الأجيال الثلاثة: حكايات من الماضي والحاضر والمستقبل

هعحهخح

لعل أفضل ما تقدمه مجموعة “الأجيال الثلاثة” هو الرؤية البانورامية، التي أحسنت “دار كيان” تقديمها للقارئ في كتابٍ واحد؛ ذلك أن تعاقب الأجيال في الكتابة القصصية يصعب تبينه من خلال عدد من الكتاب والأعمال في وقتٍ واحد، وإذا كان لكلٍ كاتبٍ أسلوبه وخصائص كتابته المميزة؛ فإننا نرى -في هذه المجموعة- كيف كان الزمان فارقًا ومؤثرًا في طريقة الكتابة وكيفية تناول الشخصيات أيضًا، لذا؛ فلا غرابة أن يأتي تقديم الناقد “إبراهيم حمزة” لهذا الكتاب بقوله:
“هذا الكتاب عجيبة بين الكتب، لا قبله ولا بعده يجمع تاريخ أسرة ممتدة معجونةٍ بثرى الإبداع، كتابٌ هو حصيلة إبداع ثلاثة أجيالٍ متصلة من أسرة واحدة في فن القصة القصيرة، هي أسرة (الخميسي) … نحن إذًا أمام ظاهرة لافتة، ظاهرة الأسر الأدبية التي تتوالد فيها الموهبة وتمتد من جيلٍ لآخر”.الأجيال الثلاثة.. حكايات من الماضي والحاضر .. والمستقبل!.
ويحضرني في هذا المقام نماذج لكتابٍ آخرين يبدو أنهم ورثوا موهبتهم عن آبائهم، مثل: “محمد محمد مستجاب” ابن الكاتب الكبير “محمد مستجاب” الذي ظهر له أكثر من عمل، بدا فيه تأثره الشديد بكتابة والده مع محاولته لانتهاج طريقته الخاصة في الكتابة، أذكر من ذلك: مجموعته القصصية “ثعبان يبحث عن مشط” وروايته الأخيرة “العزف بمجدافين”. وكذلك الكاتب “هشام إبراهيم أصلان” ابن الكاتب الكبير “إبراهيم أصلان”، الذي صدرت له مجموعة قصصية متميزة مؤخرًا بعنوان “شبح طائرة ورقية”. وكذلك “زياد” ابن الكاتب الكبير “إبراهيم عبد المجيد”، الذي صدرت له مجموعة قصصية مؤخرًا بعنوان “إعادة شحن”.ولكن، يبقى فارقًا في هذه المجموعة التي بين أيدينا أن الأمر لم يقتصر على جيل الأبناء وحده، وإنما تعدى ذلك إلى الأحفاد؛ فوجدنا قصص “عبد الرحمن الخميسي” جنبًا إلى جنب مع قصص ابنه “أحمد” ثم حفيدته “آنا”.هكذا تقدِّم لنا هذه المجموعة هؤلاء الكتّاب الثلاثة وتعرفنا على كتابتهم، ولعلنا نبدأ من نهاية الكتاب؛ حيث قصص الكاتب الكبير “عبد الرحمن الخميسي”، الذي على الرغم من تعدد موهبته بين الشعر والقص بل والكتابة المسرحية إلا أنه يبدو مغمورًا لا يعرف عنه الناس شيئًا، ولذا؛ قدَّم الكتاب تعريفًا موجزًا بالرجل وأعماله يظهر منه فرادته وتميزه في الكتابة بشكل عام، ثم نتوقف عند نماذج من قصصه لنرى ذلك الأسلوب الفريد وتلك اللقطات الموحية الدالة، وذلك الرسم المتقن لشخصيات ذلك الزمان.نقرأ قصص “عبد الرحمن الخميسي” في هذه المجموعة فندرك كم يفوتنا من كتابة وكم فاتنا من تعرّف على كتابٍ ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس في فترة من الفترات، ثم رحلوا تاركين لنا هذا التراث الكبير المتميز، ونفاجأ بأن كثيرًا من الكتاب والنقاد قد تناولوا أعماله مثل الناقد الكبير “علي الراعي”، بل وكتب عنه الإعلامي “يوسف الشريف” كتابًا أسماه “عبد الرحمن الخميسي .. القديس الصعلوك” نشر في الهيئة العامة للكتاب عام 2001.
