فوضى التسليح .. وحلم الدول الطائفية

عبد الخالق الفلاح

لم تكن الولايات المتحدة الامريكية في يوم ما صادقة في عملها ويمكن قراءة تاريخها برغم الحداثة إلا انها أكثر البلدان دموية في تعاملها على الارض المنبسطة. لقد اتخذت واشنطن الدنيا ألعوبة بيدها في غفلة إعداد من السياسيين الطامعين بالسلطة من خلال توفير الامكانات الهائلة والجهات الساندة لها من مراكز التخطيط والدراسات والفضائيات والصحف والمواقع الالكترونية. وفي ظل ما يشهده العالم من موجات عنف وصراعات دموية من جهة، وحروب طائفية قائمة على أسس دينية وعرقية من جهة أخرى. ومع تردد أصوات كثيرة في الآونة الأخيرة لمحللين حول وجود مخططات استعمارية جديدة تحاك خلف الستار تستهدف منطقة الشرق الاوسط والتي ستتضح بصورتها الكاملة وابعادها المختلفة في العام 2018، أي بعد مائة عام من اتفاقية سايكس بيكو، التي قسمت دولها على وفق معطياتها وبحدودها الحالية. حسب هذه المخططات فإن المشروع المستهدف يرمي إلى تقسيم وتفتيت دول المنطقة من جديد وتحويلها إلى دويلات صغيرة وممزقة على أساس طائفي ومذهبي وقومي، بالمقابل ترسيخ فدراليات تقود بطبيعتها إلى تقوية النزعة الانفصالية ضعيفة الارادة لتقودها إسرائيل بوصفها الدولة المركزية الوحيدة التي ستحكم المنطقة حسب الخطة الموضوعة سعيا منها لتحقيق حلم “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات”. ان مضي لجنة العلاقات الخارجية الامريكية في مجلس الشيوخ التصويت على قرار يقضي بالتعامل مع السنة والاكراد كدولتين مستقلتين وتزويدهما بالسلاح دون اللجوء للحكومة المركزية اثار موجة من السخط والغليان الشعبي والنقد الرسمي والبرلماني، الامر الذي دعا تلك الاوساط الى التحذير من مغبة تقسيم البلاد على أسس طائفية وقومية. وقد دفعت امريكا خونة الساحة السياسية ليكونوا مطية مطيعة لتحقيق احلامها والاختلاف حول موضوع ادانة المشروع الامريكي والمطروح في الكونغرس والخاص بتسليح بعض المكونات وخروج بعض الكتل من البرلمان العراقي قبل التصويت عليه، يؤكد ان هناك من هم سائرون خلف هذا المخطط التقسيمي والسعي من اجل تقوية الاقطاب المتنازعة لتشديد الصراعات وعسكرة الاطراف. ولم يعد بالامكان اخفاء الصراعات بين مكونات شعوب المنطقة وهي ظاهرة خطيرة عملت عليها كثيراً والتي اذكت من خلالها الاختلافات سواء كانت دينية أو طائفية أو قومية أو عرقية. والمشروع الاخير للكونغرس الامريكي الجديد حول تسليح بعض المكونات في العراق التقطت بقوة الاشارات السلبية على المستويين الرسمي والشعبي التي تركها القانون المقدم من عضو الكونغرس ماك ثوربيري، الذي يقضي بتمويل الحرب في العراق. واثار شرطه الذي يتضمن “حجب 75 في المئة من المساعدات عن بغداد ومنح أغلبها للكرد والسنة مباشرة غضب الشارع، وتعد سابقة تعكس عن حقيقة المشروع التقسيمي الذي عملت وتعمل عليه وتطبيقاً لمشروع جو بايدن مهندس مشروع تقسيم العراق في خلق جمهوريات جديدة أو حكومات حسب الرغبة. وباتت ملامحها واضحة تماماً، وهذه حقيقة جوهرية يجب ان يعي المواطن المخلص ابعادها وتداعياتها الكارثية ولا ينتفع منها اي فرد كردياً كان أو عربياً، مسلماً كان شيعيا أو سنياً، مسيحياً كان أو صابئياً. كما ان هناك في جميع هذه الطوائف دعوات لرفض تقسيم العراق والفدرالية، والالتزام بحكومة مركزية تتحكم بالموارد، إلا ان تلك الدعوات تصدر عادة من جهات وأشخاص حكوميين يؤمن البعض في الواقع بعكس ما يقولون. ويمكن هنا البيان بوجود مشاكل جمة في تحقيق تقسيم العراق على ثلاثة اقاليم شيعية وسنية وكردية، وعلى كل حال المستهدف هو وحدة العراق من قبل أصحاب المشروع الطائفي. تلك الفئات والأطراف التي تسعى لتقسيم البلد على أسس مبيتة وواضحة المعالم وادخاله في أتون الحرب المستعرة الدائمة لان وجودهم في الساحة السياسية يتوقف على هذا المشروع. وليس هناك من مستغرب قيام هذه الاطراف السياسية في السلطة بالتعاون مع فلول البعث الذين تسللوا الى مؤسسات الدولة والعاملين بجد في سبيل تخريب العملية السياسية للتحرك في دعم هذه الخطوات الهدامة.

وقد فضح الهاتف النقال للمجرم عزت الدوري مكالمات العديد من السياسيين ونواب في مجلس النواب العراقي وشيوخ عشائر وقادة عسكريين مرتبطين وهم على اتصال مع القيادات البعثية. ولا يمكن ابعاد المؤتمرات التي تعقد في دول الجوار تحت يافطات ومسميات المعارضة واجتماعات تحضرها شخصيات مشبوهة معروفة بعدائها للعراق لضرب وحدة العراق وتنطلق منها المشاريع الطائفية لاثارة الفوضى تمهيداً لتقسيم الوطن وهي بداية الاطار العام للسياسة الامريكية في الشرق الاوسط لتحقيق محاور استراتيجية ثلاثة في المنطقة. تأمين مصالحها البترولية وخطوط نقلها، عزل الدول المتنافسة معها حماية الكيان الاسرائيلي. وحقيقة الامر ان امريكا راعية للارهاب الدولي وبمساندة دول اقليمية والصهيونية العالمية وراحت ابواقها الاعلامية المأجورة تدفع وتحرض على الطائفية الرعناء من اجل الكسب المادي، مستغلة ضعاف النفوس وجهلة الفكر والثقافة والاخلاق.

فعلينا ان نعرف من استقراء المنطقة، مستقبل العراق كجزء مهم بشكل جيد وتحجيم مديات الصراع للحفاظ على وحدة المنطقة قبل تشتيتها. لان دولها أكثر تأثيراً في القريب أو البعيد بما يسفر عنه الوضع الداخلي العراقي. ومن هذا المنطلق يجب أن تبلغ أمريكا صراحة أن وحدة العراق هي خط أحمر لا يقبل تجاوزه، وأن هذه الدعوات للتقسيم يمكن أن تهدد كل العلاقات مع امريكا على كل المستويات، والدول العربية والاسلامية المعنية أساساً يجب أن تعلن صراحة أنها لن تتردد في الدفاع عن أرضه. وأن تقود تحركاً عملياً مباشراً على كل الجبهات للتصدي لخطر تقسيم العراق قبل فوات الأوان.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.