داعش وبنو أمية.. منهجية واحدة وإن إختلف الزمان والمكان

التغفف

لقد كانت نبوة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مفاجأة رهيبة بالنسبة للفكر الأعرابي المتخلف ـ آنذاك ـ كما كانت ضربة قاصمة في صميم العصبية الجاهلية،لذلك،رأينا قريشا قد تألبت وأجمعت على حرب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) محاولة طمس رسالته.والأمويون ـ أبناء العم ـ هم الذين اضطلعوا بذلك،فكانوا على رأس الحملات المضادة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولرسالته السمحاء.لاسيَّما أنهم يعدون أنفسهم غرماء مجد للهاشميين.حَلمَ الأمويين طويلا،بالحكم والرياسة والمجد،قبل البعثة النبوية المباركة،لأن المسألة ـ بنظرهم ـ لا تعدو المفخارة بالإيلام ،والإطعام ،ونحر الجزر،على مرأى من الحَكَمِ الذي يختارونه للبتِّ فيما بينهم،والحكم إمَّا لهم،وإمَّا عليهم .لكن هذا الحلم الطويل،بترته البعثة النبوية المباركة،فعاد سراباً بِقيعة.يظهر ذلك،من خلال ما قاله بعض قادتهم وزعمائهم.قال:”تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف،أطعموا فأطعمنا،وحملوا فحملنا،حتى اذا تحاذينا على الرُكب،وكنا كفرسي رهان،قالوا:منا نبي يأتيه الوحي من السماء،فمتى ندرك مثل هذا؟،واللات لا نؤمن به ولا نصدقه”. وأظهر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على قريش و من ناهضه من المشركين كافة ، فانتصر المسلمون انتصارات متتالية ، انتصر فيها الحق على الباطل ، والخير على الشر ، وأخذ الاسلام يشق طريقه نحو القمة ، ويأخذ مكانه في النفوس ، بروحيته السمحة ، ومبادئه العالية . .
ولا غرو في ذلك ، ولا عجب . فقد استصفى الله الانسان من دون سائر مخلوقاته ، واستصفى للانسان دين الاسلام ، فقال تعالى :” إنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسلامُ ومَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلام دِيناً فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وهوَ في الآخِرة مِن الخَاسرين” .لقد أرسى النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) قواعد الرسالة الكريمة ، وأحكم دعائمها ووطد أركانها وأعاد للانسانية شرفها وكيانها ، بعد أن كانت ضحية أهواء الجبابرة وأرباب السلطان ، من شذاذ الآفاق الذين لا همَّ لهم إلا إشباع رغباتهم ونزواتهم على حساب الضعفاء من عامة الناس .والتحق (صلى الله عليه وآله وسلم) بربه راضيا مرضيا ، وظل حُلمُ الامويين محالا في قاموس الاسلام ،ولكن ما أن مضت فترة من الزمن وجيزة ، حتى عاد هذا الحلم يراود أهله من جديد ، فقد بدأ يتمطى عن رقدة طويلة ، عادت بعدها آمالهم خضراء مورقة . فها هي إمارات “ملك بني أمية” تلوح من قريب،بعد إن كانت بعيدة عن دنيا الاسلام.إنه « الملك » في مفهوم بني أمية و « الخلافة » في مفهوم الاسلام . وما أبعد ما بينهما . إنه كالبعد بين الحق ، والباطل ، خطان متوازيان ، ذاك يدعو الى الجنة ، وهذا يجر الى النار ، وذاك ينصر المظلوم في الله وهذا يقرّ الظالم ، وذاك يطارد المفسدين والقتلة ، وهذا يقتل أولاد الأنبياء ، ويمثِّل بالأبرار ، ويطارد المؤمنين .