يحوي كتاب “الأجيال الثلاثة” خمس قصص متميزة للكاتب الكبير “عبد الرحمن الخميسي”، بعد تقديم “يوسف إدريس” له، الذي كان قد نشر في مقدمة إحدى مجموعاته القصصية عام 1952 والذي يصفه فيه بأنه “كان ممن أسهم في تحطيم طبقية القصة القصيرة؛ فجعل كل ذي تجربة يكتب وكل ذي حياة يقرأ، وصار البقال والكمساري والصراف والبواب من قرّاء القصة المصرية، وكذلك اتجه إلى حياتنا في قصصه”.تبدو قصص “عبد الرحمن الخميسي” من ذلك النمط “الكلاسيكي” في القص الذي يعتمد بشكل أساسي على تصوير شخصية والإلمام بجوانب حياتها كلها في قصة واحدة وليس الاقتصار على مشهد أو موقف واحد بعينه، وهذا ما نجده في قصة “الأبله يحب” مثلًا وقصة “حضرة المحترم مفتش الحركة”؛ إذ يبرز لديه ذلك الميل إلى رسم الشخصيات وتفصيل المشاهد بدقة، ربما يكون ذلك عائدًا إلى أنه يكتب للمسرح أيضًا. فنجد في قصة “لحم الناس”، التي تحكي مأساة فتاة الليل التي تقتل بعد أن تنازع عليها العجوز وابنه، رسمًا حيًا للمشاهد وحوارًا ثريًا يدور بين الأبطال تارة، وفي نفوسهم تارة أخرى. وفي قصة “النوم”، التي تحكي مأساة ذلك الشاب العاطل الذي يبحث فقط عن مكان يأويه، نجد رسمًا مفصلًا لعالم ذلك المشرّد بين الشوارع الهائم على وجهه الذي يستجدي الناس لقمة وكوبًا من الشاي!
“دخلت، كان منظر المفروشات جميلًا جدًا، فتمنيت أن يكون لي بيت، وشعرت أن الإنسان الصحيح هو الذي له بيت، وقعدت على الكرسي، وأغرتني الجلسة أن أنام… وسألت نفسي: لماذا لا يكون لي ولو كرسي واحد أنام فيه؟ ليتني كنت مثل هذه القطة التي تنام على الوسادة”.
إلا أننا نجد أن عالم “الفانتازيا” يتسرّب إلى “عبد الرحمن الخميسي” كذلك في قصة “خاتم الحق”، التي يمتزج فيها الواقع برسم أسطورة متخيّلة لذلك الخاتم الذي يلزم صاحبه بالعدل، يستغله القاضي ويزوره لتحقيق هدفه الشخصي، ويحوَّل العدل الذي عرفت به قريته إلى ظلمٍ من أجل امرأةٍ أراد أن يحوز قلبها؛ يرسم “الخميسي” في تلك القصة ذلك العالم الذي يبدو كلاسيكيًا بامتياز:
“كان وجه السماء متشحًا بنقاب الغروب، وقد جعل الأفق -من خلف ذلك النقاب- يودِّع الشمس وداعًا دمويًا، انسكبت قطراته في بلّور الغيوم، فشاع في الفضاء عذابٌ أحمر أحسه القاضي سياط شهوة، وأحسته (كلارا) حنينًا قانيًا يلهم الطيور ترجيع الحب ومنغوم البكاء، وانسابت عبر الحقول، على أجنحة النسيم، أنّات نايٍ حزين؛ فارتعش قلب الفتاة في صدرها حبًّا، وقالت للقاضي وهي تهم بالدخول للكوخ: (هذا نداء حبيبي يرف نغمًا شجيًا … وشكرًا لك يا سيدي)، وتنتهي القصة نهاية فانتازية بأن يحاكم القاضي الخائن أحد الجان من خدمة (خاتم الحق)” ويتم شنقه بهذا الخاتم الذي يتحوّل إلى مشنقة، وهكذا تبدو هذه القصة مع صغر حجمها أشبه ما تكون بمسرحيات “شكسبير” ذات الطبيعة الملحمية.
