Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

بين الكدر والنقاء..الإخلاص أساس الدين في مدرسة أهل البيت «عليهم السلام»

weter

الإخلاصَ لغة مصدر أخلص أي: اشْتَغَلَ بِتَفانٍ وصدق،وأخلص الشيء صفاه ونقّاه من الشوائب.والإخلاص في الدين هو نقاء التوجه لله تعالى من أي شائبة،وأن يقصد العبد بالفعل وجه الله عز وجل دون سواه من خلقه ؛وذلك بأن يمتثل أمره جل وعلا دون أن يشتمل على ما ينافي الامتثال والتقرب من الغايات غير الحسنة كالرياء والعجب ونحوها.يقول الله تعالى في كتابه العزيز:”..فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا”.وتبيّن الآية الكريمة بشكل واضح شرطين أساسين للقاء الحقّ تعالى،الأول العمل الصالح،وقد تحدّثنا سابقاً عن بعض مصاديقه منها صلة الرحم،بر الوالدين،والكلمة الطيبة والجهاد في سبيل الله..،والشرط الثاني هو الإخلاص في العبادة لله،فمن ليس مخلصاً فهو مشرك. عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّه قال:”إنّ أفضل ما يتوسّل به المتوسّلون الإيمان بالله ورسوله،والجهاد في سبيل الله،وكلمة الإخلاص،فإنّها الفطرة”.فالله عزّ وجلّ أمر الناس بالعبادة “وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ”، ولكنّه لم يأمر بأيّ عبادة بل أمر بالعبادة الخالصة له التي لا يشاركه فيها أحدٌ سواه:”وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ”،وقال تعالى:”فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ”،وفي آية أخرى يوجّه القرآن خطابه إلى جميع المسلمين ويأمرهم قائلاً:”وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ”،وفي مكان آخر يخاطب الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول:”قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصا لَّهُ الدِّينَ”.
حقيقة الإخلاص
الإخلاص لله هو غاية الدين كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام):”الإخلاص غاية الدين”،وهو أفضل طريق لكمال العبادات والمعاملات،بل هو روح العبودية لله وجوهرها كما أخبر عن ذلك إمامنا الصادق (عليه السلام):”أفضل العبادة الإخلاص”.وهو سرّ من أسرار الله تعالى استودعه قلوب من اجتباهم لقربه وولايته كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مخبراً عن جبرئيل (عليه السلام) عن الله عزّ وجلّ أنّه قال:”الإخلاص سرٌّ من أسراري،استودعته قلب من أحببت من عبادي”.
وحقيقة الإخلاص تخليص نيّة الإنسان وعمله من أي شائبة تشوب خلوصه لله تعالى،وهو لا يتصوّر إلّا ممّن كان محبّاً لله عزّ وجلّ، ومستغرق الهمّ في الآخرة بحيث لا يبقى لحبّ الدنيا وشهواتها وملذّاتها وسمعتها وجاهها ومناصبها في قلبه قرار،فعن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:”إنّ لكلّ حقّ حقيقة،وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يُحمد على شيءٍ من عمل لله”.فالمخلص هو الذي لا يطلب من وراء أيّ عملٍ يقوم به سوى الله تعالى،ولا يكون له مقصد أو دافع سوى رضاه،والتقرّب إليه،ونيل الزّلفى لديه.
فالأعمال مرهونة بالنيّات وإذا لم تكن النيات خالصةً،فهذا يعني أنّه يشوبها الشرك والله تعالى لا يغفر أن يشرك به “إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ”،لأنّ الشّرك ظلم عظيم “يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم”،والله تعالى لا يهدي القوم الظالمين “.لذا لا يقبل الله تعالى إلا ما كان له خالصاً،كما في الحديث القدسيّ المرويّ عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنه قال:”قال اللَّه عزّ وجلّ:”أَنا خير شريك،من أَشرك معي غيري في عملٍ عمله، لم أَقبله إلّا ما كان لي خالصاً”.وإذا لم يكن العمل مقبولاً عند الله فلا قيمة له على الإطلاق.
