كريمة أهل البيت “ع” .. شذرات من حياة السيدة فاطمة المعصومة “ع”

ggut

ولدت في مثل هذا اليوم الطاهرة،الحميدة،البرّة،الرشيدة،التقيّة،النقيّة،الرضية،المرضيّة،السيدة،أخت الرضا (عليه السلام) ،الصدّيقة،سيدة نساء العالمين. السيدة فاطمة المعصومة (ع) في المدينة المنوّرة في غرّة شهر ذي القعدة الحرام أما سنة الولادة فقد تضاربت فيها الأقوال وهذا ما سنبيّنه لاحقاً. وبالنسبة لأوصافها التي ذكرنا فقد أطلق أكثرها على أمّها فاطمة الزهراء (ع)، ولاسيما الأخير منها، فإنّ فاطمة الزهراء (ع) هي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، كما أطلق على السيدة مريم بنت عمران (ع)، وقيّد ـ كما في الروايات ـ بأن سيادتها على نساء العالمين إنّما هو خاصّ بنساء زمانها، ولذا ينبغي التخصيص في إطلاقه على فاطمة المعصومة (ع) أو يقال بالتخصص إذ من المعلوم أن مقام فاطمة الزهراء (ع) لا ترقى إليه أي من النساء، فإنّها بضعة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وروحه التي بين جنبيه. وعلى أي حال فإنّ تسميتها فاطمة ووصفها بالمعصومة وكريمة أهل البيت (ع) من قبل المعصومين دلالة على المقام الرفيع الذي بلغته هذه السيدة الجليلة.
الولادة وتضارب الروايات
في بيت الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) ولدت سليلة الطهر والعفاف فاطمة المعصومة، وكانت الظروف التي ألمّت بأهل البيت (ع) آنذاك عصيبة جداً إلى حدّ غاب فيها عن المؤرخين والرواة تسجيل أحداث الولادة وتأريخها، أو ذكر شيء ممّا يتعلّق بها.ذكر بعض المؤلفين ـ ونسبه إلى المؤرخين ـ أنّ ولادتها عليها كانت سنة 183هـ، هي السّنة التي استشهد فيها والدها الإمام الكاظم (ع)، في قول أكثر المؤرخين. وعلى هذا فلم تحظ السيدة المعصومة بلقاء أبيها (ع) ورعايته، وعاشت في كنف أخيها وشقيقها الإمام الرضا (ع) وصيّ أبيه والقائم مقامه. واستبعد بعضهم ان تكون ولادتها (ع) في تلك السنة،لأن السنوات الاربع الاخيرة من عمره (ع) ـ على أقل التقادير ـ كان فيها رهين السجون العباسية، مضافا الى انه قد ذكر ان للإمام الكاظم (ع) اربعا من البنات ، اسم كل منها فاطمة، وان الكبرى من بينهن هي فاطمة المعصومة (ع)،ولذا فلابدّ ان تكون ولادتها قبل سنة 179هـ وهي السنة التي قبض على الإمام (ع) وأودع السجن. ولكن بالالتفات الى احتمال ان هؤلاء الفواطم الثلاث ـ غير الكبرى ـ لسن من أم واحدة، بل من أمهات شتى، فلا استبعاد في ان تكون ولادتهن في سنة واحدة. على انه يمكن القول بأنه قد قبض على الإمام (ع) وأمهاتهن حوامل بهن،وكانت ولادتهن بعد سنة 179هـ، وان فاطمة المعصومة كانت ولادتها في سنة 179هـ. ولكن مع ذلك لا يمكن الجزم بشيء، نعم بناء على ان شهادة الكاظم (ع) كانت سنة 183هـ فمن البعيد ان تكون ولادة السيدة المعصومة في تلك السنة، ولاسيما انها الكبرى من بين أخواتها الثلاث. ولكن قد ذهب آخرون إلى أن ولادتها (ع) كانت في غرّة شهر ذي القعدة سنة 173هـ والقائل بذلك وإن كان من الباحثين الأجلاّء وله باع طويل في التحقيق والتتبع،وأرسل ذلك إرسال المسلّمات إلا أنه لم يشر إلى مستندة في تحديد هذا التاريخ. وبناء على هذا التاريخ تكون السيدة فاطمة قد عاصرت من حياة أبيها عشر سنوات،غير أنّ السنين الأربع الأخيرة من عمره (ع) كان فيها رهين السجون العباسية كما ذكرنا، فلم تحظ منه إلا بست سنوات. ولم تبين المصادر غير هذين القولين في تحديد سنة ولادتها (ع).