والملاحظ على قصص “الجد” بصفة عامة هو انسحاب القصة من زمانها وصلاحيتها (إذا ما استثنينا بعض الإشارات المادية مثل التعامل بالقرش والملاليم) لأن تكون معبَّرة بجلاء عن حال الإنسان ومشكلاته التي لا يزال يعاني منها حتى الآن، وربما جاءت قصة مثل “خاتم الحق” تلك؛ لكي تشير إلى أن تلك النزعات الشريرة في الإنسانية منذ القدم وكيف يتم التعامل معها.
ربما يختلف الأمر بعض الشيء مع الكاتب الكبير أيضًا “أحمد الخميسي”، الذي أخلص لفن القصة القصيرة؛ فصدر له فيها ثلاث مجموعات قصصية بالإضافة إلى كتابات صحفية أخرى عديدة، حصلت مجموعته “كناري” على جائزة ساويرس في القصة فرع كبار الكتاب عام 2011، كما ترجم عددًا من القصص عن الروسية. نشر لأحمد في هذا الكتاب سبع قصص متميزة تحمل سمات أسلوبه بشكل واضح؛ حيث يحرص على أن يجمع بين الفانتازيا والواقعية بطريقة متقنة في أحيانٍ كثيرة نجد ذلك مثلًا في قصة “قطعة ليل”، التي تحكي عن أشخاصٍ دام نهارهم ولا زالوا آخذين في البحث عن ليلٍ يلوذون إليه، فلا يجدونه:
“قيل لنا إن قطعة ليلٍ مسدله خلف الجبل، وها نحن قد تركنا الجبل منذ أيام، ثم جبل وجبل آخر، والآن نمشي فلا نصادف سوى سلاحف، تطل بأعناقها من جحورها، وشجيرات صبّار، وضوءٌ متدفق من كل ناحية، ما من شيءٍ، تلاشى حتى نباح الكلاب الضالّة الذي رافقنا الأيام الأولى!”.
ولاشك أن مثل هذه النوعية من القصص لا يكتفي القارئ فيها بالمعنى الظاهري الذي يتلقاه من القراءة الأولى، بل إنها تظل مفتوحة للتأويل واستعادة القراءة مرة أخرى للكشف عما يرمي إليه، مثل ذلك يبدو أيضًا مع قصص مثل “كناري” و”رأس الديك الأحمر”.
وإذا كان الأمر كذلك مع هذه النوعية من القصص فلا بأس أيضًا من عرض بعض القصص الواقعية الصرفة التي تحكي تفاصيلًا يومية بكثيرٍ من الدقة والشاعرية، مثل قصة “باب مغلق” التي تحكي مأساة تلك الفتاة ابنة البواب التي يستضيفها جيرانها المسيحيون بعد وفاة والدها، ولكن ألسنة الناس ونظرات المجتمع لتبني أسرة مسيحية للبنت المسلمة لا تلبث أن تفرض نفسها على تلك المسكينة بكل قسوة؛ فتجعلهم يطردونها من بيتهم بعد أو وجدت لديهم الأمان!
وقد يمزج باقتدار بين الكتابة الواقعية والملمح الفانتازي، مثلما يفعل في قصة “نظام جديد”، التي يشير فيها إلى آلية جديدة من السلطة للسيطرة على المواطنين وذلك بأنهم يشعرونهم أنهم تحت المراقبة طوال الوقت، أو ما يقدمه في قصة بعنوان “قصة”؛ حيث تحوّلت القصة من مجرد كلمات مكتوبة على ورقة إلى شخصية تناقش وتطالب بحقوقها بل وتدخل المدرسة والجامعة وتتحول إلى رسالة جامعية!.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.