فالله تعالى قد اختار لنفسه الدين الخالص حيث قال:”أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ”،فإذا كان لشيءٍ من الأهواء النفسيّة والحظوظ الدنيويّة دخلٌ في الدين فلا يكون خالصاً،وما كانت فيه شائبة الغيريّة فهو خارج عن حدود دين الحقّ. يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):”لكلّ امرئ ما نوى،فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله،ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر اليه”.وعليه نستشفّ من هذه الآيات والروايات أنّ الإخلاص أساس الدين ودعامته التي يرتكز عليها في عمليّة بناء الإنسان على خطّ الإيمان بالله والتوجّه الدائم إليه وتوحيده.وهو رأس الفضائل،والمناط في قبول الأعمال وصحتها،فلا قيمة لعملٍ لا إخلاص معه،كما ورد عن مولى الموحّدين الإمام عليّ (عليه السلام):”من لم يصحب الإخلاص عمله لم يقبل”.وقد قال (عليه السلام) في شأن المخلصين:”طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه ولم يحزن صدره بما أعطي غيره”.
آثار الإخلاص
إنّ للوصول إلى مرتبة الإخلاص والتحقّق بهذا المقام الرفيع آثاراً وخصائص هي ليست إلّا من نصيب الإنسان المخلص، أما الآخرون فمحرومون من هذه النِّعم والكرامات السَّنيّة والتي منها:
أولاً: ما نصّت عليه الآية الكريمة من عدم تسلّط الشيطان على الإنسان المخلص، حيث لا يعود للشيطان قدرة على إغوائه.لأن الله تعالى حاضر دائماً في حياته،فهو لا يرى غيره،ولا يفكّر إلّا فيه،ونيّته دائماً متوجّهة إليه،فكيف يكون للشيطان إليه سبيلٌ!؟،يقول تعالى:”قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ”.
الثاني: الإنسان المخلص مُعفى من الحساب في يوم الحشر وعند الوقوف في عرصة يوم القيامة. فقد جاء في القرآن الكريم “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ”.تشير الآية الكريمة إلى وجود فئةٍ من الناس تأمن صعقة يوم القيامة وفزعه،وإذا ضممنا إليها الآية الشريفة “فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ، إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ”،يتّضح أنّ هذه الطائفة من النّاس هي عباد الله المخلصون،لأنّه ليس لهؤلاء أعمال توجب حضورهم في عرصة يوم القيامة، فهم قد قتلوا النفس الأمّارة بالسوء في ساحات جهاد النفس وترويضها بالمراقبة والعبادة والأعمال الصالحة، وخرجوا من أبدانهم ونالوا شرف الشهادة عند جهادهم لأعداء الدين والحقّ، وتمّ لهم حسابهم خلال مدة جهادهم لعدوّهم الباطنيّ والظاهريّ في الحياة الدنيا.
الثالث: كلّ ما يُعطى الإنسان في يوم القيامة من ثوابٍ وأجرٍ فهو مقابل ما عمله في الحياة الدنيا إلّا طائفة المخلَصين من الناس، فإنّ الكرامة الإلهيّة لهم تتعدّى حدود الأجر على العمل كما أخبر تعالى بذلك في كتابه الكريم إذ قال:”وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ، إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ، أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ”.فالمعذّبون يُجزون بحسب أعمالهم، أما عباد الله المخلَصون فلن يكون جزاؤهم بحسب أعمالهم، بل الله المنّان سوف يعطيهم بفضله وكرمه. فعباد الله المخلَصون لا ينالون الجزاء مقابل العمل وإنّما كلّ ما تتعلّق به مشيئتهم يُتاح لهم وأكثر،فيتّضح أنهم يُعطَون من الكرامات الإلهيّة فوق ما تتعلّق به الإرادة والمشيئة،وأعلى من مستوى التصوّر.
الرابع: أنّ لهؤلاء المقام المنيع والمنصب الرّفيع والمرتبة العظيمة التي يستطيعون فيها أداء الحمد والشّكر والثناء للذّات المقدّسة كما هو لائق بها. قال عزّ من قائل:”سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ، إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ”.وهذه غاية كمال المخلوق ومنتهى الدرجة الممكنة. فهذه الآية وصفت المخلصين بأنهم الوحيدون الذين يصحّ منهم وصف الذات الإلهيّة المقدّسة، ما يدلّ على عمق معرفتهم بالله سبحانه وتعالى، فلم يكن في وصفهم لله تعالى أيّ إشكال بخلاف سائر الناس.