وعلى أي تقدير فقد فتحت هذه السيدة عينيها على الدنيا في أيام محنة أبيها،وقد أحاطت به الخطوب،فارتسمت حياتها بالحزن والأسى،وإذا كان عمرها (ع) ست سنوات يوم قبض على أبيها فهي في سنّ تدرك فيه غياب الأب عن البنت،وتعي ما يجري في هذا البيت،وما يسوده من الحزن والألم،وما يعانيه أهله من لوعة وعناء،ثم ما يتناهى إلى سمعها من شهادة أبيها (ع) ،وما تلاها من أحداث مروّعة فيعتصر الألم قلبها الصغير،وهي لا ترجو لأبيها عودة إلى البيت،وترى أن هناك أخطاراً تحدق بأهل هذا البيت،وربّما أثار ذلك في نفسها كثيراً من التساؤلات حول ما يجري،ولماذا قصد أبوها بالذات،وأهل بيتها بالخصوص، بأنواع الإيذاء من دون سائر الناس، ولكنّها ما تلبث أن تدرك أن لهذه القضايا جذوراً تمتدّ إلى زمان جدّتها الزهراء (ع). وما كانت السيدة فاطمة المعصومة لتبقى مهملة بلا كفيل، فإنّها وإن فقدت أباها وهي في مقتبل العمر إلا أنّها عاشت في كنف شقيقها الإمام الرضا (ع)،وأولاها عناية خاصّة في التربية والرعاية، حتى غدت أفضل بنات الإمام موسى بن جعفر (ع).ونشأت هذه السيدة تتلقى من أخيها العلم والحكمة في بيت العصمة والطهارة،فأصبحت ذات علم ورواية ومقام.
نشأتها
وكما قلنا حسب بعض الروايات عاشت السيدة المعصومة في كنف والديها الكريمين، تكتسب منهما الفضائل والمكارم،إذ كان أبوها إماما معصوما وليس له في الفضائل والتقوى كفوا أحد، وأمها “نجمة” أيضا من النساء الصالحات المؤمنات التي تعلمت في مدرسة زوجة الإمام الصادق (ع). وكانت معروفة بالتقوى في ذلك الزمان. ومن هنا فقد أشارت “حميدة” أم الإمام الكاظم (ع) على ابنها الإمام بالزواج من “نجمة”. كانت السيدة المعصومة تستفيد كل يوم من والدها وأخيها المعصومين (ع) وأمها التقية العالمة بحيث وصلت إلى مقام رفيع من العلم والفضيلة وصارت عارفة بالكثير من العلوم والمسائل الإسلامية في أيام صباها. في أحد تلك الأيام أتى جمع من الشيعة إلى المدينة لكي يعرضوا بعض أسئلتهم الدينية على الإمام الكاظم (ع) ويأخذوا العلم من معدنه،ولكن كان الإمام الكاظم وكذلك الإمام الرضا (ع) مسافرين،ولم يكونا حاضرين في المدينة. فاغتم الجمع،لأنهم لم يجدوا حجة الله ومن يقدر على جواب مسائلهم،واضطروا للتفكير بالرجوع إلى بلدهم. وعندما رأت السيدة المعصومة (ع) حزن هؤلاء النفر أخذت منهم أسئلتهم التي كانت مكتوبة،وأجابت عليها،وعندئذ تبدل حزن الجماعة بفرح شديد ورجعوا ـ مع ظفرهم بجواب مسائلهم ـ إلى ديارهم راجحين مفلحين. ولكنهم في الطريق وفي خارج المدينة التقوا بالإمام الكاظم (ع) وحدثوه بما جرى عليهم. وبعد ما رأى الإمام جواب ابنته على تلك المسائل أثنى على بنته بعبارة مختصرة قائلا:”فداها أبوها”.
