عندما إختفت الطيور

خهجحخجخح

عدنان المبارك
لم ينتبه الى خلو الجو والأشجار من الطيور. على أكبر احتمال كان مشغولا بالتفكير بقضايا مختلفة – مهمة وبعضها مؤجل الى وقت غير ممعلوم ، وأخرى عادية جدا لامعنى للوقوف الطويل عندها . بحكم نوبات شرود ذهنه التي بدأت في مطلع هذا العام ، لم يشعر باقتراب المساء وانحدار الشمس البطيء وراء الأفق الملطخ هنا وهناك بلون أخضر شاحب. كان يعرف بالطبع أن هذا مصير كل نهار ، ولذلك لم يعر الأمر أهمية. الجديد هنا اختفاء الطيور الذي كان بلاشك فجائيا. في الحقيقة لم يكن بقربه أيّ طيور لكنها كانت تملأ الحقل الكبير. وفي أثناء سيره البطيء أخذ يراقب الأشجار ، فلعل بعض الطيور لجأ اليها. كان الصمت يلف كل شيء : الأشجار والسماء والحقل. من عاداته أن لا يوغل في التفكير خشية حصول نكسة في مرضه واشتداد ذاك الصداع النصفي وما يرافقه من شلل فقرات الرقبة. قرأ مرة أن لا علاقة بين هاتين الظاهرتين المرضيتين. لأفكر ، قال لنفسه ، لكن ليس عميقا ولا طويلا ، فكل شيء سيتضح وخاصة اختفاء الطيور، لكن … ما معنى هذا ، وكيف اختفت مئات الطيور ؟ أهو نذير باختفاءات تالية ، كأن تختفي الحيوانات ومعها نحن ؟ هل من الممكن اختفاء الطبيعة وتحوّل كل ما هو مادة الى لا مادة ؟ قررالتوقف عن التفكير ، فضرب أخماس بأسداس لا يقود الى نتيجة. عاد اليه بعض الهدوء مما أعانه على مواصلة السير. في الحقيقة أنا لا أحب الطيور كثيرا – وهكذاعاد الى التفكير – ويكفيني تذكر ما خلفته في شرفة البيت من براز وريش. التنظيف استغرق بضع ساعات. والفصل كان شتاء ، ولا أعرف لم قررت التنظيف في مثل هذا الفصل. عماد – وهو شقيقه الأصغر منه – اشترى قفصا ووضع فيه بلبلا كبيرا على أمل أن يغرد في البيت لكن لا شيء. كان بلبله مريضا ونفق بعدها بثلاثة أوأربعة أيام. عماد أوشك على البكاء وليس بسبب تعلقه بذلك البلبل بل لأنه يحب الطيور ، والسبب الثاني في أنه لا يملك نقودا لشراء بلبل آخر. ما زاد المسألة تعقيدا أن لا أحد في البيت يريد هذا البلبل ، فالكل مشغول بأمور أخرى. سأدخل هذا الدغل فلعل فيه أو وراءه طيور.كان يسوده الدغل الصمت أيضا. لا طيورهناك. ليس بعيدا كثيرا عن المدينة. ألا تزال الطيور فيها ؟ عاد اليه الهدوء ثانية حال اتخاذ القرار بالعودة بسيارته العتيقة. لولا ضيق اليد لبعتها واشتريت أخرى مستعملة لكن المهم أن تكون جيدة – فكر من جديد بكامل تاريخ سيارته وكيف جمع النقود طوال سنتين كي يشتري هذه السكراب ، لا ، لم تكن سكرابا منذ البداية لكن جهله بالميكانيكا وأمور السيارات زاد الطين بلّة. عموما ما حاجتي الى السيارة طالما أسكن في قلب المدينة ، اذا قررت النزهة في خارجها هناك الباصات، والأحسن أن أفكر بأمور أخرى غير السيارات والبلابل ، فعماد ا كبر ووراءه يمشي الآن ثلاثة أطفال. ما يحصل في البلاد يحرمني من التفكير بهدوء. ربما يأتيني الطيش وأنسى مرضي وصداعي النصفي وأغرق في تفكير عقيم