الخامس: من يخلص لله يرزقه الله العلم والحكمة كما في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:”ما أخلص عبدٌ لله عزّ وجلّ أربعين صباحاً إلّا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه”.فالمداومة على الإخلاص تورث الإنسان العلم الإلهي الّذي ليس فوقه أيّ علم.
السادس: من يخلص لله تعالى في النيّة والعمل يرزقه الله تعالى البصيرة في دينه، فلا تلتبس عليه الأمور، ولا يقع في مضلّات الفتن، ويصبح عارفاً بطريقه جيّداً وموقناً بما يفعله. فعن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنه قال:”عند تحقّق الإخلاص تستنير البصائر”.
كيف يتحقّق الإخلاص؟
يتحقّق الإخلاص من خلال إزالة المانع الذي يحول دون تحقّقه. ويمكن أن نختصر هذا المانع بأمرٍ أساس وجوهريّ وهو هوى النفس. فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال:”كيف يستطيع الإخلاص من يغلبه الهوى”.والهوى هو حبّ النفس واتّباع الأوامر الصادرة عنها،ويُعدّ شركاً لأنّ المُطاع فيه هو النّفس لا الحقّ عزّ وجلّ. وهو يضلّ عن سبيل الله، لأن سبيله محصور بأمرين هما التوحيد والطاعة:”وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ”.ففي كثيرٍ من الموارد نجعل أهواءنا مكان الله،وميولنا النفسيّة مكان أحكام الشّرع.
من هنا يقول الحقّ تعالى في كتابه العزيز:”وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى”.فلا سبيل للإنسان إلى الإخلاص إلّا بترك الأنا وحبّ النفس،لأنّ حبّها سيؤدّي إلى طاعتها،وطاعتها تعني اتّباع أوامرها، واتّباع أوامرها يعني أن المُطاع هو النفس وليس الله تعالى، ممّا يكون سبباً في وقوع الإنسان في المعصية والمخالفة لأوامر الحق عزّ وجلّ،وبالتالي البعد عن الله والحرمان من الهداية.
لأنّ معنى الإخلاص هو ألا يكون للإنسان من وراء نيّته وعمله قصدٌ إلّا رضا الله والتقرّب إليه،بحيث تكون نيّته متوجّهة دائماً إلى الله،فلا تطلب إلّا رضاه ووجهه الكريم،حبّاً به،وطمعاً في فضله وإحسانه. فالعمل الخالص هو الذي لا تريد أن يمدحك عليه إلّا الله تعالى،كما في الحديث عن الإمام الصّادق (عليه السلام):”والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ”.
أمّا إذا صار همّ الإنسان الناس وما يقولونه فيه،وأصبح هدفه وقصده الملذّات الدنيويّة والشهوات الرخيصة، اتّباعاً لأهواء النفس وأوامرها فمن الطبيعي أن لا يصل إلى درجة الإخلاص،لأنّ المطاع ليس الله،كما أنّ المقصد والمطلوب أيضاً ليس الحق عزّ اسمه،بل المطاع هو الأنا والأهواء،والمراد هو الملذّات والشهوات،والدنيا الفانية.والنتيجة الحتميّة لطاعة النّفس والهوى هي الضّلالة كما أخبر تعالى في كتابه العزيز إذ قال:”أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ”.
ومن الأمور التي تساعد أيضاً على تحقّق الإخلاص اليقين.لأنّ الإخلاص لله هو وليد الإيمان واليقين العميق بالمعارف الإلهيّة،كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام):”الإخلاص ثمرة اليقين”.فالإنسان المخلص يجب أن يكون صاحب يقينٍ على مستوى التوحيد،ومؤمناً بأنه لا مؤثّر في الوجود إلّا الله، وأنّ كلّ شيء في هذا العالم يبدأ من الله ويعود إليه “الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ”.
والخطوة الأولى نحو اليقين تكمن بالعلم والمعرفة بأسس هذا الدين ومبادئه ومعارفه الإلهية،ومن دون هذه المعرفة يبقى يقين الإنسان ضعيفاً ومتزلزلاً،وبالتالي محروماً من فضيلة الإخلاص.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.