كاتب يفند إختيار فيصل ملكاً العراقيون لم يختاروا أحد أنجال الشريف حسين ومضبطة كربلاء مزورة

خكخح

6

تحليل خاطىء للسيد عبد الرزاق الحسني:
قال السيد عبد الرزاق الحسني ما نصه : (كان السيد كاظم اليزدي غير مؤيد للنظام البرلماني ولا لحكم الشعب نفسه بنفسه ، وكان موقفه من المشروطة والانقلابات السياسية في الاستانة وطهران سنة 1908م موضع أخذ ورد بين المثقفين والمتعلمين ، ولما احتل الانكليز بغداد في عام 1917م جعلوا السيد اليزدي موضع ثقتهم واعتمادهم رغبة في الافادة منه في حكم العراق حكماً مباشراً فأساؤوا بذلك الى منزلته في النفوس والى أنفسهم أيضاً من حيث يشعرون أو لا يشعرون)[95].
وقد خلط السيد عبد الرزاق الحسني في موقف السيد اليزدي (قده) من نظام ملكي يتم فيه فرض برلمان ينتخب من الشعب بدون ضابطة شرعية وما قد يشكله ذلك من خطر في تشريع قوانين مخالفة للاسلام ومن تسلل أعداء الاسلام لشغل المناصب البرلمانية ، وبين موقفه من تأسيس دولة حديثة ليس فيها لا ملك ولا برلمان ولا دستور ، دولة تريد أن تتشكل حديثاً وما يمكن أن يكون في تشكيلها من ضوابط موافقة للاسلام وشريعته الخالدة.
فأما موقف السيد اليزدي (قده) من الدولة التي تريد أن تتشكل حديثاً في العراق فقد بيّناه آنفاً من خلال مطالبته بتشكيل مجلس تشريعي منتخب ودستور يقيد الملك[96]. وهو بخلاف موقفه من رفض المشروطة[97] في ايران وذلك لأختلاف ظروف كل بلد والعوامل المحيطة بالموضوع. وهو الامر الذي لم يلحظه السيد عبد الرزاق الحسني فأخطأ في نسبته عدم تأييد السيد اليزدي (قده) لحكم الشعب لنفسه !
وقد ذكرنا آنفاً أنَّ الشيخ النائيني (قده) وهو أحد أبرز الذين كانوا من المؤيدين للمشروطة في ايران ـ بخلاف موقف السيد اليزدي (قده) منها ـ والّف في اسناد هذه القضية كتابه (تنبيه الامة وتنزيه الملة) سنة 1908م عاد فيما يبدو ليسحب دعمه لهذه القضية بعدما رأى من مساوىء الحكم البرلماني الذي اقترفه رضا بهلوي في بدايات حكمه ، وهو ما يرجح أن يكون سبباً في حرص الشيخ النائيني (قده) على تتبع نسخ كتابه المذكور وإتلافها[98]، وقد يضاف إليه ما رآه من مساوىء الحكم البرلماني الصوري في العراق في عهد فيصل الاول لا سيما بعد تسخير فيصل الاول والانكليز للمجلس الدستوري في المصادقة على المعاهدة الجائرة مع بريطانيا سنة 1923م.
واما الخطأ الآخر الذي اقترفه السيد عبد الرزاق الحسني ـ غفر الله له ـ فهو قوله: ” ولما احتل الانكليز بغداد في عام 1917م جعلوا السيد اليزدي موضع ثقتهم واعتمادهم رغبة في الافادة منه في حكم العراق حكماً مباشراً” وهو خطأ فادح ، لأن الانكليز كانوا يخافون السيد اليزدي (قده) ويخافون من الخطر الذي قد تشكله معارضته لخططهم في العراق.
