الخلافات أكبر من الإتفاق أردوغان ليس أكثر من ظاهرة بهلوانية … خلفيات الإتفاق الأمريكي التركي لا بد من إعادة ترتيب التوازنات

1439319200

أتى الإتفاق الاخير الذي ابرم بين الجانبين الامريكي والتركي لمحاربة الارهاب في وقت تعيش فيه الحكومة التركية الاردوغانية أصعب أيام حكمها بعد مرحلة طويلة من التفرد الكامل بالحكم حيث عدّ البعض وفي ظل اتهامات شبه مبرمة غربية وتركية داخلية للحكومة التركية بالتنسيق مع تنظيم داعش الارهابي وتنظيمات اخرى أن الاتفاق بمثابة نقطة التحول في السياسات التركية تجاه الأزمة في سوريا والعراق ومحاولة لتحسين صورتها الخارجية والمسارعة الى خلط الاوراق الداخلية التركية حتى لا تنجح المعارضة في تركيا في استثمار الفشل الانتخابي الاردوغاني في الانتخابات الاخيرة وتحكي التسريبات التركية عن اتفاق شبه مكتمل ومنذ مدة بين أنقرة وواشنطن والذي وضع لمساته الاخيرة الاتصال الهاتفي الذي جرى بين كل من اوباما واردوغان وينص الاتفاق على اقامة منطقة عازلة في شمال سوريا خالية من التنظيمات الارهابية كداعش والنصرة بطول مئة كيلومتر وعرض يتراوح بين ٤٠ و٥٠ كيلومترا يمتد من بلدة جرابلس إلى مارع السوريتين كما يفتح الاتفاق للأمريكيين قاعدة انجرليك جنوب تركيا لطائرات التحالف الدولي لشن غارات على تنظيم داعش الارهابي في سوريا وبناءا على الاتفاق يمكن لطائرات التحالف والطائرات الامريكية استخدام قاعدة انجرليك الجوية للقيام بطلعات استكشافية ومهام قتالية فوق الاراضي السورية كما ويجيز الاتفاق نفس الامر للطائرات التركية هذا بالاضافة الى ان الاتفاق يتيح للتحالف استخدام قواعد عسكرية في ديار بكر وباتمان وملاطية جنوب شرق تركيا في حال الحاجة كما ويشمل الاتفاق منع طائرات النظام السوري من التحليق فوق هذه المنطقة أما وحدات حماية الشعب الكردية “YPG ” فيحيدها الاتفاق من الاستهداف الا في حال سعت الى تغييرات ديموغرافية في التوزع السكاني داخل المنطقة التي تسيطر عليها.

هنري كيسنجر يقول ان ايران هي من دفعت بكرة النار الى “وسط القاعة”، وبتأثير من تلك “الايديولوجيا الكئيبة والتي تقوم على تسويق الدموع، وايضا بتأثير من تلك الجيوبوليتيكا التي لا تزال تلعب هيستيرياً في اللا وعي” كيسنجر يرى ان الكآبة جزء من البنية الفلسفية والبيولوجية للمنطقة” لان المجتمعات هناك تراهن على ما وراء الموت الاحرى على ما وراء الحياة”، ليضيف ساخراً, “وماذا اذا اكتشفت هذه المجتمعات التي يلاحقها الغيب في كل التفاصيل اليومية ان باب العالم الآخر مقفل منذ الازل” دائما يحاول وزير الخارجية الاميركية الاسبق والذي لا يزال ينظّر حول الشرق الاوسط ان يضفي بعداً لاهوتيا على ايقاع الازمنة في المنطقة, فقد قال ذات يوم ان الصراع فيها هو بين نصف الله و النصف الآخر، وحين تدخّل في عهد الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد من اجل صياغة التسوية الكبرى، كان يوحي بأنه “مبعوث من الله” وليس مبعوثا من البيت الابيض، بحسب ما قال الديبلوماسي