قد يهزم الانسان

ناصر جبار سلمان

في معرض تفسيره للآية الكريمة “وان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله, وتلك الايام نداولها بين الناس”. قال الامام الشهيد محمد باقر الصدر (قده) معلقا على ما حدث في غزوة احد من تقصير بعض الصحابة في اداء واجبهم… وانشغالهم بتلقف الغنائم مما يسر لخالد بن الوليد قائد جيوش المشركين الالتفاف من تلك الثغرة, ما الحق الضرر الكبير بجيش النبي “صلى الله عليه واله” فألفت السيد الشهيد الى ان الرسالة لا تهزم …فهي فوق مستوى الهزيمة والنصر, انما الذي هزم فهو الانسان الذي سبب تلك الخسارة, ولكن المشكلة هي في تكرار حالة هزيمة الانسان المقصر في اداء واجبه في مواقف عديدة…على شكل انحراف عقائدي واستدامة حركته ثوابت الاسلام, في عرضها, لا في طولها, تجلى ذلك في معاداة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام)… وهو الفيصل ما بين الحق والباطل … ليسفر هذا النهج المنحرف عن سقوط أمير المؤمنين سلام الله عليه مضرجا بدمه في محراب صلاته بسيف ذلك النهج, والذي تمكن من ارتداء حلة الاسلام الذي حكم باسمه, وانبرى له اناس تجلببوا بجلباب القدسية … لغيروا كثيرا من حقائق الاسلام وفقا لهوى الحاكم, ما كرس قناعات واسعة بأن هذا هو الاسلام, ولا شيء سواه… وهذا هو السلطان الذي يكنى بأمير المؤمنين… قد يظلم أو يستأثر أو يشرب الخمر, وتعمر بوجوده مجالس اللهو والطرب, وقد فات الناس ان الرسالة لا تهزم, وانها فوق هزيمة البشر عقائديا وانحرافه فكريا وسلوكيا… وكان من معطيات تسلط النظم المنحرفة هو غياب النهج الاسلامي, فأرسيت دعائم ثقافة هجينة تتداخل فيها المفاهيم الاسلامية مع التطبيقات الدنيوية البحتة… وامست الانتقائية ديدنا, ليأخذ الناس من الاسلام ما لم يتعارض مع مصالحهم, ومتى ما شاءوا يواظبوا …ومتى شاءوا يهجروا … وأصبح شغل الحكام ملاحقة المعارضة, وهدر دمائهم وملاحقة اتباعهم وافقارهم ليعيشوا في كنف الخوف والتوجس والشدائد. توالت قرون وتعاقبت الاجيال ولم يعد هناك من نظام حكم واحد يصلح كمصدر اشعاع تستضيء بهديه الامة, يقدر ما هو منعكس للتسلط والاثراء غير المشروع, ولا وجود لبرنامج معد لبناء الامة عقائديا واخلاقيا اصلا, وعاد المتدينون شريحة صغيرة تمارس طقوسها ولم يتسن لها ممارسة الحكم, لتجرب زهدها في الرخاء, كما هو زهدها في وقت الشدة… وبعد ان فشلت الاحزاب العلمانية في العراق إما ايديولوجيا كالشيوعية, أو ممارسة كالبعث … كانت أبواب الحركات الدينية مشرعة وقد ساعدت ظروف موضوعية على تزايد أعداد المنخرطين في صفوفها حيث يغلب وضع المقاومة المسلحة عليها, ولم يتوفر ثمة برنامج تغييري ثقافي راسخ قادر على خلق كوادر سياسية دينية معدة للتعاطي بمنهجية مع المتغيرات الا قليلا… بل ان قياداتها هي أقل من ان تربط جماهيرها بها ارتباط التلميذ بالاستاذ, أو المريد بالثائر المفكر الملهم, فما دامت القيادات محاطة بمجموعة من المساعدين والحواشي, وهي في تمام العجز عن ايجاد برنامج عمل يعتمده من يمثلها في مناصب الدولة, وهي قاصرة عن متابعة تطبيقاته, أكانت موافقة أو مخالفة لذلك البرنامج.فلا يوجد لمن يقول للفاسد “على عينك حاجب” انما يعامل باجلال وفقا لمستوى ما ظفر به من منصب, لا حسبما يحسنه من اداء. هذا هو الواقع الذي اعطى الذريعة والمبرر لمهاجمة الاسلام بناء على فشل التجربة كما اعطى المجال للملحدين, أو غير الاسوياء من ان يتشفون بالاساءة الى الاسلام…بسبب اداء الفاسدين ممن تلفعوا بردائه زيفا… في حين ان من يقرأ الامور بعين الموضوعية… والحرص على عزة ومنعة الاسلام ليعلموا بأن الذي هزم هو الانسان الذي خان الامانة … وهذا لا يمثل الا نفسه, فالرسالة اسمى من ان يمثلها الفاسدون, وهي فوق الهزيمة والنصر.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.