ويؤيد قولنا هذا أن ولسن بعد أن اجتمع بزعماء النجف والشامية وابي صخير ووجه اليهم الاسئلة الثلاثة المذكورة سابقاً وطلب منهم الاجابة ، فقد أصر عليهم أن يجيبوه عليها في الحال ، وعندما طلب عبد الواحد الحاج سكر أن يمهلهم ولسن لغرض التشاور مع العلماء أظهر ولسن غضبه وطلب من الحاضرين إعطاء رأيهم خلال الاجتماع ، لكن الحاضرين أصروا على أخذ رأي العلماء فأضطر ولسن الى الموافقة[99]. وفي هذا الصدد يقول السيد سليم الحسني : “إنَّ إصرار ويلسن على الحصول على رأي سريع وغضبه على إقتراح الرجوع للعلماء لتداول الامر معهم يشير بوضوح الى خوفه من موقف مراجع الدين الشيعـة وأنهم سيعطون رأياً يتعارض مع رغبة السياسة البريطانية. لقد كانت مخاوف ويلسن حقيقية ولها مبرراتها الفعلية ، حيث ذهب الشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ محمد جواد الجواهري وعبد الواحد الحاج سكر وعلوان الياسري الى السيد كاظم اليزدي وعندما أخبروه بما حدث قال لهم : (عجيب لقد كان ـ ويلسن ـ عصر أمس عندي ولكنه لم يكلمني بهذه الصراحة ، وعلى كل حال فالقضية مهمة ولكل عراقي حق فيها ، فيجب ان تعقدوا إجتماعاً عاماً يحضره الجميع من جميع الطبقات) وذكر لهم أنَّ كل فرد له الحق في إبداء الرأي سواء أكان تاجراً أم بقالاً زعيماً أم حمالاً “[100].
فهل يمكن أن ينسب للسيد اليزدي (قده) القول بأنه لم يكن يؤمن بالنظام البرلماني ! أو الادعاء بان الانكليز حصلوا على منافع وأنَّ السيد اليزدي (قده) مكنهم من حكم العراق حكماً مباشراً ! بعد أن علمنا أن مطالبه كانت بإيجاد مجلس تشريعي منتخب والاستقلال التام الناجز للعراق ، وأخذ رأي جميع العراقيين بإختلاف طبقاتهم كما بيّنا هذا سابقاً !
إجتماع (15) شعبان في بيت الميرزا الحائري الشيرازي (قده):
في 5 آيار / مايو 1920م = 15 شعبان 1338هـ ، عقد إجتماع سري في دار السيد أبو القاسم الكاشاني في كربلاء المقدسة ، حضره العديد من رجال الدين وزعماء العشائر تداولوا فيه أمر القيام بالثورة المسلحة ، فمنهم من يرى ذلك ومنهم من يعترض ، وتم الاتفاق على إحالة هذه القضية الى الامام الحائري الشيرازي (قده) وأخذ رأيه فيها ، فانتدبوا خمسة منهم لمقابلتهم ، وقد حدثت مناقشات حامية عبّر عنها أحّد الباحثين بالـ “أخذ والرد” مع الامام الميرزا محمد تقي الحائري الشيرازي (قده)[101]، ثم اختلفوا في نتائج هذا الاجتماع :
ـ قال السيد عبد الرزاق الحسني: (فدارت بين المجتمعين مداولة ترمي الى إصلاح الحالة العامة ، وتعرض بعضهم الى موضوع الثورة ، فانتبه الامام الحائري فقال : “إنَّ الحمل ثقيل وأخشى أن لا تكون للعشائر قابلية المحاربة مع الجيوش المحتلة”. فأكد له الزعماء أن فيهم الكفاية التامة لهذا العمل الخطير ، وأن الثورة أمر لا بد منه وإن كانوا هم لا يريدون الحرب ولا يرغبون فيها. ولكن الامام تردد في إعطاء الجواب الحاسم اعتقاداً منه أن الحمل ثقيل ، فأجابهم بقوله : “أخشى أن يختل النظام ويفقد الامن فتكون البلاد في فوضى وأنتم تعلمون أن حفظ الامن أهم من الثورة بل وأوجب