بداية المحنة
كان حكام ذلك الزمان يؤذون أبناء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرا، وخاصة الإمام الكاظم (ع)،إذ لاقى من حكام الجور ألماً وقسوة كثيرة ودخل في محن ومصائب عظيمة. وهذه الآلام والمحن كانت تؤلم القلب الطاهر للسيدة المعصومة (ع)، وكان المسلي الوحيد لها وللعائلة هو أخوها المفدى الإمام الرضا (ع). فقد صادفت أيام حياة الإمام الكاظم (ع) عهد خمسة من حكام العباسيين الظلمة، وهم: أبو العباس السفاح ، والمنصور الدوانيقي ، والهادي، والمهدي ، وهارون. وكل واحد من هؤلاء الطواغيت أذاق الإمام (ع) وسائر العلويين المتقين أنواع العذاب والتنكيل. وعندما ولدت السيدة المعصومة (ع) كانت قد مضت ثلاث سنوات من خلافة هارون العباسي الذي كان له قصب السبق في ميدان الظلم والبطش ونهب أموال المسلمين. وكان تابعا للهوى معجبا بالدنيا. ولم يتيسر للإمام الكاظم (ع) السكوت على ظلم هارون وخيانته للإسلام والأمة الإسلامية لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه وإلا فعليه لعنة الله”،وأخذ الإمام (ع) ينهى عن المنكر،وقام بوجه سياسة هارون الماحقة للدين. وهارون ـ لعلمه بتشدد آل علي (ع) وخاصة الإمام الكاظم (ع) في مقاومة الطواغيت والاستنكار عليهم ـ استنفد كل الوسائل لإخماد صوتهم وأنفق الكثير من أموال المسلمين على الشعراء لكي ينتقصوا منهم. وكان يسجن العلويين أو يبعدهم أو يقتلهم بعد التعذيب الكثير في السجن.وبعد ما استحكمت حكومته الظالمة على البلاد الإسلامية أمر باعتقال الإمام الكاظم (ع) وسجنه. ومن هنا حرمت السيدة المعصومة (ع) من والدها والاستفادة من معينه الصافي وذلك في أواخر حياته الشريفة، وشعرت بالحزن الشديد على فقده. وكان عمرها حينذاك أقل من عشر سنوات،وكانت تحترق لفراق أبيها وتطيل البكاء عليه. وكذلك كان يصعب على الإمام (ع) فراق أولاده البررة كالإمام الرضا (ع) والسيدة المعصومة(ع)، فصبر جميل. كان الإمام الكاظم (ع) قد بدل ظلمة السجن نورا بذكر الله، وبدل تلك الأيام الصعبة بالسبحات الطويلة إلى أجمل الأيام. ولكن قلبه كان يخفق في السجن عندما يتذكر ابنته المعصومة ويشتاق إلى لقائها. في السنتين الأخيرتين من حياة الإمام الكاظم (ع) كان ينقل من سجن إلى سجن. بقي (ع) في سجن عيسى بن جعفر والي البصرة سنة،وقد أثرت صفاته الحميدة في حارس السجن بحيث اعتزل الحارس من حراسة السجن. بعد ذلك حمل الإمام (ع) بأمر هارون إلى بغداد وسجن عند فضل بن الربيع ثم عند الفضل بن عيسى. وأخيرا نقل إلى سجن السندي بن شاهك. وسبب التنقل بين هذه السجون هو أن هارون كان يأمر صاحب السجن بقتل الإمام (ع) ، لكن لم يقدم بل ولم يقدر أحد من هؤلاء على هذا العمل الشنيع وأبى كل منهم عنه. إلى أن سمه السندي بن شاهك بأمر من هارون. كان هارون يعرف أن الناس إذا علموا بقتل الإمام (ع) على يديه ستكون له عواقب خطيرة. فبدا له مكر بأن يأتي بجماعة من الشيعة قبل استشهاد الإمام (ع)، لكي يشهدوا أن الإمام (ع) مريض ويجوز أن يتوفى بمرضه ولا يكون موته مستنداً بقتله من أحد. لكن يقظة الإمام ومعرفته بعواقب الامور قد فضحت هارون، فإنه (ع) مع شدة تأثير السم في بدنه الشريف قال لمن حوله:”لقد سمني هذا الرجل بتسع تمرات وسيخضر بدني غدا وسأقضي بعد غد”.