المستعرب جورج بول، وقد لاحظ ان هنري كيسنجر يقدر ما كان يهوديا “هائلاً” كان اميركياً “هائلا” بحيث مازح احد الحاخامات سائلا ما اذا كان الله قد انتقل بعد هيروشيما الى البيت الابيض, على الضفة الاخرى، ثمة منظّر آخر هو زبغنيو بريجنسكي الذي اذ يعدّ ان الحروب التي تنشب في الشرق الاوسط هي “لمصلحتنا” لانها تنهك كل الاطراف المتورطة فيها، يرى ان الازمة الاقتصادية في عام 2008 جعلت الامبراطورية تبدو وكأنها تتجه الى “مبدأ مونرو” (1823)، وحيث “العودة الى المنزل الاميركي” لان العالم مرهق وعاق, لن يتكرر نموذج فيتنام، ولا نموذج كوريا، ولا نموذج افغانستان، يقول بريجنسكي ان التكنولوجيا العسكرية في الولايات المتحدة تتطور على نحو اسطوري المشكلة هنا ان خارطة العالم، وهي خارطة الاسواق الآن مثلما هي خارطة الثروات، باتت اكثر تعقيدا بكثير, ويرى ان ما يشغل العقل الاميركي “الصين” فانه التنين الذي انتقل او ينتقل من الميتولوجيا الى الواقع في هذه الحال، لا بد من اعادة ترتيب التوازنات والمعادلات، من اجل ذلك امضى جون كيري كل تلك الايام الديبلوماسية الطويلة، والشاقة، مع محمد جواد ظريف، من اجل عقد الاتفاق الذي كان اكثر من ضروري للحاجات المستقبلية الاميركية, بريجنسكي الذي قلما يضحك، قال انه ضحك طويلا عندما رأى كيري يدخل الى ردهة المفاوضات على العكاز كما لو انه كان يختزل اميركا في تلك اللحظة اميركا التي تلاحقها المشكلات من كل حدب وصوب وقال “حسنا ان القدر جعل رجله هي التي تتحطم وليست يده كيف كان يمكن ان يوقّع في هذه الحال” في نظر بريجنسكي الا تسويات و لا حلول في الشرق الاوسط قبل منتصف القرن، اي بعدما يتصدر التنين (لا الدب القطبي) المشهد آنذاك تغدو الطريق مشرعة امام البلقنة, روسيا “دولة اقليمية كبرى” منذ زوال الامبراطورية السوفياتية لم تعد قوة كونية, اما الصين فهي تزحف الى القمة, فهل تنتظر ازمات المنطقة الى منتصف القرن, لعل الموتى في هذه الحال هم من يتبادلون القبلات، وكان توماس فريدمان قد قال ان الشرق الاوسط ضائع بين الازمات المستحيلة والتسويات المستحيلة ما دام الرهان على حرب عالمية كالحرب العالمية الثانية التي وضعت حدا للحرب الاهلية الاسبانية اكثر من ان يكون عبثيا واكثر من ان يكون خياليا, زوار محمد حسنين هيكل ينقلون عنه ان هناك انظمة في المنطقة تعتقد ان بقاءها رهن بصناعة الحروب، وسواء كانت حروبا ايديولوجية(بالدرجة الاولى) ام حروبا استراتيجية، ودون ان تدري ان الحروب تهدد بقاءها ايضا, هيكل يرفض ذلك الطرح الاوروبي الذي يقول “العراق لايران وسوريا لتركيا”، ليس فقط لان السؤال البديهي، في هذه الحال، اين السعودية واين اسرائيل في مثل هذه الصفقة؟