ريتشارد فلاناجان: الرواية تتخطى مواقف كاتبها

قال بورخيس: لا شيء أكثر ثانوية عند انجاز كتاب من نوايا كاتبه، وفي النهاية أعظم ما يخرب الروايات ليس فقط ما يعتقد المجتمع أنه صحيح بل ما ينوي الكاتب مسبقاً أن يكتبه. ولماذا؟ لأنه عندما تنجح الرواية تأخذ كاتبها وراء تاريخه الشخصي وشخصيته، وتتخطى أغلال مواقفه السياسية وآرائه، وستجعل كيمياء القصة روحه البشرية تندمج مع جميع البشر، ولهذا السبب لا يمكن اختزال قصص كبلينغ في إمبرياليته، ولا نفي عبقرية دوستويفسكي لمعاداته للسامية.ترجمة: إيهاب قريبة
بعض الكتاب كائنات سياسية، والبعض لا، ولكن هذا يوجهنا قليلاً، فقد يكون للكتاب السيئين سياسات جديرة بالاعجاب، بينما الأمر بالطبع ليس كذلك بالنسبة لكتاب مثل هامسون وباوند [2]، وقد تلعب الكتب العظيمة دور سيارات الحملات التوعوية العظيمة، فبالتأكيد أدت “مذكرات صياد” لتيرجينيف [3] إلى إعتاق العبيد، وكذلك الأمر بالنسبة لأعمال ديكنز، ومن المفارقات أنه يمكن للكتب المكتوبة لمعارضة السياسة ومساءلة أساستها أن تصبح في المجتمعات المكبوتة والاستبدادية محملة بأهمية عظيمة، ويتذكر المرء روايات مثل دكتور جيفاكو أو الحياة والمصير (والتي أصدر رئيس شرطة الإتحاد السوفيتي مرسوماً ينص على منع قراءتها لمدة مئتي سنة).
لكن لم تعد بعد ذلك معتقدات تيرجينيف أو ديكنز السياسية هي ما يدفعنا للقراءة لهؤلاء الكتاب، ولا اضطهاد باستيرناك أو مصادرة رائعة جروسمان [4] ما جعل لهذه الكتب قيمة، فمازالت هذه الكتب تقرأ لأنها على الأغلب وببساطة عرفت بكونها صادقة لفوضوية / عبثية الحياة، ومتى ما استطاعت رواية تحقيق ذلك فلن يمكن اختزالها لأيدولوجية، وستبقى دائما عدوة للكذب والطغيان.
ليست الكتابة عذرا للكاتب عن تبني خيارات ومواقف سياسية، لكنها غير مطلوبة منه، فهذه الأمور بين الإنسان وروحه، وعلى الكاتب مواجهتها جنبا إلى جنب مع السباك ومصفف الشعر والمدير التنفيذي، وعادة وعلى غير المتوقع يكتب الكتاب المهتمون بجعل السياسة جزءا من عملهم أعمالا منعزلة عن سياسات عصرهم، بينما يكتب الكتاب الذين لا يهتمون بالسياسة في بعض الأحيان بشكل أكثر إدراكا لعصرهم، فمثلاً أضاعت الأجيتبروب [5] عشرينات القرن العشرين، ولم يتنبأ أحد بفطانته بالكارثة السياسية المدمرة التي تلوح ما عدا كافكا، الرجل الذي وثق بداية الحرب العالمية الأولى -أكثر حدث تاريخي دلالة في حياته- باحساس إنساني دقيق “الصباح: أُعلنت الحرب. بعد الظهيرة: ذهبت للسباحة.”
تقسمنا الكثير من القوى في هذا العالم بعمق وبشكل مهلك، فنعيش في الوقت الراهن فيما هو ليس إلا كارثة سياسية متمثلة في انهيار معظم القيم الإنسانية والتعاطف، ويظهر الانهيار الكارثي أحياناً كأزمة حب تتمثل في تفشي الوحدة والاكتئاب، ويبدو هذا الحدث الغريب أكثر وضوحاً في الغرب في الولايات المتحدة الأمريكية البلد حيث أصبح التشاؤم حول مستقبل الرواية أكثر تقاليدها الأدبية استمرارية.
لا نستطيع الهروب من السياسة والتاريخ والدين والوطنية، فمنابعهم عميقة في قلوبنا كالحب والطيبة، وربما أعمق، ولكن الفن في أفضل الأحوال هو ما يذكرنا بكل ذلك الذي نتشاركه وما يجمعنا سوية.
لهذا السبب الكتب مهمة، ولهذا السبب ليست الكتب مجرد عنصر من عناصر الحداثة أو قائمة متممات الشهرة ومنصة تسويق أخرى للشهرة والقوة، فتبين لنا الكتب العظيمة -في عالم فيه الطريق إلى استبدادات جديدة معبدة بخوف الآخرين- أننا لسنا وحيدين ولسنا مختلفين بشكل كبير، وأن ما يجمعنا سوية دائما أكثر أهمية مما يفرقنا، وأن الاضطهاد الفاحش هو ثمن الأبدي للافتراق.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.