دور البيت الأبيض في خلق داعش و تدمير حضارة العراق و سوريا

هغعهغ

مرارا و تكرارا لفتت وسائل الإعلام العالمية الانتباه إلى حقيقة أن إحدى الصفات الأساسية في السياسة الأميركية الداخلية و الخارجية هي الديماغوجيا (وهي إستراتيجية لإقناع الآخرين بالاستناد إلى مخاوفهم وأفكارهم المسبقة أو هي خداع الجماهير وتضليلها بالشعارات والوعود الكاذبة). و التي أضحت سمة الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط. و يمكن التوصل إلى هذه النتيجة بسهولة عن “صورة تجمع بين “جون ماكين” و”أبو بكر البغدادي” طريق مقارنة كلمات الرئيس الأميركي باراك أوباما بأفعاله.في خطاب الاتحاد الأخير أمام الكونغرس، قال الرئيس الأميركي حول الوضع في الشرق الأوسط : “عوضا عن إرسال قوات أرضية كبيرة عبر البحار، نتشارك مع دول من جنوب آسيا إلى شمال إفريقيا من أجل الحيلولة دون تأمين ملجأ آمن للإرهابيين الذين يهددون أميركا. في العراق و سورية، تعمل القيادة الأميركية، بما فيها قوتنا العسكرية، على إيقاف تقدم داعش”حسب ما يزعم . لا يثير هذا الكلام المخادع سوى ابتسامة مقتضبة. و يكفي فقط أن تقرأ العناوين الحديثة في الصحف لتفهم كيف تخوض واشنطن “قتالا فعالا” ضد داعش و تهزمها. و علاوة على ذلك، إنها الولايات المتحدة التي كانت لها يد في خلق منظمات إرهابية مثل القاعدة و داعش الاجرامي.و إليكم حقيقة معروفة جدا و لكن ذات مغزى. ففي السابع و العشرين من أيار 2013 قام السيناتور الأميركي جون ماكين بدخول سوريا بشكل سري عبر تركيا، و التقى في مناطق المتمردين برئيس الأركان لما يسمى الجيش السوري الحر ،سليم ادريس، إلى جانب قادة آخرين من المجموعات المسلحة. و في ذاك الوقت، كان الجيش الحر لا يزال متحالفا مع القاعدة التي تمثلها داعش و جبهة النصرة. و كل هذه المجموعات كانت تلقى الدعم من الولايات المتحدة، فرنسا، تركيا و حكومات عربية خليجية أخرى كالسعودية وقطر وغيرها.و بعد وقت قصير، قامت ثلاث عشرة من أكثر المجموعات نجاحا في الجيش الحر ، و بأوامر من المستشارين الأميركيين، بمغادرة التحالف المعارض و خلق جبهة جديدة أطلقوا عليها تسمية “التحالف الإسلامي”، مع جبة النصرة، فرع القاعدة في سوريه، في قيادة المجموعة .و فيما بعد حدث أمر آخر أكثر غرابة ، إذ رفض فرع آخر من القاعدة ،داعش، الانصياع إلى القائد أيمن الظواهري و بدأ إتباع سياسة مستقلة ، أسفرت في التاسع و العشرين من حزيران 2014 عن الإعلان عن “الخلافة الإسلامية” في الأراضي التي احتلوها في العراق وسوريه. الآن يخوض البنتاغون قتالا زائفا ضد داعش، التي أصبح اسمها الدولة الإسلامية، و يقوم على نحو دوري بإلقاء القنابل على الصحارى العراقية و السورية. و لم يعد الإعلام الأميركي يقدم معلومات عن الإرهابيين المنهزمين الذين اعتاد التحدث عنهم إلى دافعي الضرائب الأميركيين مع نشوة النصر.و ليس هذا بالأمر المفاجئ إذا أخذنا بعين الاعتبار عدد الوثائق الأميركية حول هذا الموضوع. فعلى سبيل المثال، و في مقابلة مع صحيفة أرجنتينية ،كشف مؤسس موقع ويكيليكس ،جوليان أسانج ، عن عدد من الوثائق السرية، و التي تشير إلى قيام البيت الأبيض بالتدخل مباشرة في خلق داعش و تدمير الحضارة في العراق و سوريه و انقلاب أوكرانيا. و من بين الوثائق برقيات دبلوماسية تكشف أن الظروف من أجل حرب في الشرق الأوسط قد خلقت في الإدارة الأميركية و وزارة الدفاع و السي آي ايه. و نصوص البرقيات تضم دليلا على رعاية داعش من قبل الولايات المتحدة في القتال ضد الرئيس السوري بشار الأسد. و يرى جوليان أسانج أن الهدف الأميركي هو السيطرة على حقول النفط في العراق وتطويق إيران في سعيها لتعزيز موقعها الجيوسياسي. و وفقا لمعلوماته، قررت واشنطن خلق منظمة إرهابية خطيرة، في محاولة أخرى للسيطرة على كل الحكومات في المنطقة.و فيما يلي عبارة أخرى، أطلقها باراك أوباما في حديثه أمام الكونغرس، تستحق التوقف و التأمل: ” ثانيا، نحن نظهر نفوذ القوة و الدبلوماسية الأميركية. إننا ندعم المبدأ الذي يرفض تنمر الدول الأكبر على الأخرى الأصغر” .انه أمر واضح ، و لهذا تضم كل واحدة من دول الخليج قاعدة عسكرية ضخمة، حيث “يعمل” مستشارو البنتاغون و السي آي ايه بلا كلل على المراقبة و السيطرة عن قرب على سلوك القادة المحليين. و يكفي القول أنه حديثا و بمساعدة هؤلاء المستشارين ، كان هناك تغيير في أمراء قطر، فعندما رأوا بأن الأب ليس مسنا جدا ولكنه لم يعد في الجانب الأميركي “الجيد”، أتوا بابنه تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني. و تجدر الإشارة إلى أن حاكم قطر الجديد لا يملك خبرة كافية لإدارة بلده في هذه المنطقة الصعبة، و لهذا ينصت إلى اقتراحات واشنطن و الكثير من مستشاري الولايات المتحدة.و للصدفة أن هؤلاء المستشارين كانوا مستقرين بشكل مريح في قاعدة “العاضد”. الاسم الآخر لهذه القاعدة العسكرية الأميركية، الواقعة غرب العاصمة القطرية الدوحة، هو مطار أبو نخله. و في جوهرها، “العاضد” قاعدة تحالف القوى المؤيدة للغرب في الخليج الفارسي.و هناك حقيقة أخرى هامة مفادها أنه تم عام 2003تحويل قاعدة “العاضد” القطرية في قاعدة الملك سلطان الجوية في السعودية إلى مركز تدريب أميركي للعمليات الجوية في الشرق الأوسط. و خلال حرب الولايات المتحدة في العراق و أفغانستان ، تحولت القاعدة إلى مركز قيادة و معسكر احتياط لقوات التحالف.