بكل هذه المجازر. لن أنسى ، أبدا ، وجه قادر الذي مزقه انفجار الشهر الماضي. كان في مقتبل العمر، وذا موهبة كبيرة في الأليكترونكا. مصلح حواسيب من الدرجة الأولى. سمعت بابتكاره عدة ألعاب كومبيوترية . أتصلوا به كي يعمل في احدى المنشآت السرية. ربما مخابرات. من الأسلم أن أفكر بأختفاء الطيور. ها أني على وشك دخول الشارع الرئيس. دقائق معدودات وسأكون في البيت. لم أشاهد أيّ طير في الطريق. عجبا ، هل هي هناك الآن في شارعنا المليء بالأشجار؟ لا أظن ، فها أني اقترب منه كثيرا بل هأني في بدايته لكن لا أثر للطيورفيه. ربما يتكلمون عن ذلك في التلفزيون أوالراديو. أو قد لا يتكلمون ، واحدهم يخاف حتى من ظله. ثقب الآزون ، الشهب المقتربة منا ، مجازر الأسلحة الجديدة ، ذهنيات القرون الوسطى ، الربح ولو كان ربع مليون دولار ، تحويل العالم الى دار بغاء مفتوحة على سوق خرافية يباع ويشترى فيها كل شيء ، انزواء الله في زاغور حقيرمن هذا الكون ، لكنهم عملوا له نسخا رديئة تباع في كل مكان. واحدة منها علقتها أمي في غرفتها وكلها أمل في أن توجه لها الدعوة الى دخول تلك الجنة. يكفي هذا ، فها أن الصداع النصفي استيقظ كما أفعى سامة. بعد قليل سأشاهد التلفزيون ، فقد صارت الأمور سيئة وقرروا الكلام عن اختفاء الطيور … لاشيء… أظنهم يراهنون على أن الناس مشغولون بأمور أخرى و لم ينتبهوا الى اختفاء هذه الحيوانات الطائرة. الأحسن انتظار موعد نشرة الأخبار الرئيسة واذا خلت من خبر الطيور فمعنى هذا أن ليلتي ستكون مريحة. وقد تنتهي ضربات الصداع النصفي أيضا…لاشيء من هذا القبيل. كانت الليلة بلا نوم ولم يكف الصداع عن الضرب. استيقظت حانقا أجرجر ساقيّ الى المطبخ لعمل قهوة. فتحت قبلها التلفزيون. ومع صفيرابريق الماء جاءني صوت المذيع :(… حالة مثل هذه لم يعرفها التأريخ من قبل : ملايين الجثث في كل مكان .البحرالميت صار ميتا عن حق ، فأكوام من جثث الطيورامتصت مياهه. الجثث عملت سدودا ضخمة على الفرات ودجلة. أنهار أوربا وآسيا وأميركا تعاني من مشكلة الجثث أيضا. عالم ذكر بأنه انتحار جماعي تماما كما الحال مع الحيتان. حتى قمم الجبال اكتظت بالجثث. الفاتيكان ومراكزدينية أخرى اتفقت على الاعلان بأنه انتقام ربّاني من البشر ولو بالشكل غير المباشر. عالم آخر أكد بأنها خسارة لن تعوّض، ولم يبق لنا من أمل سوى الطيور الداجنة ، وهذا يعني أن الأقتصاد سيأخذ وجهة أخرى جديدة… ). رغم الصداع النصفي وضجيجه سمع صوته الداخلي : العجلة القديمة ستدور سواء اذا كانت الطيور أ لم تكن. شرب قدحين من القهوة المرّة الا أن الصداع لم يهدأ. صرف النظر عن الخروج لشراء البيرة من ذلك البيت في زقاقهم ، ولسبب بسيط : لم يرغب في ارتداء ملابس الخرو ج ، كما كانت هناك الرغبة في دحر الصداع النصفي بتلك الحبوب المسكنة القوية . وراوده الأمل في أن يفلح خاصة أن ذلك حصل أكثر من مرة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.