عسكرة العشائر العراقية بين الماضي والحاضر النشاط البريطاني وعلاقته بعشائر العراق حتى الحرب العالمية الأولى

نهكخهجخح

4

د. معتز محيي عبد الحميد

لقد استغلت بواخر شركة لنج الخشب المتوفر على ضفاف الانهار كوقود لمحركاتها من جهة ولتكوين علاقات صداقة مع رؤساء العشائر القاطنة على تلك الضفاف والذين ابدوا استعدادهم لتزويد قائد الاسطول بما يحتاجه مقابل عقود خاصة. يمكن اعتبار ذلك نموذجا لما أخذت تمارسه شركة الهند الشرقية، وخليفتها شركة لنج فيما بعد من سياسة تعميق علاقاتها مع شيوخ العشائر في طول البلاد وعرضها دون اللجوء إلى الدولة العثمانية لدرجة أن رئيس عشائر البو محمد مثلا كان يتعرض بصورة مستمرة للبواخر العثمانية في الوقت الذي كان يسمح للبواخر البريطانية بالمرور بأمان في مناطق سكنى عشائره قرب العمارة .
ولم تكن عشيرة بني لام أقل خطورة على النشاط الملاحي البريطاني في العراق، لذلك فقد سعى ممثلو بريطانيا في العراق إلى ضمان سلامة مرور السفن والبواخر البريطانية في منطقة بني لام، ولكنّ البريطانيين لم يصلوا إلى غرضهم في هذه الناحية. وهو ما يبدو واضحاً في معظم المؤلفات البريطانية والتي شنت هجوماً شديداً وخاصة على شيخها مذكور .وعندما وقعت اضطرابات المنتفك في عام 1881 وهددت بصورة غير مباشرة المصالح التجارية والملاحية في نهري دجلة والفرات أقترح القنصل العام في بغداد بلودان Plowdan (1880-1882) على السفير البريطاني في اسطنبول التدخل في الأمر. وقد أشار بلودان إلى أن نفوذ المنتفك يمكن أن يكون أمر ذو قيمة كبيرة جدا للمصالح البريطانية وأن صداقتهم أمر يستحق بذل الجهد لضمانه .
وكان التعرض للسفن البريطانية في نهر دجلة احدى أساليب العشائر في الضغط على الحكومة العثمانية لتحقيق مطالبها، فقد لجأ الشيخ صيهود أحد شيوخ عشيرة البو محمد عام 1880 إلى تحريض أتباعه لمهاجمة الباخرة البريطانية “خليفة” وقتل بعض أفراد طاقمها. وقد ترك الحادث أثراً على الصعيد الدبلوماسي فقد أخبر القنصل البريطاني سفير حكومته في اسطنبول بحادث الهجوم. فقدم السفير احتجاجا لدى السلطات العثمانية في اسطنبول والتي وعدت بدورها بارسال حملة ضد القبيلة المعتدية .
وفي المعارك التي دارت بين عشيرتي البو محمد وبني لام للسيطرة على الأراضي الزراعية التي تقطنها العشائر الصغيرة المجاورة لعشيرتيهما كالازيرج والبودراج فقد اضطربت حالة الأمن وتعرضت الملاحة النهرية في دجلة سواء العثمانية أو البريطانية للخطر ومنها تعرض الباخرة البريطانية خليفة عام 1906 إلى إطلاق نار فجهزت بحرس كاف لحمايتها. كما تعرضت إحدى البواخر البريطانية إلى اطلاق نار، وفي تقرير له عن الاحوال العامة في ولايات بغداد والبصرة والموصل عام 1908 أشار السفير البريطاني إلى أن القنصل البريطاني في بغداد نيو مارش New March (1902-1906) أقترح قمع أعمال غضبان شيخ بني لام بصورة فعالة لكي لا يستمر على حد قوله في جعل بريطانيا “حصان طروادة” في معاملاته مع الحكومة العثمانية .
ومما تقدم نرى أن بريطانيا ومن خلال نشاطها الدبلوماسي والعسكري إزاء العشائر العراقية ومحاولتها كسب بعض رؤساء هذه العشائر إلى جانبها لما تشكله هذه العشائر من تأثير كبير على نشاطها التجاري قد استطاعت من تثبيت نفوذها الاقتصادي في أنهار العراق.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.