في رحاب العلم والمعرفة
عاشت السيدة فاطمة المعصومة (ع) في كنف أخيها الرضا (ع) ورعايته مدّة من الزمن تمكّنها من تلقّي التربية والتعليم اللائقين بمقامها على يد أخ شقيق لم يكن في علمه ومقامه كسائر الناس، فهو الإمام المعصوم وهو المربّي والمعلم والكفيل. وهذه المدة وإن لم تخلُ من مضايقات عانى منها الإمام الرضا (ع) الشدائد والمحن وإن لم تصفُ له ولم تخلُ من المضايقات إلا أن من اليقين أنه (ع) قام بدوره مربّياً ومعلّماً وراعياً وكفيلاً، وفي طليعة من ربّاهم الإمام (ع) وعلّمهم شقيقته السيدة فاطمة المعصومة، فأخذت عنه العلم والمعرفة والفضائل والمناقب،حتى غدت ذات شأن عند الله تعالى كما جاء في زيارتها (ع)، وأنّ شفاعتها كفيلة بإدخال الشيعة بأجمعهم إلى الجنة،كما تحدّث بذلك جدّها الإمام الصادق (ع). وقد كان لها (ع) بأخيها الإمام الرضا (ع) صلة خاصّة قلّ نظيرها كما كشفت عنها الروايات والأحداث. وإنّ من أهمّ أسباب بلوغها هذا المقام الشامخ علمها ومعرفتها بمقام الإمامة والإمام، وقد كان إمام زمانها شقيقها الإمام الرضا (ع) الذي تولّى تربيتها فعلى يديه نشأت، وعنه أخذت، وتحت إشرافه ونظره ترعرعت، وبأخلاقه وآدابه سمعت وتكاملت. ولذا تميّزت الصّلة بينهما بحيث أصبحت تعرّف نفسها بأنّها أخت الرضا(ع). وهما وإن كانا ينحدران من أب واحد وأمّ واحدة وذلك أحد أسباب شدّة الصّلة بينهما إلا أن السّبب الأقوى والأتم هو علمها بمقام أخيها وإمامته،إذ أن الرّابطة النسبية تصبح ـ حينئذ ـ عاملاً ثانويّاً بالقياس إلى العلم والمعرفة. وقد نوّه الأئمة (ع) بمكانتها ومنزلتها قبل ولادتها،وبعد أن ولدت وتوفيت. روي عن عدّة من أهل الرّي أنّهم دخلوا على أبي عبد الله (ع)، وقالوا: “نحن من أهل الرّي”، فقال (ع): “مرحباً بإخواننا من أهل قم”، فقالوا:”نحن من أهل الري، فأعاد الكلام، قالوا ذلك مراراً وأجابهم بمثل ما أجاب به أولاً، فقال(ع): “إن لله حرماً وهو مكّة، وإن لرسول الله حرماً وهو المدينة، وإنّ لأمير المؤمنين حرماً وهو الكوفة، وإنّ لنا حرماً وهو بلدة قم، وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمّى فاطمة، فمن زارها وجبت له الجنّة”. قال الراوي: وكان هذا الكلام منه (ع) قبل أن يولد الكاظم (ع). فسلام عليها يوم ولدت ويوم توفيت ويوم تبعث حية مع آبائها وأجدادها الطيبين الطاهرين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.