الكتابة الشعرية في المهجر

نحخههخ

ثمة في الكتابة الشعرية الراهنة، في أرض المهجر، ما يستحق الانتباه إليه، بعيدا عن الأسماء المألوفة. انتهيت إلى هذه القناعة، بعد أن جمعتني الأقدار، بشاعر مائز بتشاكسه وتشامخه؛ إنه الشاعر العراقي المغترب في لندن عدنان الصائغ، كان ذلك ضمن فعاليات مهرجان ربيع الشعر بزرهون في نيسان 2012.
وبحسب تقرير كتبه محمد الديهاجي في صحيفة “القدس العربي”: كنا طيلة أيام المهرجان، نتلصّصُ على بعضنا بعضا، ونتحين الفرص، للاختلاء ببعضنا بعضا في مقهى منسية، على إيقاع كؤوس الشاي المنعنع لنتورط، بقصد، في أسئلة الشعر الكبرى حينها فقط، تعرفت على مفاتيح الكتابة عنده، كما نبهني، لحظتئذ، إلى خصوصية بعض التجارب الشعرية المهجرية المائزة بنُظُمها المخصوصة، والباذخة بشعريتها المتوجهة، على الرّغم من أنها لا تزال في إطار التبلور.
لقد قال فيها عبارة أدهشتني، وجعلتني أفكر فيها طويلا، قال إن لأصحابها أيادي تكتب بالمطرقة، لا أفكر هنا في دريدا، بقدر ما أفكر في نيتشة. عدنان الصائغ (عراقي) في لندن، عبد الله عيسى (فلسطيني) في روسيا، طه عدنان (مغربي) في بلجيكا، وأسماء أخرى، كلُّها تجارب موصولة بالسفر المُستديم إلى التُّخوم القصيّة في الذات والأشياء والعالم، بغاية القبض على ما يسميه موريس بلانشو بالجدارة الوجودية لذات مغــبونة.
ولقد ارتأينا، في هذه الدراسة، أن نقف عند تجربة الشاعر العراقي عدنان الصائغ، من خلل اُضمومته البهية (و..)، بهدف استدراج هوية الكتابة عنده، التي نظنُّها هوية مُبدعة وخلّاقة، هوية ذات أسئلة قلقة أنطولوجيا، وتوليفات جمالية مُعتبرة فنيا.
في تضاعيف هذه المجموعة الموسومة بـ(و..)، والصادرة عن دار الكوكب 2011، يفاجئنا الشاعر عدنان الصائغ، بظاهرة فنية جديدة، يمكن عدّها مؤشرا دالا على انتقال النص الشعري عنده، من الشفاهي إلى الكتابي «يمكن العودة في هذا الإطار إلى كتاب صلاح بوسريف الموسوم بالتوصيف نفسه»، على الرُّغم من حفاظه على الوزن كدال إيقاعي متاح ومحدّد سلفا.
والظاهرة هي ابتعاده، بشكل ملحوظ، في جل نصوصه، عن الكتابة الخطية والرأسية ،مستدرجا بذلك الكتابة المرتعشة، إن شئت القول. لقد تحولت الصفحة هاهنا إلى ميدان للمواجهة، مواجهة الكلام بما تيسر من الصمت والبياض، فاسحة المجال تماما، لكلّ الاحتمالات والتأويلات.
ثمة إذن، تشقُّقٌ في شعرية هذا الديوان، يستوجب الوقوف عنده، أقصد شعرية البياض، بعدّها شعرية تشكل نقطة القطيعة بين ما هو قائم «وبين حيوية الخلق، والاتجاه نحو اختلاف يتعذر إنكاره أو رده إلى القديم»، كما يقول فوكو.
وليس غريباً أن يختار الشاعر عدنان الصائغ الصفحة كمكان للإقامة، هو الذي يخفي شوقا جارفا للمكان/العراق، بعد أن غادره فارا من توتاليتارية النظام العراقي السابق.
إن الشاعر، في بعض من نصوص هذه الإضمامة، لا يقول شيئا، فقط كلمات مترامية هنا وهناك، مقيما بذلك، وبشكل فني بديع، حوارا مسجورا بالصمت مع الصمت، علّه ينبس أو يبوحُ بوحا مكتوما بما لا ينقال، ربّما هي رغبة ذكية، منه، في التّخلُّص من فتنة اللُّغة.
فالمتأمل لنص «هم»، بمُكنته أن يلحظ انحياز الشاعر المفرط لما يسميه باشلار «بشعرية الشعلة»؛

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.