في السابع عشر من تموز 2012 ، قالت صحيفة وول ستريت في مقال خصص للحديث عن رادار الصواريخ الأميركي في قطر: “سوف تحسن محطة الرادار هذه من نظام الدفاع الصاروخي المصمم لحماية مصالح الولايات المتحدة و حلفائها”. هذا التقرير حول إنشاء رادار الصواريخ الأميركي في موقع سري في قطر ليس سوى دليل آخر على أن السياسة الخارجية الأميركية تضم إستراتيجية مشربة بالروح العسكرية تشكل تهديدا لأمن المنطقة برمتها، لأن الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة زادت عدد القواعد العسكرية في الشرق الأوسط و خاصة في الخليج الفارسي.و بشكل عام ، في منطقة الخليج توجد إمارات صغيرة جدا، و وصل عدد جنود الولايات المتحدة إلى حوالي أربعين ألفا: 7500 في قطر، 5000 في البحرين، حوالي 3000 في الإمارات العربية المتحدة، و أقل بقليل في السعودية و عمان. باختصار، في مناطق لا يوجد فيها أية عمليات عسكرية ، ينتشر 235000 جندي أميركي خارج حدودهم و يتمركز 175000 في قواعد في أوروبا و آسيا و الخليج الفارسي. “حفظ السلام في المناطق” يتم تحقيقه ب 11% من الجيش الأميركي.مثال آخر على ديماغوجية واشنطن تجلى في المحادثة الهاتفية بين الرئيس الأميركي باراك أوباما و الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز آل سعود، و فيها قال القائدان أن “الصراع المسلح في اليمن يجب أن ينتهي بأقصى سرعة ممكنه”. و لكن الرياض، التي قامت بدون استفزاز مسبق بالهجوم على اليمن، هي من يقوم يوميا بقصف مدن آمنة و قرى و بلدات، ما أسفر عن تزايد عدد الإصابات في اليمن الذي لم يكن ذنبه سوى أن “الذئب السعودي يريد افتراسه”.و لكن لا تنسى أن الكثير من المستشارين الأميركيين في القواعد العسكرية يقومون على تدريب و توجيه الطيارين السعوديين ، و يشرفون على عمليات إصلاح و صيانة السلاح الجوي، و يوفرون المعلومات حول الأماكن التي يجب ضربها في اليمن. و الصحافة الأميركية ذكرت أن طياري الاستخبارات السعودية تلقوا معلومات من الأقمار الصناعية الأميركية. و إضافة إلى كل ذلك تمتلئ المستودعات بالأسلحة الأميركية ، ما يشير إلى أن الاختلاف بين كلمات و أفعال إدارة واشنطن فيما يتعلق بمنع الدول الأكبر من التنمر على الأخرى الأصغر أصبح أوضح.و يبدو أن ذاكرة واشنطن لا تستطيع العودة بضع سنوات للوراء، إلى زمن بدء الاضطراب في البحرين و قيام السعودية مباشرة بإرسال جنود إلى الإمارة الصغيرة بالحجم و تعداد السكان. و لأسباب معينه لم نسمع صرخات الديمقراطيين حول هذا الانتهاك للقانون الدولي و خاصة حقوق الإنسان. و من الواضح أن سياسة الادراة الأميركية العدوانية في الشرق الأوسط، خاصة في منطقة الخليج، تهدف إلى تحقيق أهداف بعيدة المدى في المصطلحات السياسية و الاقتصادية و الإستراتيجية.الرئيس الديمقراطي باراك أوباما، و الذي قال مع وصوله إلى المشهد السياسي أن رؤيته لقضايا الشرق الأوسط أكثر تقييدا من سلفه، غير أن تصرفاته اللاحقة أظهرت أنه في هذا السياق اتبع إستراتيجية و مبادئ السياسة الخارجية للقادة الأميركيين.الديماغوجية في النهاية محاولة لتبرير السياسة العدائية لقادة البيت الأبيض أمام المجتمع الدولي.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.