تأملات بوذية لها إشتراطاتها الخاصة

فجأة.. اصبح (الهايكو) يحظى باهتمام من بعض الشعراء العراقيين، لكن التساؤل الذي ما زال يحوم في الوسط الادبي: هل الهايكو شعر ؟ ولماذا الاصرار على كتابته من الشعراء؟ اصبح الهايكو ينال اهتماما من بعض الشعراء ويغري البعض الاخر بكتابته فيما ينظر اخرون اليه بعين الريبة من انه ليس شعرا او انه يشبه شعر الومضة الذي كتبه العديد من الشعراء العراقيون، لكن هناك من لا يرى فيه مناسبا للواقع العراقي اذ ان الهايكو له خصيصة لغوية وثقافية يابانية قام البعض باستسهالها تخلصا من اشتراطات قصيدة النثر الصعبة، من هنا كانت لنا وقفة مع عدد من الشعراء لمعرفة وجهات نظرهم حول هذا الشكل الذي بدأ البعض من الشعراء يكتبونه.
سعد جاسم: أنا الهايكو العربي الأول
فقد اكد الشاعر سعد جاسم انه اول شاعر يكتب الهايكو وقال: يُعدّ الهايكو جنساً ونوعاً ونمطاً وفضاء شعرياً مختلفاً ومغايراً لما هو سائد من انواع وانماط وأشكال الشعرالأخرى ؛ويُمكنني القول بكل ثقة وصراحة وجرأة ووضوح إنني انا والشاعر الفلسطيني (محمد الاسعد ) كنا اول شاعرين عربيين قد كتبَنا قصيدة (الهايكو)،وهذا يعني انني انا والاسعد رائدا قصيدة الهايكو في الشعرية العربية.
واضاف: أستطيع القول: انني في الحقيقة لم أقرأ اي نص لشاعر عربي كان قد كتب ونشر اية نصوص هايكوية البنية والرؤية والفضاء قبلي وقبل الاستاذ الاسعد ؛ وأَضيف: لقد سبقَ لي أن قرأت وأطّلعت على كل ما تُرجمَ من نصوص تعتمد أُسس ( الهايكو ) واصوله وطرائق كتابته اليابانية الاساسية… وقد استفدتُ منها كثيراً… ثم حاولتُ ان أُكرّس فهمي وخبراتي لكتابة هايكو معني بالواقع والحياة العراقية بكل ابعادهما وتفاصيلهما وإشكالياتهما.. حيث ازمنة الدكتاتورية والحروب الفنتطازية والعبثية والحصارات الخانقة والانكسارات والخسارات التي تكبدّها شعبي العراقي المظلوم والمجروح تاريخياً وروحياً وحياتياً… وكذلك فقد كرّستُ اهتمامي بالاشتغال على نصوص تتناول الحياة والوجود والعالم .وتابع: كنتُ قد بدأت الاشتغال في هذا الفضاء الشعري منذ بدايات التسعينيات ؛ وقد كان الصديق الشاعر والقاص ( علي خصباك ) شاهداً حياً وحقيقياً على بدايات اشتغالي على مشروعي هذا.