منها”. فأجابه الحضار أن قابليتهم على حفظ الامن والنظام يجب أن لا يرتقي الشك إليها وإنه لا مناص من إعلان الثورة ، وأكدوا له أنهم سيبذلون كل ما في وسعهم لحفظ النظام واستتاب راحة العموم. فلما رأى الامام أن الرؤساء ضايقوه من كل جانب لم يرَ بداً من القول: “إذا كانت هذه نياتكم وهذه تعهداتكم ، فالله في عونكم”. وعلى هذا الاساس فارق الزعماء المرجع الديني الكبير ، واجتمعوا ليلة 16 شعبان 1338 في الحضرة الحسينية فعاهدوا الله ورسوله وفرقانه المبين على أنهم لا يذخرون وسعاً في تحقيق آمال البلاد الوطنية ، وأنهم سيلفظون آخر نفس في سبيل إنقاذ بلادهم من الحكم الاجنبي ، ثم قرروا الشروع في إعلان الثورة في مواضع مختلفة وفي يوم واحد ليتمكنوا من مشاغلة القوات الانكليزية في ميادين مختلفة ، وكلفوا الشيخين: شعلان أبو الجون وغثيث الحرجان أن يستعدا للقاء في السماوة وأن يحرضا بقية الرؤساء على الانضمام تحت هذا اللواء المقدس)[102].
وأبرز المآخذ على هذا النص أن السيد عبد الرزاق الحسني ذكره بدون أن يشير لمصدره ! كما إنَّ النص يركز على شخصيتي الشيخين شعلان أبو الجون وغثيث الحرجان ولم يركز على زعماء الشامية وغيرها من مناطق العراق الفراتية أو المنتفك أو غيرها ، فكأنما يريد النص أن يوحي للقارىء بأن الحركة التي قام بها هذان الشيخان يوم 30 حزيران 1920م حينما أطلق غثيث سراح شعلان أبو الجون من سجنه وإشتعال نار الثورة إنما هو جزء من مخطط متفق عليه بين الجميع ! وفي تقديرنا فإنَّ هذا النص إنما كتب ليبرز هذه الفكرة.
ويجب ان نعلم أن الثورة لم تشتعل في عدة مناطق وفي وقت واحد كما هو مخطط له بحسب هذا النص ، بل بقيت الثورة مستعرة في الرميثة وحدها لمدة أسبوعين قبل أن تنضم لها باقي عشائر الفرات الاوسط[103] ولا سيما عشائر الشامية الذين حضر عدد من زعمائهم الاجتماع المذكور في بيت الامام الحائري الشيرازي (قده)[104] دون أن يحركوا ساكن حين إنطلاق شرارة الثورة.
ـ نقل الدكتور علي الوردي في كتابه (لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث) هذا النص نقلاً عن السيد عبد الرزاق الحسني في مصدره المذكور في الفقرة السابقة ، ولكنه لم ينقل إجتماع الزعماء يوم 16 شعبان وما تلاه ربما لعدم قناعته فيه ! بل استبدله بنص يذكر أن الشيخ محمد رضا نجل الامام الحائري (قده) أخبر الزعماء حين خروجهم من الاجتماع أن كلمات الامام الحائري (قده) تدل على الافتاء بالثورة ، وقد ذكر د. علي الوردي أنه نقل هذا القول عن كتاب (ثورة النجف) لحسن الاسدي. ثم أعقبه بأن ذكر أن الزعماء حينما إجتمعوا في الليلة التالية أتفقوا على أن يستمروا في المطالبة بالاستقلال بالطرق السلمية فإذا أصر الانكليز على رفض مطالبهم فإنهم حينئذٍ يلجأون للثورة المسلحة. ثم ذهبوا الى ضريح الامام الحسين (عليه السلام) وأقسموا على إنجاز ما اتفقوا عليه[105]. وذكر الدكتور علي الوردي أن مصدر هذا الاتفاق هو كتاب (كربلاء في التاريخ) لعبد الرزاق الوهاب ، والمطبوع سنة 1935م.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.