،ولكن لان العراق لم يعد العراق و سوريا لم تعد سوريا, وفي نظره ألّا احد يستطيع ان يرث سوريا سوى السوريين الآن، العراق ما قبل الدولة وما قبل النظام، وسوريا ما قبل الدولة وما قبل النظام، ودون ان يرى في رجب طيب اردوغان اكثر من ظاهرة بهلوانية، فالايرانيون البعيدون عن سوريا لا يمكن لهم ان يضعوا يدهم عليها الاتراك يعتقدون ان حلب “ستعود” الى الحظيرة العثمانية لا عودة عن ذلك, هيكل،وكما ينقل زواره، يقول ان تجزئة سوريا او بلقنتها تعني، حتما، تجزئة وبلقنة الشرق الاوسط حتى اشعار اخر، الازمة المستحيلة والتسوية المستحيلة الغرابة ان الاميركيين يرسمون الخطوط الحمراء امام السلطان العثماني, العرب او بعضهم يفتح الباب امام “الباب العالي” أن المعركة الكونية التي اجتمع لها العالم لإسقاط سورية ستفشل لأنها معركة ضد محور المقاومة، أما من جهة أخرى، فإن امبراطورية روما الجديدة ستفشل، لأن توقعاتها التي تقوم على مناهج ونظريات علم الاجتماع السياسي والعلم العسكري تغفل أمرا غاية في الأهمية، بل والخطورة أيضا، ألا وهو عامل المقاومة، لأنه المعامل الرئيس في معادلة النصر والهزيمة في حروب منطق القوة ضد منطق الحق، وبه تتحول الحرب إلى حرب السماء، وبعيداً عما تروج له امريكا حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وما شاكل، لأن من يناضل من أجل هذه القيم النبيلة والمشروعة يناضل سلميا حفاظا على البلاد والعباد، أما الذي يستجدي النصر من أمريكا وحلفائها وأدواتها، ويرفع السلاح في وجه الدولة، فهو إرهابي لا دين له، ومرتزق لا قضية له، يسعى بانتهازية لا أخلاقية وراء المنفعة الشخصية، ويقدم نفسه في سبيل ذلك عميلا حقيرا، لا يهمه أن يبيع الوطن والشعب على مذبح السلطة والثروة، وقد أثبتت “المعارضة اللقيطة” بجناحيها السياسي والإرهابي هذه الحقيقة بوضوح وجلاء، سواء من خلال ارتهانها لعملاء السفارات وذئاب المخابرات، أم من خلال تعاونها مع “إسرائيل” وتنازلها عن الجولان السوري المحتل، وتعهدها بقطع العلاقة مع إيران ومحاربة حزب الله في لبنان، ثمنا لتوليها السلطة في دمشق, اليوم أثبتت الأحداث صوابية هذه الرؤية، لأنه وفق منهجية التقييم التي تعتمدها الولايات المتحدة والغرب عموما لتحديد الهزيمة أو الانتصار، فإن الإنجاز الذي تحققه الحروب العسكرية منها أو الاقتصادية سواء، إنما يتم تقييمه من خلال النتائج التي تحققها الأهداف المعلنة، والتي يراد من خلالها إجبار الخصم على الاستسلام كما هو الحال بالنسبة لسورية، أو التخلي عن حق وتبني سياسات معينة كما هو الحال بالنسبة لإيران, وبالتالي، فنحن اليوم وفق هذا المنطق، أمام هزيمة كبرى لإمبراطورية روما الجديدة ومن معها في إيران وسورية بعد هزيمة لبنان المذلة، وهذا باعتراف المحللين في مراكز الدراسات وكبريات الصحف الغربية، ولا حاجة للتذكير هنا بما حققه حزب الله في حرب تموز 2006، أو ما حققته إيران في ملفها النووي من دون أن تتنازل عن ثوابتها وألزم المفاوضين بها، ولا ما حققته سورية بصمودها الأسطوري وانجازاتها الميدانية التي لا يستهان بها عندما سقطت على أسوار دمشق كل مشاريع الخراب واستراتيجيات الوهم، وخرج الرئيس الأسد قويا منتصرا بفضل صبره وثباته وحزمه وعزمه وحسن إدارته للحرب العالمية الثالثة التي شنت على بلاده.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.