إبراهيم البهرزي: إستسهال لقصيدة النثر
اما الشاعر ابراهيم البهرزي فقد اكد ان البعض لجأ اليه جهلا بخصائصه المذكورة واستسهالا لفبركة ( قصيدة نثر وقال: الهايكو هو شعر (شعبي ) ياباني يعتمد على الخصائص اللغوية التي يتيحها نظام المقاطع الفونولوجي الذي يميز اللغة اليابانية..وهو شعر (شعبي ) لانه مرتبط بمواسم وفصول السنة وما يتضمنها من مناسبات للصيد والزراعة ..لقد لجأ اليه البعض جهلا بخصائصه المذكورة واستسهالا لفبركة ( قصيدة نثر ) كما يعتقدون سهلة المنال وتلاحظ ان بعضهم يقوم بتقطيع بعض سردياته الشعرية الطويلة الى مقطعات من ثلاثة اسطر ظانا ان ذلك هو كل ما يلزم الهايكو !..الهايكو خصيصة لغوية وثقافية يابانية قام البعض باستسهالها تخلصا من اشتراطات قصيدة النثر الصعبة…إلتباس ان يكتب البعض وفقا لهذا النظام الموجز من الكتابة ولكن ليس تحت تسمية الهايكو فذلك مركب اخر غير مركبهم
واضاف: لا يوجد اصطلاح نقدي اسمه شعر الومضة…الومضة تكتنف كل نص شعري ..النص الطويل متعدد المقاطع كله ومضات…انظر صديقي: هناك نص طويل ونص اقصر ونص قصير وقصير جدا حسب المضمون واللحظة النفسية للكاتب ..تسميات مثل الومضة والشظية لاعلاقة لها بالشعر..هناك الشذرات وهي العبارات القصيرة المكتنزة المعبرة عن.معنى متكامل وهذا النوع شاع عند المتصوفة بما يسمى بالشطح وعند بعض الفلاسفة…نيتشه الاكثر تجليا طبعا
عارف الساعدي: يشبه شعر الومضة
من جانبه اكد الشاعر عارف الساعدي انه لا يعرف سبب الاصرار على كتابة الهايكو، وقال: الهايكو اساسا هو نمط من انماط الكتابة اليابانية يتكون من مقاطع كل مقطع 3 او 5 اسطر يعبر عنه بجمل مكثفة وبسيطة وهو جزء من الثقافة اليابانية وهي تشبه قصيدة الومضة لدينا لانها متقاربة معها بالدلالة والتكثيف والصورة
واضاف: ليس هناك شكل جديد في الكتابة الاشكال استقرت والجديد هو في التنويع على هذه الاشكال، ولا اعرف ما السبب وراء الاصرار على التسمية ؟ولكنه بالنتيجة اما ان يكون بيت شعر عمودياً واحداً او مقطع تفعيلة من جملتين او ومضة من قصائد النثر، فمن المستحيل ان تخرج الكتابة عن هذه الاشكال الثلاثة
سلام دواي: الهايكو تألات بوذية
فيما قال الشاعر سلام دواي: الهايكو تامل عميق بلغة بسيطة، ونعم يمكن كتابته بلغة اخرى شرط القدرة على تامل الطبيعة وعلاقاتها بالوجود، ولكنه لدى اغلب من تصدى له باللغة العربية لم يزل بعيدا عن هذه التأملات، فقد فهم خطأ على انه وصف للطبيعة، وهو ليس كذلك على الإطلاق فالطبيعة هي الناظور الصغير التي منها ينطلق نحو مشهد تأملي عميق وواسع.
واضاف: قصيدة الهايكو تختلف كليا عن قصيدة الومضة، وهذا يطول شرحه، باختصار انها الحكمة والفلسفة بلغة بسيطة جدا ويومية، وهي في الأصل هي تأملات بوذية.
ماجد طوفان: السومريون كتبوا الهايكو
من جهته اكد الشاعر ماجد طوفان ان السومريين كتبوا الهايكو، وقال: منذ اكثر من نصف قرن تقريبا،ومع بزوغ قصيدة النثر،لم يعد هناك تعريف للشعر،ولعل نظرية جامع النص تذهب الى هذا المعنى في التعامل مع الشعر،مع وضع الاشتراط الحازم بين مصطلحي الشعر و( الشعرية )،ولعل السؤال هل الهايكو شعرا أم لا ؟ يقف امام هذا الاشتراط،لذلك تبقى المعايير هي الحاكم الاول والاخير على شعرية النص.. وبالذهاب الى اصل الهايكو فهو يعد من ابرز انواع الشعر الياباني،مع القول الاخر الذي يقول ان السومريين مارسوا هذا النوع من الشعر،لكن في اصوله اليابانية فانه يعتمد على مجموعة الضوابط او القواعد لعل اهمها التكثيف والانزياح واستخدام الالفاظ الخالية من التعقيد.. اضافة الى الشرط الرئيس وهو ان النص لايزيد على سطر واحد،وهذا الشرط الاخير يعد من اصعب ضوابطه،اما لماذا لجأ اليه البعض،فانا اعتقد ان المشهد الشعري العراقي وحتى العربي قد مارسه اغلب التجارب العالمية،ولعل قصيدة الومضة هي اقرب انواع الشعر الى الهايكو،والتي كتبها اغلب الشعراء لما لها من اختصارات وايجاز في استخدام المفردات بعيدا عن الاسراف الانشائي،وهي اي قصيدة المومضة تعد من انواع الشعر الصعبة،ولايمكن تجزيء النص الشعري بالضد او الـ مع،بقدر مايكون النص هو الفارض الاول لتجربته..
