ذاكرة الزمن بريطاني يصف أحوال بغداد بعد ثورة العشرين

عحهخحه

سيرك بورتر (1895-1967م) مهندس عسكري وضابط في الجيش الإنكليزي عاش في مدة وجود المس بيل في العراق لكنّه كان مختلفاً معها وناقدا لعنجهيتها وتعاملها مع الناس بتعالٍ واضح المعالم. هذا الرجل كان على العكس من مس بيل تماما فقد عشق العراق وعرف قيمته التاريخية وعظمة وجوده كبيئة ومجتمع، فتزوج في العراق وعاش فيه ومات في عام 1967م ودفن في بغداد. كان هذا الضابط يُراسل أخته الكبيرة واسمها دورا والتي كان يكن لها احتراما وحبَّا مميزا فكانت رسائله صادقة بما تحويه من مذكَّرات ومواقف تعدُّ بحق سجلا لتاريخ بغداد السياسي والاجتماعي في تلك المدة ورسائله كانت محفوظة لدى ابنته آمل بورتر، وهي امرأة من أمٍّ عراقية وأبٍ انكليزي، كما أشرت جَمَعَتْ رسائله وعرَّبتها ونشرتها في كتاب جاء تحت عنوان «العراق ما بين الحربين العالميتـــين} طبعته دار ميزوبوتاميا عام 2008 وكتب مقدمته الدكتور علي ثويني, ومن جملة الرسائل العديدة والمتنوعة نقتطف هنا بمناسبة مرور ذكرى الثورة العراقية الخالدة [ثورة العشرين] مقتطفات من رسائل بورتر الى اخته وهو يصف بغداد بعد هدوء تلك الثورة فيقول: الان وبعد انتهاء الحرب تماماً تحاول إدارة القوات إيجاد حكومة مناسبة, وتضارب الاراء والمصالح يعيق كل شيء وهذا البلد مقسم في أفكاره وتطلعاته، لقد انتهت الاضطرابات (يُسمي الثورة اضطرابات )
وكانت في أوجها في شهر حزيران وتموز وربما ما كانت تحدث لو لم يكن( ولسن) – وهو يقصد الحاكم الملكي العام بالوكالة الذي حل مكان السير بيرسي كوكس الذي تم نقله الى طهران كسفير للملكة البريطانية – بهذا الاجحاف والتجبر والقسوة، ان كوكس كان اكثر تفهما (وهو يقارن هنا بين الحاكمين السابق كوكس واللاحق ولسن) الذي لم يكن متفهما للوضع وكان سببا في نشوب ثورة العشرين ضد الانكليز) ثم يعود فيقول معبرا عن رأيه بالأمة العراقية التي رآها في حينها ويأمل في رسائله ان يكون الإنكليز أكثر مصداقية بتعاملهم مع العراق فيقول: ما يدور حولي هو انبعاث أمة عريقة، ويبدو أنَّ انبعاثها وعودتها الى الحياة لن تتمَّ بالطريقة التقليدية المتعارف عليها ولا أدري ان كانت ستبعث.وهي في كامل نضوجها، أم ستبقى طفلة بحاجة الى الدعم والمساندة ومما أراه حولي أستطيع القول اننا لن نترك هذه الامة لتشق طريقها بنفسها سنمنحها العكازات وأرجو ان تكون هذه العكازات مؤقتة لا التي تسلبها استقلاليتها واعتمادها على النفس.ص40وبالنظر لكون الاتراك قد أهملوا البلد تماما فان عملية إعادة البناء بعد الحرب نظرية غير مجدية من وجهة نظر سيرل وعليه لابدَّ من الانشاء الجذري لغرض خلق حياة وادارة مدنية جديدة. يعود فيصف بغداد في رسالة الى أخته نهاية عام 1920 قائلا: بغداد خضراء تماما، البساتين اكثر من البيوت, البيوت مسيَّجة بالأسوار العالية إلَّا الاكواخ الطينية فهي في العراء تماما وتحرسها الكلاب، لكل فلاح كلب. تقع بيوت العامة في وسط المدينة، في أزقة حكيت لك عنها وبيوت بعض الاغنياء كذلك، لكنها تحتل مساحة أكبر ودائما تحاط بالأسوار والأسلاك الشائكة، بعد اجتياز البوابات الخارجيَّة، تسحرك الحدائق المنزلية الجميلة المنسقة.قبل أيَّام قمت بزيارة لعائلة مسيحيَّة من طائفة السريان، هذه العائلة عربية تماما وتعتز بأصلها العربي وفيما بينهم ( اي العائلة) يتكلمون العربية فقط.
ولكن مجاملة لنا دارت أغلب الأحاديث بالانكليزية قال لنا مضيفنا بان هناك ما لايقل عن 80 ألف مسيحي في ما بين النهرين وربما 90 ألف يهودي، أما البلاد كلها فنفوسها لا تتجاوز ثلاثة الملايين.. ظلت اطباق الطعام تدور وحسبت اثني عشر طبقا مختلفا وتوقفت عن الحساب، وبعد انتهاء الطعام قادونا الى شرفة تطل على نهر دجلة حيث دِلال القهوة مرصوفة ورجل يعد القهوة فقدموا لنا القهوة في أقداح صغيرة جدا (تُسمَّى فناجين) وتجرعتها بصعوبة فهي محضرة بطريقة تختلف عن اي قهوة في العالم. اما عن هوايتي المفضلة فقد عدت لمزاولتها اذ وجدت في أسواق بغداد علبة الوان مائية مع عدد من الفرش وأوراق مناسبة، سأحاول رسم أبواب بغداد القديمة التي لم يبق منها الكثير، كالباب الشرقي الذي تغيَّر اسمه الى الباب الجنوبي، وباب المعظم الذي لم يبق منه سوى قاعدة صغيرة وغيرنا اسمه الى الباب الشمالي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.