إمارة حائل.. دولة آل رشيد أقيمت بعد تدهور «الدولة السعودية الثانية»

تمخهخع

حاضرة عربية نجدية وثيقة الصلة بالنجف ، واكبت تطوراتها وعاصرت ازدهارها وشابهتها بالكثير من الجوانب . تقع في الجزء الشمالي من هضبة نجد بين سلسلتين جبليتين محليتين هما أجا وسلمى سميتا قديماً بـ ” جبلي طي” أو جبل شمر واشتهرت أحيانا واختصاراً بـ (الجبل) ( ) . يفصل بينهما سهل فسيح تكثر فيه الآبار والينابيع ، وتغطيه بساتين النخيل ومزارع الذرة والنباتات البرية تقع بين جنباتها مدينة حائل . ولقد وفّر الموقع الجغرافي المتوسط والتضاريس الوعرة المحيطة بها أهمية إستراتيجية بالغة الحيوية للإمارة ، وحصانة طبيعية ضد الغزوات المعادية ، وإمكانية عالية للسيطرة على الأراضي المجاورة ( ) .تمكن آل رشيد من تأسيس كيان سياسي راسخ في حائل ، دام أكثر من ثمانية عقود (1835- 1921) على يد مؤسس الأسرة عبد الله بن علي الرشيد 1835- 1847( ) ، الذي استمد سلطته وشرعيته من إحدى التحالفات القبلية الكبيرة في الجزيرة العربية : شمر التي تعد من بين أقوى الاتحادات وأشدها بأساً وأكثرها سيطرة على معظم الأراضي والمراعي المتاخمة لمعقل الإمارة (حائل) ، والتي اتخذوها قاعدة ينطلقون منها للتوسع إلى مناطق أخرى في شمال الجزيرة العربية ووسطها ( ) .
. وبعد أن كانوا يحكمون بوصفهم ولاة شبه مستقلين للرياض ، استفادت الأسرة الرشيدية من تدهور أوضاع ما بات يعرف بـ (الدولة السعودية الثانية) في نجد التي قتل أميرها الاول تركي بن عبد الله آل سعود عام 1834 نتيجة صراع أسري وسيطرة القوات المصرية على ملكه في نجد( )، وأصبح آل رشيد بعد الحرب الأهلية الثانية التي أعقبت وفاة فيصل بن تركي 1865( ) أسياداً مستقلين تماماً ويفرضون سيطرتهم الكاملة على ” ديرتهم ” حائل.
ولم تكن للإمارة حدود ثابتة ؛ إذ نجدها تمتد أحياناً وتقصر أخرى ، بحسب قوة حاكمها ومبلغ نفوذه وسطوته . فأراضيها مرتبطة بمناطق الرعي الخاصة بالقبائل الخاضعة لها التي اعتادت أن تدخل في تحالفات مع مدينة متفوقة تحت أسرة حاكمة قوية ومنظمة مثل حائل ، من أجل التجارة والحماية ، والغزو غالباً ( ) . غير أن الجماعات القبلية كانت تنضم إلى هذه المشيخة الكبيرة أو تلك وتنفصل عنها في مدد زمنية معينة بحسب حاجاتها ومصالحها المتغيرة( ) . وعموماً ففي حين لم تخرج حدودها خلال أمد طويل عن إطار عاصمتها حائل وبعض الواحات القريبة ، فإنها اتسعت لتشمل إقليم الجوف إلى الشمال الغربي في عهد طلال بن عبد الله الرشيد 1847 – 1867( ) الذي يعد عهده عهد التوسع في تاريخ الإمارة، وبناء علاقاتها الدولية ، لا سيما مع الدولة العثمانية ابتداءاً من نقطة ارتكازها في العراق( ) . وقد شهد عهد أخيه (محمداً186-1897) ( ) مكتسبات أكبر ؛ إذ أخذ نفوذه يظهر بشكل أكبر في نجد واتصل بشكل رسمي بالسلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام 1876 ووثق العلاقة معه بتبادل الرسل والهدايا بين الطرفين ، معلناً ولاءه له ( ) . وتم ضم منطقة القصيم المهمة في الجنوب عام 1877 والعاصمة السعودية الرياض عام 1891 وعدد من الحواضر الأخرى ( ) . فتشكل مع نهاية القرن التاسع عشر كيان سياسي مهاب ، هو الأقرب إلى الدولة الحديثة ، تمتد مناطق نفوذه من أطراف إمارة الكويت وولاية البصرة شرقاً إلى وادي حوران شمالاً وإلى القصيم ومنطقة تبوك والمدينة المنورة جنوباً، وكانت كلها تمثل مثلثاً غاية في الأهمية من حيث تأثيرات أحداثه في العراق وبلاد الشام والحجاز ( ) .
فضلاً عن ذلك فقد أصبحت حائل مركزاً تجارياً وصناعياً متقدماً ، يقصده النجديون في شمال الجزيرة العربية ووسطها ، لتأمين حاجاتهم اليومية وسلعهم الحياتية، لما عرف عن أبنائها بالنشاط والحيوية وكثرة تعاطي التجارة داخل إمارتهم وخارجها ( ) . ولم تقتصر تحركاتهم على المناطق المجاورة، بل تاجروا مع بلاد الشام ومصر والهند التي صدروا لها الخيول وجلبوا منها البن والسكر والعطور( ) .
وقدّر الرحالة الأجانب عدد سكان حائل في تسعينات القرن التاسع عشر بأنه يتراوح ما بين عشرين إلى ثلاثين ألف نسمة ، يتوزعون على أكثر من أربعين قرية كبيرة( ) ، ومثل هذا العدد تقــريباً من البدو الخاضعين لها .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.