ويأتي السؤال هنا : كيف تسنى لهذه الفئة التي جهدت في حرب الرسول والرسالة أن تخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقعده،وأن تتسلط على مقدرات الأمة الإسلامية زهاء ثمانين سنة ؟ !كيف تسنى لهم استغلال نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) للاستيلاء على العالم الإسلامي،وبسط نفوذهم فيه ، وتحويل الخلافة بالتالي الى ملك عضوض يتوارثه الأبناء ؟،ومن المسؤول عن ذلك ؟ وسواء تجاهلنا الأمر،أم تجاهله غيرنا فان ذلك لا يترك لنا مندوحة للتهرب من إدراكنا للظروف الصعبة التي عاشها المسلمون السابقون في مدد مختلفة،أو التهرب من الواقع المرير الذي يعيشه المسلمون اليوم بشكل عام،والذي حدث نتيجة للانحراف القديم .إن هذا السؤال يفرض نفسه،ويتطلب منا جوابا واضحا لا إلتواء فيه ولا مواربة .و يجدر بنا ـ ونحن نتلمس الإجابة عن هذا السؤال ـ أن نتناول بعض النصوص التأريخية وننظر فيها نظرة تمحيص وتحليل،نسلط خلالها الأضواء الكاشفة على خفاياها ـ إن كانت غامضة ـ ونتأملها طويلا،فهي تحكي وتجلو لنا حقبة تأريخية معينة ، عاشها المسلمون وتفاعلوا معها، وأوصلتهم بالتالي الى ما وصلوا إليه من تفكك وانهيار،أفقدهم شخصيتهم المميزة عبر التأريخ .نتأمل تلك النصوص ـ بموضوعية وعمق ـ كي نصل الى نقطة الارتكاز الرابطة بين ما عاناه المسلمون في السابق ، وما يعانونه اليوم ، وبين الاسباب الحقيقية لذلك ، محاولين قدر الإمكان أن نبتعد بضمائرنا وتفكيرنا ، عن كل الحساسيات ، والتشنجات النفسية ، لنوفر للعقل وحده فرصة الانتصار.والذي يبدو جليا واضحا أن المسلمين الأوائل يتحملون الشطر الأكبر من المسؤولية حول هذا الأمر عندما نحوه عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في السقيفة ولم ينصروه إذ لو نصروه وأعطوا الحق أهله لحملهم أمير المؤمنين(عليه السلام) على الحق الواضح و المحجة البيضاء.لكن من المتيقن إن القيادة تتحمل أيضاً شطراً كبيراً من الأمر وإن كان أقل من المسلمين الذين رضوا ورضخوا وسلموا الأمر الى غير أهله ،وقد كان العوام الذين لـُبِسَ ودُلِسَ عليهم في الأمر يعقدون آمالهم على من يسمون أنفسهم خلفاء،فكانوا يرون في الخلافة مصدرا يمدهم بالقوة والثقة إذا ضعفوا أو وهنوا،ولكن التراكمات التي بدأت في السقيفة تفجرت في عهد عثمان ،بعد أن لمس المسلمون انحرافاً واضحاً في مسلكه،سواء السياسي مع كبار الصحابة كأبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود .أو مع التابعين من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام) كمالك الأشتر النخعي،وجندب بن جنادة الأسدي.ناهيك عن سياسته مع أهل البيت(عليهم السلام) التي كانت أسوأ من سياسة سابقيه.هذه المدة الصعبة،بدأت مواسمها تمرع في السنة السادسة من خلافة عثمان،فكان مقتله بداية الحصاد،ثم استمر وطال أعواما وقرونا،خلَّف فيما بعد الجسم الإسلامي،جسما هزيلا مفككا،بعد أن كان صلبا قويا لا تعادله قوة .ومن هذه المدة،تولدت المدد المظلمة في تأريخ الإسلام،والتي وصف بعضها عمر بن عبد العزيز بقوله: «الوليد في الشام،والحجاج في العراق،ومحمد بن يوسف في اليمن،وعثمان بن حيان في الحجاز،وقرة بن شريك في مصر،ويزيد بن مسلم في المغرب،إمتلأت الأرض والله جورا”!.
