لص كبير إسمه الدولة !!

 

تعالوا معي نقرأ بقليل من التدبر، ما حدث عندما أتى “واحد” من الناس، الى رسولنا الأكرم صلواته تعالى عليه وعلى آله، يطالبه بدين له عنده، وقال إنكم يا بني عبد المطلب قوم مُطل، أو تماطلون في دفع الحق..فهمّ عمر بن الخطاب أن يعاقبه، على سوء أدبه مع الرسول، رمز الأمة والأمانة وقائدها، فلم يفرح النبي بما همَّ به عمر، وقال لا يا عمر؛ عليك أن تأمر بحسن الأداء، وتأمره بحسن الاقتضاء..

ذلك منهج خطه رسولنا الأكرم، لحسن التعامل بين الدولة ومواطنيها، يقوم هذا المنهج، على منظومة علاقات محكمة، قوامها الاحترام المتبادل بين الطرفين، وتراتبية الحقوق والواجبات بينهما، وتعامل الطرفين مع القانون، الذي يضبط العلاقة بينهما.

يفترض بالدولة بعناصرها الثلاثة :التنفيذية أي الحكومة والرئاسة، والتشريعية وهي البرلمان، والقضائية الممسكة بتلابيب العدالة، أنها هي التي تحترم القانون، وتسير عليه وتتمسك به بصرامة وإحكام، لتصل بأفراد المجتمع الى مستوى أخلاقي، ووعي قانوني لا يستطيعون فيه مخالفة القانون، حياء وخجلا من الدولة، لأن “الصغير” وهو المواطن، يرى الكبير ” وهو الدولة” بشخصيتها الاعتبارية، وشخوصها البشرية كمسؤولين، يحترمون حقوقه ويؤدي واجباته.

بيد أن نمطا من الدولة، لها شأن آخر بالتعامل مع القانون، هو نمط دولة الضحك على الذقون كدولتنا، ترى الشعب فيها بكافة أطيافه ومكوناته وتنوعاته الثقافية، مجرد رعية وليسوا مواطنين، وأنه تابع لها أجير عندها؛ وليس له “حق” النظر بوجهها الكريم!

الدولة في كل مكان في العالم، نتاج عقد أجتماعي بين الشعب ونخبة مخلصة، يوكل الشعب في هذا العقد الى هذه النخبة، أدارة شؤونه بشكل حسن، وتتقاضى هذه النخبة أجورا مجزية عن هذه المَهَمَة.

لكن مثل هذا المفهوم؛ مفقود نهائيا في فلسفة بناء دولتنا، القائمة على فرضية أن الدولة عبارة عن مجموعة من الأسياد، وأن المواطنين رعايا تابعين، والدليل أن جميع موظفي الدولة، من كبيرهم الى صغيرهم، يتمتعون بألقاب التفخيم والتبجيل تسبق أسماءهم: “فخامة” للرئيس ونوابه، و”دولة” لرئيس الوزراء، و”معالي” للوزراء ورؤساء الهيآت، و”سيادة” للنواب والمديرين العامين، وهكذا الى “السيد” عامل الخدمات..

دولة الألقاب بالحقيقة لص كبير، يظهر ذلك جليا واضحا، عندما نقف أمام موازنة هذا العام، والأعوام التي سبقته، وربما التي تليه..هذه الموازنة خصصت أغلب مفرداتها وأموالها، للإنفاق على الدولة وإدامة حركتها وديمومة وجودها، وهو ما يعرف بالموازنة التشغيلية، التي لم تقل بأي حال من الأحوال عن 70% في كل عام، وهي كما هو معلوم نفقات زائلة متبخرة، أسماها أحد كتابنا الشرفاء بالنفقات الأبتلاعية.

كلام قبل السلام: الموازنة الاستثمارية، تبقى في معظم الأحوال حبرا على ورق، وتتم في نهاية المطاف مناقلتها، الى بالوعة النفقات التشغيلية!

سلام…

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.