الوطنيـة و الشتيمـة وبيادق الشطرنج

أشارك في التظاهرات؛ لأني أريد أن أزيح غما جثم على الصدر، أطلق صيحات ألمي، لكنها لا يسمعها إلا أنا، وفي أفضل الحالات من هم بقربي، حيث تذوب الصوات بين طيات الشتائم العالية!
صيحتي أنتهت كما هي دوما في حنجرتي، لأن المسافة بينها وبين مصيري، بقدر المسافة بين الزفرة الصادرة من صدري وحلقي، وحين تتسلق الصيحات من الحنجرة الى الشفة، تحتاج الحرية الى توصيف جديد!
ليس للكلمة الحبيسة من معنى، وليس للصيحات والصراخ أيضا من معنى، فهما مثلهما مثل ماء الصائمين تذهبان سراعا ولن تعودا، ولذلك من حقي أن أتساءل: هل يمكن أن نحترم من يُستخدمون كرأس حربة، للهجوم بالسّبّ والشّتم نيابة عن محرّكيهم، الذين يحركونهم كدمي في مسرح العرائس، أو كقطع مصغرة في رقعة الشطرنج؟!
حينما عدت من ميدان التظاهر الى بيتي غفوت، كنت بالحقيقة أراجع نفسي وأستذكر عمري فيم أفنيته؛ متصيدا مساحات النقاء، وفي غفوتي سألني ضميري مؤنبا، هل سمعت الشتائم؟!.قلت له : نعم وأنا أيضا شتمت!…صحوت فإذا بي أمام كارثة، إذ أن ضميري بات مثقبا، وشككت أن ثلثيه قد ضاعا، مع ما أضاع الشتامون من حقنا!
لم يغادرني ضميري لحظة، بقي يسألي بكم وافر من الأسئلة، معظمها ستبقى بلا إجابات، ليس لأنها صعبة، بل لأن معظمها من النوع السهل الممتنع، الذي لا يحتاج الى تبريرات سطحيّة مخجلة!
قال لي ضميري مرة أخرى وثالثة ورابعة: هل الشتيمة شجاعة؟! قلت له: نعم!..قال لي: تبا لك؛ إنها شجاعة الحمل الذي يشتم الذّئب من فوق صخرة عالية!، قلت له: ولكن السلطة تمترست داخل الحجرات الكونكريتية، قال لي: وهل كانوا يشتمون السلطة؟!.. قلت له: إن الذين شتموا، إنما شتموا وفقا لما أباحه لهم الدستور، فحق التظاهر مكفول، قال لي: نعم؛ هنيئا لكم بدستور الشتيمة!
قال لي ضميري ، إسمع!..إن الشتامين بالحقيقة أدعياء معارضة، يكمن الجبن في أعماقهم، رغم الاحتياطات والأقنعة كافة التي يختفون وراءها! الجبن كامن في عدم مشاركتهم في الوجودات المجتمعية! وفي تناقض أفكارهم وتذبذب آرائهم، فما يتشدّقون به في العلن، يتناقض وما يثرثرون به الجلسات الخاصّة، وعبر رسائل الفيسبوك والموابيل، في رسائلهم ومقالاتهم المنشورة بأسماء مستعارة، وبحسابات الفيسبوك بأسماء فتيات!
التظاهر والتظاهرات والمتظاهرون، صرخات نقية بوجه الظلم والفساد وسرقة قوت الشعب، والشتيمة ليست من النقاء بشيء!
كلام قبل السلام: الشتيمة عارض مرضي، ينتشر في أوساط بيادق الشطرنج!

سلام…

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.