحقيقة، الرومانسية بالرعب، الحزن بالسعادة، ستدخلك فيما هو أشبه بالغيبوبة، وستنقلك لعالم آخر لن تفيق منه إلا بعد الانتهاء منها.
الديكاميرون- جيوفاني بوكاشيو
ألف ليلة وليلة الإيطالية، من تأليف جيوفاني بوكاشيو وترجمة صالح علماني، هذه هي نواة القصة القصيرة، والمثال الأول الحديث للروايات التي يتخللها مجموعات من القصص المنفصلة في نسيج واحد، والملهمة لصناعة الأفلام المنقسمة إلى مقاطع، كل هذا يطلق عليه اليوم اسم (الديكاميرون) تيمنًا بها.الديكاميرون.. تحفة الملذات الدنيوية، تدور في القرن الرابع عشر، مدينة فلورنس التي تبتلى بوباء الطاعون، تتحول إلى مدينة الموت، يهجرها عشرة أشخاص، سبع نساء وثلاثة رجال، إلى بستان قريب بعيد، ينجيهم من هذا الشرك، مع إمكانية مراقبة الوضع من بعيد، أيامهم تمضي ببطء، فيقررون التسلية بأن يحكي كل منهم قصة واحدة كل يوم ولمدة عشرة أيام، النتيجة 100 قصة شعبية إيطالية مجمعة، تأخذك إلى عالم جديد غريب، واقعي تمامًا على عكس ألف ليلة وليلة العربية، دراما أقرب للمسلسلات، خيانة زوجية ومكائد نسوية، مؤامرات وملوك ورجال دين متورطون في أمور كثيرة، كواليسا لمدينة كلها تنكشف أمام الأبطال ليسردوها، ربما أراد بوكاشيو تخليد المدينة، وحفظ تراثها الشعبي رغم احتضارها، فكتب هذه الملحمة الإنسانية الرائعة، لن تمل لحظة أثناء قراءتها.
المرحوم- حسن كمال” أريد أن أحيا و لا أتعامل إلا مع الحياة “
حسن كمال في رأيي يملك أسلوبًا يجمع بين يوسف إدريس وإنسانيته، ومحمد المنسي قنديل وخياله، قد نختلف على الرواية، وقد يتهمها البعض بأنها لا تستحق كل هذه الضجة التي أثيرت حولها خاصة أنها كانت ضمن قائمة الأكثر مبيعًا لمدة طويلة، لكن ما نتفق عليه أنها جديرة بالانضمام لهذه القائمة، الروايات التي لن تستطيع تركها قبل الانتهاء منها.
البطل هنا يملك قدرات خاصة، فهو يستطيع، -كما يخيل له-، أن يخرج روحه لتحل داخل أجساد الموتى، أعتقد أن حسن كمال يحاول التنويع على الإسقاط النجمي الشهير بين المشعوذين، لكن بطريقة مختلفة تُحيّرك، فلا تعرف إن كان البطل، -اسمه المرحوم-، يتخيل، أم هو حقًا يملك هذه القدرات.
بعدما قرأتها بكثير شاهدت فيلم Birdman الشهير لآليخاندرو خونزاليس، وكانت الفكرة قريبة جدًا حتى أنني تذكرت المرحوم فورًا، حسن كامل أيضًا مزج الواقعية بالميتافيزيقيا ليُخرج هذه الرواية، يعيبها الدخول في تفاصيل كثيرة لا لزوم لها، لكن أسلوب الكاتب السريع والجاذب يجبرك على المتابعة، يُثير فضولك لدرجة أنك لاتتوقف عن القراءة إلا في اللحظة الأخيرة.
فرانكشتاين في بغداد- أحمد السعداوي
رواية حاصلة على جائزة البوكر لعام 2014، ينقلنا فيها الكاتب العراقي أحمد السعداوي إلى بغداد، منطقة البتاويين حتى لتشعر بأنك من ساكنيها، هادي العاتكي يقرر صنع بطل خارق من أجساد ضحايا العمليات الإرهابية على غرار قصة الطبيب فرانكشتاين الذي يصنع مسخًا من أجساد الموتى، ينجح فعلاً في ذلك ليخلق الكائن”شسمه” أو الذي لا اسم له باللهجة العراقية، الناس البائسون يتمسكون بهذا الوحش المتحلل ليلتفوا حوله وكأنه بطلهم كعادة العرب في التمسك بصورالأبطال الوهميين، يكتشفون أن بطلهم يتحلل بمرور الوقت فيرمونه باستخدام أجزاء مجهولة، يختلط فيها المجرمون بالضحايا بالخائنين ليخرج لنا وحش كاسر يقتل كل من يقابله، الفكرة الفانتازية مغرقة في الرمزية، يمكنك تفسير رموزها بالطريقة التي تحبها، لكنها تظل في النهاية رواية مشوقة وجذابة.
ساق البامبو- سعود السنعوسي
رواية أخرى حائزة على جائزة البوكر لعام 2013، الروائي الكويتي سعود السنعوسي يأخذنا في رحلة بحث عن الذات بأسلوب سردي ناعم، يحاول البطل معرفة أصوله بين الكويت بلد والده التي لم يرها حتى بلوغه سن الثامنة عشرة، والفلبين موطن أمه، التي أقنعته بأن الكويت هي أرضه وحلمه الموعود.العلاقات المختلطة، ورحلة البحث عن النسب، الإنسانيات الجميلة وتصالح البطل مع هويته وانتمائه، كلها جعلت الرواية مختلفة وعميقة، ننجذب دومًا لهذه الدراما الإنسانية المحبوكة في أعماق الإنسان العادي، كلنا نملك قصة ما داخلنا، لكن السر يكمن في طريقة سردها، السنعوسي ليس أول من تحدث عن قضية العمالة الأجنبية والعلاقات والنسب، لكنه تفرد بطريقته الخلابة التي ضمنت تربعها في قلوب قارئيها لمدة طويلة.
متاهة الأولياء- أدهم العبودي
لا تتخيل أنها رواية عن الأولياء الصالحين كما يتم سردهم في الموروث الشعبي، هذه رواية سينمائية باقتدار، تأخذنا لأعماق جنوب الصعيد في مصر، ليصل لنا الكاتب الواعد أدهم العبودي ما يريد قوله، كلنا نحمل “وليًا” في داخلنا، كلنا بلا استثناء، أخيار، أشرار، هذا تنويع جديد على فكرة اللون “الرمادي” الذي يعبر عن الإنسانية،لا وجود للأبيض ولا الأسود، فقط درجات من الرمادي تملأ أرواحنا، فيظهرالولي مرة، ويظهرالشيطان مرات.الشخصيات متعددة في إطار محكم، أحداث متلاحقة وإيقاع سريع، ملحمة حقيقية مختلفة وأصيلة، لا عجب أن الأديب الكبير بهاء طاهر وصفها بالرواية الغنية بالتفاصيل، التي لاتشبه أي عمل آخر، لا مصري ولا أجنبي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.