«إعترافات كائن».. حكايات زمن المردة

هحخههخ

حسبتُ أنني نلت من ذلك السر التافه الذي يمدهم بحياة فخمة لا يستحقونها، لكن هذا المارد المهول أعاد الأمور إلى نقطة البداية، وها أنذا أعود لأستجدي منه فرصة للبقاء، فرصة للخنوع والبحث عن أفضل القيود التي يصطفيها الشرفاء في هذا الزمن المارد“.هل بداخل كل منا مارد، ينتظر مجرد “حكة” أو تعويذة أو لنقل “فرصة” ليتحرر من قمقمه؟ وهل تحوله لهذا المارد من الممكن أن يكون سببًا لبقائه؟ للسؤال وجه آخر، أزمة هل الإنسان خيّر بطبعه أم  فطرته مجبولة على الأنانية والانتقام والوحشية؟. لقد أطلق المارد سراحي وأعاد خاتمي العقيقي من أماناته وقال لي: اذهب إلى المنزل، اذهب يا ثائر مجدول.. كررها ما لا يحصى من المرات“.رغم أنها العمل الروائي الأول للكاتب العراقي إبراهيم حسيب الغالبي، الصادر عام 2008، بعد فوزها بجائزة موقع الروائي بالتعاون مع دار التكوين؛ إلا أن الكاتب نجح في حبك روايته بحرفية شديدة، هي رواية تصور الظلم والتحول الذي يشوه دواخل الإنسان تحت تأثير صراع التعذيب، إضافة لكوْنها رواية عراقية تصور عذاب هذا البلد تحت نيْر الديكتاتورية والاحتلال.شخصيات الرواية كل منها له طابع، منفردة في خصائصها وسماتها، “ثائر” بطل الرواية وراويها، هذا الموظف،الذي جاءت طبيعته مفارقة لاسمه، اتهم ظلمًا باغتيال أحد رجال المخابرات من أعضاء الحزب البعثي، وقضى في معتقل المديرية عدة أشهر، عايش أهوالها مستسلمًا، حتى أفرج عنه حينما اعترفت الجماعة التي نفذت الاغتيال بالفعل.خرج ثائر بعاهة مستديمة، قطعوا رمز ذكوريته، واكتسب جلده لونًا خادعًا، أضافوه “لتزوير سمرته الشروقية الفاتحة”، ولكن الجرح لم يكن هذا وكفى؛ بل جرحه النفسي كان أشد وطأة، خرج وقد صرعته مردة الشر وشياطينه، حتى مزقت إنسانيته.“كان المارد يحاصر جمعي المعترض، يبصق على شعاراتي المرفوعة بوجهه، مع أنها هتفت تحت غيبوبة الوقت بالروح، بالدم.. وفي لحظة تحول الأمر إلى مطاردة، حين أيقنتُ أنه قرر قمعي وإلقاء القبض على بعض الأعضاء النشطة“.زاد الأمر سوءًا زوجته “خمائل”، التي حملت الكثير من خصائص اسمها، فهي -بحسب المعاجم العربية- “القطيفة والموضع كثير الشجر”، فكانت رمزًا لثراء الغريزة والأنوثة، ولكنها لم تحتمل معاشرتها لرجل غير مكتمل، فطالبته بالطلاق، ثم عادت لتخونه مع صديقه “هاشم”.علاقة ثائر بخمائل، علاقة شائكة، تشبه علاقة الإدمان، هو يرى فيها حواء وأسرارها، جنته التي يقبّل عتباتها، بينما هي متعلقة بشبقها وإشباع حاجتها الغريزية، فما أن أصبح غير قادر على إشباعها حتى عجز عن ترويضها، وباتت كأفعى ممسوسة تنهش ورود مجاعته:“يالقسوة خمائل وعنفها، لم يدر في خلدي أنها تملك كل هذا الجبروت والقهر لتحيلني إلى أصغر ما تقع عليه العين وتقلبه أعواد التحري التي يتلقفها الأطفال، كنتُ مسحوقًا بهزيمة ألف معركة استوعبت خسارتها في لحظة واحدة“.“هاشم”، صديقه ذو النفوذ لدى الحزب، والذي نجح في تدبير عمل لثائر ليلًا لينفرد بزوجته، يشبه كثيرًا من الفاسدين والمنافقين في أنظمتنا العربية، فهو يعترف حينًا بقوة قوات التحالف، ثم يتراجع ليمسك العصا من منتصفها، مستعرضًا إمكانيات القوات الجوية المحلية.وحينما سقطت المدينة كلها في يد الاحتلال كمفتتح لسقوط بغداد بعد ذلك، أظهر حقارته في حواره مع ثائر حينما لجأ لمنزله للاختباء، حينما أبدى سعادته بسقوط حكومته وأنه “لو تركوه سالمًا، فسيحقق أحلامًا كثيرة في الوضع القادم“.وقع ثائر صريع كوابيسه، فكانت كوابيس شهور معتقله تعاوده فتأكل حاضره، فتقاطعت وجوه واقعه مع وجوه مردته ومعذبيه؛ فتارة يراها في وجه هاشم صديقه “كان وهو يتأنّى في تجفيف يديه، يبدو كذلك المارد الذي رأيته في غرفة التعذيب عندما سحبوني إليها من الزنزانة ذات ليلة”، ولم يفق من كابوسه إلا على صراخ زوجته وهي تخلص صديقه من بين يديه.ومرة يواجه مردته في وجه هذا الكلب الذي فاجأه ذات صباح وهو ينبح على مقربة من بيته؛ حيث شبهه بـ “واحد من أولئك السفلة المأجورين الذين كانوا يسحبون الجثث من غرف التعذيب ويرمون بها في الزنازين“، فقام بقتله ودفنه بحديقة منزله.“ذلك الحشد من الكوابيس التي ما أن أفيق من أحدها حتى يخترمني كابوس آخر، يأتي على كل ما أملكه من طواقم صحوتي”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.