برج العذراء.. «كل حاجة سليمة بس لوحدها»

غقفغقف

المكان هو البطل المفضل لدى الروائي المصري “إبراهيم عبد المجيد”، وحتى بعيدًا عن محبوبته الدائمة “الإسكندرية” التي احتلت العديد من أعماله، “لا أحد ينام في الإسكندرية” و”إسكندرية في غيمة” و”طيور العنبر”…؛ فإن بار “برج العذراء” هو المركز في تلك الرواية المختلفة عن خطه المعهود.“إبراهيم عبد المجيد” من مواليد الإسكندرية، سنة 1946، حصل على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب عام 1973، وتولى العديد من المناصب في وزارة الثقافة منذ عام 1976. حصد العديد من الجوائز خلال مشواره السردي مثل: جائزة نجيب محفوظ للرواية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عن “البلدة الأخرى” 1996، جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب عن رواية عن “لا أحد ينام في الإسكندرية” 1996، جائزة الدولة للتفوق في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة 2004، جائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة 2007.صدرت رواية “برج العذراء” عن دار الآداب اللبنانية في عام 2003؛ إلا أنها ظلت لمدة طويلة ممنوعة من النشر في مصر، إلى أن صدرت أخيرًا عن دار بيت الياسمين، في إطار بروتوكول التعاون مع دار الربيع العربي للنشر والتوزيع في مصر خلال فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2015.في “برج العذراء”، أتذكر مقولة “سعيد صالح” الشهيرة: “كل حاجة سليمة بس لوحدها”؛ يناقش “إبراهيم” التعذيب الأمني للمواطنين ومنظومة الشرطة التي أصبحت البلطجة عنوانًا لها، يناقش الخلل العقلي لزعماء الأمة العربية، الهوس الجنسي وسعار الأعضاء، سوء الخدمة الصحية في مصر، ضربات مرض السرطان الذي استفحل في أجسام المصريين، نفاق الكتاب وتملقهم للسلطة.رواية تناقش العديد من القضايا وتطرح صورة للرعب الذي يعيش بين جنباته المصريون، ولكن دون رابط قوي ومتماسك يستطيع أن يجذب القارئ بخيط واحد طوال الرواية، وحتى غلاف الرواية المبهر بألوانه، لــ “عبد الرحمن الصواف”؛ خرج مشتتًا بأفكار متناثرة بين رجل الأمن، وجسد الإنسان المعذب بين المرض وورقة تين توراي عورته، وقلم الصحفي، وزجاجات الخمر.
تبدأ الرواية من خلال “سالم سليمان” أو “راشد رشاد” وهو يقود سيارة فيصطدم بشخص، ويرتكب حادثة سير؛ يحمل المجني عليه إلى المستشفى لإسعافه؛ فيتخبط بين جنبات الإهمال الصحي وعدم وجود تقدير للحياة إلى أن يموت المصاب. يتوجه إلى القسم، فيرى التنكيل والتعذيب داخل جهاز الأمن؛ بينما يلقى هو معاملة تليق بوضعه كصحفي شهير وصاحب ثقل.“راشد” هو نفسه “سالم”، هو الماضي المتعثر لـ “سالم”؛ ضحية فقر، وقع في فخ أحلامه، وتخلى عن نفسه من أجل الوصول؛
اكتسب صوتًا مخنثًا يسمعه كل مستمع له، وصار يرتدي ملابس نسائية ويتزين بمكياج نسائي، في إشارة إلى تخليه عن رجولته وأخلاقه في سبيل صعود السلم الاجتماعي؛ ليصبح “سالمًا” (في وسط الغيلان) بعد أن كان في يوم ما “راشدًا” (قادرًا على الحكم على تصرفاته)؛ يفقد الرُشد من أجل السلامة، بالرغم من لسعات الماضي القديمة.
وحينما يصادف ولدًا مصابًا بالسرطان في آخر الرواية، يقول له إن اسمه “راشد سالم”. أمام مهابة المرض، يصل “راشد/ سالم” أخيرًا إلى هدنة نفسية، تسمح له بالتصالح بين الماضي والحاضر.خلال أحداث الرواية، يسترجع “سالم” علاقاته القديمة بعد عودته إلى مصر وبعد مدة قضاها في بلد عربي؛ علاقات تُسترجع داخل بار “برج العذراء” أو كما يقول الكاتب بنفسه على غلاف الرواية: “إن البار هو الهدنة ولحظات لاستعادة البكارة الضائعة من حياة أبطاله”.
وخلال تلك العلاقات، يُظهر “إبراهيم عبد المجيد” الكثير من القبح المعاصر، بين أيور رجال تمضي بمفردها كأن لها حياة منفصلة للدلالة على السعار الجنسي والتفات الإنسان نحو المادة فقط، وزعيم دولة عربية تحكم في شعبه من خلال الجنس، وممثلة، وصحفية شابة، وكاتب سيناريو يريد تقديم حياة “راشد”. بينما يخرج “راشد” من مستشفى السرطان في النهاية، وبعد وصف كابوسي للمرض؛
يسير في شارع طويل وحده حتى يجد رجالًا ونساء يجلسون بمظلات سوداء مفتوحة، يتخذ مجلسه الخالي، ويستمع إلى موسيقى صامتة؛ فهل الموت هو ما يغلق به “إبراهيم عبد المجيد” روايته؟ أم أن الرواية كانت لحظات من الموت؟ وهل كان “فرح” وشخوص الرواية رؤىً في سكرات موت “راشد رشاد”؟.
“برج العذراء” تجربة جديدة للكاتب صاحب التاريخ الطويل، مغامرة كتابة، لا تحمل الرواية نفس ملامح “إبراهيم عبد المجيد” السابقة؛ لكنها جرأة تحسب له، وقدرة على استحضار الرموز والتأويلات بشكل لافت، ما يؤخذ عليها هو التشتت للرغبة في استحضار كل شيء.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.