الحكم الأموي وداعش
مما تقدم يمكننا ـ ونحن نعيش اليوم حرباً شعواء ضد داعش وريث القاعدة في المنطقة ـ أن نعرف أن الانحراف الخطير الذي حدث وأوصل الأمويين الى التسلط على رقاب المسلمين وحكمهم بالدم والحديد لم يكن إلا نتيجة السكوت والإذعان للإنحراف الأول في مسيرة الإسلام وهو السقيفة فمنها جاء كل ما وصلنا إليه. ولو نظر المسلمون اليوم الى حالهم فهل هذا دين الله الذي أراد له أن يملأ الأرض وظهرانيها؟!،وهل من مثل المسلمين منذ السقيفة الى يومنا هذا ـ باستثناء مدة حكم أمير المؤمنين،والإمام الحسن المجتبى(عليهما السلام)التي قضياها يصلحان ما أفسده من سبقوهما ـ يصلحون لحكم الناس؟!،أسئلة كثيرة بحاجة الى أولي ألباب كي يجيبوها.وما يهمنا من هذا الأمر وجه التشابه بين الحكم الأموي وداعش فالنظرية واحدة،والأدوات واحدة.فبنو أمية ينظرون إلى أن من يجب أن يحكم الناس هم دون سواهم وإن فرضوا ذلك بالقوة والقتل والترهيب،كذلك داعش وخلفيات قادتها الآيديولوجية فهم يعدون أنفسهم على الحق والدين الصحيح وكل من سواهم كافرون يجب قتلهم ومن هنا فهم يحاولون فرض دينهم وطريقة تفكيرهم البعيدة عن الإسلام قلباً وقالباً على الناس،وهنا تجدر الإشارة إلى أن كلا الفهمين للأمر ينطلقان من منطلق مصلحي ـ مادي ضيق فبنو أمية يكرهون بني هاشم لأنهم أفضل منهم في كل شيء فما بالك ـ كما أسلفنا ـ أن يبعث منهم نبياً وليس من بني أمية مثله وكأن المسألة مسألة سباق وتنافس ولم تكن مسألة اختيار إلهي واصطفاء ولأنهم يلهثون وراء الحكم والسيادة والرئاسة فقد تستروا بالدين كي يصلوا الى مبتغاهم وهذا ما حصل فعندما دخل معاوية اللعين وصلى بالناس بالنخيلة في الضحى،خطب فقال:”ما قاتلتكم لتصلوا،ولا لتصوموا،ولا لتحجوا،ولا لتزكوا،وقد أعرف إنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون”.لذلك فهم يتسترون بالدين كغطاء لتمرير مصالحهم المادية النفعية.كذلك هو حال داعش اليوم إذ يتسترون بالدين لتمرير مصالحهم ويدعون أنهم يحاربون من أجله وفي نفس الوقت يتحالفون مع اعدى أعدائه وهم اليهود ويتطببون في مستشفياتهم ولا تخرج رصاصة واحدة عليهم من بنادقهم،كما يأخذون السلاح من أمريكا علنا من خلال المساعدات الجوية ويخرجون على المنابر يسبونها ويسبون من يتعاون معها،ليس هذا فحسب بل أنهم يدعون أنهم يحاربون من أجل الإسلام وعزته وهم أول من ضربه وضرب المسلمين من خلال ممارسات القتل والتمثيل والاعتداء على الاعراض من خلال نكاح الجهاد،ليس هذا فحسب بل ترى أن فضائياتهم التي تبث من ـ السعودية ودول الخليج ـ القرآن والحديث وفقاً لفهمهم الضيق للدين تقابلها فضائيات لبث الفساد والرذيلة من رقص وغناء..الخ دون حجب ومنع،ناهيك عن فضائيات الطائفية التي تدعو لحرب ضد الشيعة وأتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لأنهم يشكلون خطراً على فكرهم وملكهم العضوض الذي يتوارثونه منذ تحالف محمد بن عبد الوهاب وآل سعود من جهة ـوبريطانيا وقوى الاستكبار من جهة أخرى.من هنا نفهم أن ما قاتل عليه الأمويون وحتى العباسيون بعدهم هم الملك لا الدين وهذا ما تقاتل عليه داعش اليوم لكن بصورة غير مباشرة فهي لا تعدو كونها أداة تؤدي ما عليها وتزول بانتفاء الحاجة لها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.