مازن المعموري: لباس قصير لدرجة النشاز
واكد الشاعر مازن المعموري انه يمكن ان نطلع على فنون الحضارات الاخرى دون تقليدهم، وقال ظهرت في الاونة الاخيرة مشادات اكثر منها حوارات حول صياغة فن الهايكو الشعري الياباني, في محاولة لنقله الى الثقافة العربية والاشتغال عليه بصفته فنا شعريا مضافا الى التراث الشعري العربي , لدرجة إلصاقه احيانا بتنويعات الشعر الشعبي ومقطعات فنونه المتنوعة , الا ان الحقيقة التي لا مناص من ذكرها تحيلنا الى فكرة استعارة فنون الاخر واستعارة انماط ثقافية وجمالية لا تنتمي لوجودنا الحقيقي, وكأن بعض الشعراء يصرون على الانسلاخ وتغييب وجودهم الفردي بلباس شخص اخر لا يليق بهم لانه فضفاض او لانه قصير جدا لدرجة النشاز. واضاف:يمكن ان نطلع على فنون الحضارات الاخرى دون تقليدهم , في الوقت الذي نشعر بحاجة كبيرة لاستنهاض كل امكاناتنا الابداعية للتواصل مع العالم المعاصر من وجهة نظر واقعنا وثقافتنا , مع انني لست ضد أي شخص يريد ان يكتب بالطريقة التي يراها سواء بالهايكو ام بغيره, فالإبداع لا يعرف حدودا وقوالب جاهزة , لكننا بحاجة ماسة الى ما اسميه الاصالة في الابداع , اننا بحاجة فعلا الى الابتكار, فالمجتمع العربي ينتظر منا اضاءة ظلمته الحالكة في زمن الموت والتهجير والعنف والهمجية , لذا فان اول سؤال يتبادر في ذهني وانا اتحدث عن الهايكو كفن شعري هو ” ما قيمته عندي وانا قادر على صياغة تنويعات اكثر جرأة وتجدد دون الاتكاء على نماذج جاهزة ؟ ” بمعنى ان آليات اشتغال الهايكو ليست جديدة اصلا على الثقافة العربية , ولكن تلك الاشتغالات تملك هوية خاصة بي كانسان يملك هوية ثقافة معروفة ومهمة تاريخيا , فالصحراء قدمت لي الخطاب الصوفي الذي انتج نموذجا فلسفيا وشعريا متقدما على الهايكو وبالامكان تطويره وجعله فنا معاصرا ومقبولا من الجميع بدل ان يكون متحجرا وبائدا بين رفوف الكتب القديمة.وتابع: ان الاتصال بالعالم والتعرف على ادابها والانفتاح الحضاري بين الشعوب جعل من شعراء كبار مارسوا كتابة الهايكو مثل ” عزرا باوند، هيوم، فيلنت، تان غراد، ييتس، فروست، ايمي لويل، كونراد ايكن، اكتافيو باز، داج همرشولد، توماس ترانسترو مر” محاولات تجريبية لا اكثر , وهو ما سيفعله شعراء عرب يمارسون نفس الدور مثل ” محمد الاسعد” الذي تقدم على اقرانه ترجمة وكتابة كما ظهر في الاونة الاخيرة بعض الشعراء ومنهم الشاعر العراقي سعد جاسم الذي قدم بيانا حول الهايكو , واخرون كتبوا في سوريا ودول عربية اخرى , اقول بعد كل ذلك, ليس الشكل هو المهم وانما الابداع والكشف والرؤيا الخلاقة للشاعر هي من يصنع النصوص الخالدة , اما الاسماء والعناوين المستوردة فانها تظل جسدا غريبا سيقطع ذات يوم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.