من الذاكرة السياسية وثبة 1948 أسبابها فقدان الحبوب من الأسواق لسوء إدارة الدولة

خحخهحهخ

سقطت وزارة السويدي، ليؤلف أرشد العمري وزارة جديدة، ادعى حين تأليفها أنها جاءت لإجراء الانتخابات النيابية، لكنها في حقيقة الأمر جاءت لتصفية الحياة الحزبية، وشل الصحافة، والحريات العامة، وبدأت وزارة العمري تمارس سياسة القمع، مما دفع بالأوضاع نحو التدهور من جديد، وجاءت قضية فلسطين، وقرار اللجنة البريطانية ـ الأمريكية القاضي بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود القادمين من مختلف أنحاء العالم، تنفيذا لوعد( بلفور) بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وقد أدى ذلك القرار إلى إثارة الغضب الشعبي العارم في أنحاء العالم العربي كافة، وقيام التظاهرات الجماهيرية الواسعة في بغداد وسائر المدن الأخرى ضد السياسة البريطانية والأمريكية وضد حكومة ارشد العمري الممالئة للإنكليز، المظاهرات التي جرت في 28 حزيران والتي قابلتها الحكومة وأجهزتها بالرصاص، حيث استشهد العديد من المواطنين، وجرح أعداد كثيرة أخرى، وقامت الحكومة باعتقال المئات من المحتجين على سياستها .
وجاءت أزمة الحبوب وفقدان رغيف الخبز في مطلع عام 1947 لتصاعد حدة التناقض بين الشعب وحاكميه، ولترفع من حرارة الغليان الشعبي .
فبسبب سياسة الحكومة الخاطئة ، حيث سمحت بتصدير كميات كبيرة من الحبوب، إرضاءً لكبار الإقطاعيين والملاكين الزراعيين، على الرغم من سوء الموسم الزراعي ذلك العام بسبب شحة الأمطار، ورغم كل التحذيرات التي وُجهت للحكومة من خطورة الوضع، وضرورة منع التصدير ذلك العام، إلا أن الحكومة أغمضت عيونها عن تلك التحذيرات، واستمرت في سياستها المتعارضة ومصالح الشعب وحياته المعيشية، مما سبب فقدان الحبوب في الأسواق، وارتفاع أسعارها، وقد لاقى الشعب صعوبات بالغة في الحصول على رغيف الخبز الذي اشتهر في تلك الأيام ب ( الخبز الأسود ) لكثرة ما خلط فيه من مواد غريبة، وكانت صفوف المنتظرين أمام المخابز تثير الأسى والحزن على ما يلاقيه الناس للحصول على الخبز .
لقد كانت أزمة الخبز أحد الأسباب الرئيسة لقيام وثبة 1948، فقد بلغ السيل الزبى ـ كما يقول المثل ـ وكانت الأوضاع تنتظر من يشعل الشرارة لتنفجر ثورة عارمة ضد نظام الحكم القائم .
وجاء تسرب أنباء عن وصول وفد بريطاني بصورة سرية لأجراء مفاوضات مع حكومة صالح جبر لوضع مسودة معاهدة جديدة تحل محل معاهدة 1930، وتبين أن المفاوضات بين الطرفين كانت قد بدأت في 8 أيار1947 واستمرت حتى 17 منه .
وتم إجراء المفاوضات في قصر الرحاب، تحت أشراف الوصي عبد الإله الشخصي . كما سافر عبد الإله إلى لندن في 15تموز، وأجرى مباحثات مع المستر ( بيفن ) استكمالاً للمحادثات التي بدأت في بغداد، وبعد عودة الوصي إلى العراق استأنفت المباحثات بين الطرفين في 22 تشرين الثاني، واستمرت حتى 4 كانون الأول، وكان الجانب البريطاني يتقدم بمسودات متعددة للمعاهدة الجديدة،وسافر (نوري السعيد )و( فاضل الجمالي )وزير الخارجية إلى لندن، وأجريا لقاءات متعددة في وزارة الخارجية البريطانية، حيث قدم لهما مساعد وزير الخارجية مسودة جديدة للمعاهدة، وقد اتصل نوري السعيد برئيس الوزراء (صالح جبر) داعيا إياه إلى الحضور إلى لندن لاستكمال المباحثات حول مسودة المعاهدة، وقد لبى صالح جبر الدعوة،وغادر إلى لندن وبصحبته وزير الدفاع ( شاكر الوادي ) و(توفيق السويدي )بعد الاجتماعين اللذين تمم عقدهما في قصر الرحاب، برئاسة عبد الإله، وكان الاجتماع الأول في 28 كانون الأول، وضم ذلك الاجتماع 7 رؤساء وزارات سابقين، و12 وزيراً بالإضافة إلى رئيس الديوان الملكي ( أحمد مختار بابان )، ثم تلاه الاجتماع الثاني في 3 كانون الثاني حيث نوقشت فيه النقاط الأساسية التي سيتم التفاوض بشأنها. ويقول السيد توفيق السويدي في مذكراته أن صالح جبر كان قد وزع على الحاضرين مسودة المعاهدة باللغة الإنكليزية، وعندما طالبته بنسخة عربية أجابني أنه لم يتسن لنا ترجمتها إلى العربية، ويضيف السويدي قائلا بأنه لم يجد ما يستوجب الاعتراض من الجانب السياسي، ولكن وجدت الجانب العسكري عليه الكثير من الاعتراضات، وقد رد عليّ صالح جبر بان هذا الأمر مدروس من قَبلْ، ومتفق عليه بهذا الشكل، وليس فيه ما يستوجب الاعتراض، الأمر الذي دل بوضوح على أن المعاهدة قد وضعت، واتُفق على موادها سلفاً،وإن الوصي أراد إضفاء الشرعية عليها، وفي نهاية الاجتماع تم تخويل الوفد العراقي برئاسة( صالح جبر )صلاحية التوقيع على المعاهدة (2)
وعندما سرت أنباء اجتماعات قصر الرحاب، سارعت الأحزاب الوطنية الى الاحتجاج عليها بسبب استبعاد الشخصيات الوطنية منها، أصدرت بيانات تندد بالحكومة وتستنكر سعيها لربط العراق بمعاهدة جديدة اشد وطأة، وتمتهن سيادة واستقلال البلاد، مستهترة بإرادة الشعب وحقوقه المشروعة، وظهرت تلك البيانات في الصحف في اليوم التالي .
لكن الحكومة مضت في خططها لإتمام الصفقة مع المحتلين البريطانيين متحدية إرادة الشعب، حيث أعلن عن سفر الوفد العراقي إلى لندن في 5 كانون الثاني 1948 .
وجاءت تصريحات وزير الخارجية فاضل الجمالي، والتي أشاد فيها بالمعاهدة العراقية البريطانية الموقعة في حزيران 1930، وبجهود الحكومة لعقد معاهدة جديدة مع الحليفة بريطانيا، وأهمية وضرورة عقدها، لتشعل أول شرارات الوثبة، فقد كانت تصريحات الجمالي استفزازية وقحة دفعت طلاب الكليات إلى الخروج في تظاهرات صاخبة تستنكر سعي الحكومة لعقد المعاهدة الجديدة، وقام طلاب كلية الحقوق بدور بارز في تلك التظاهرات، لكن الحكومة سارعت إلى دفع قوات الشرطة للتصدي للتظاهرات مستخدمة أساليبها القمعية المعروفة لتفريقها، وقد أصيب عدد من الطلاب في الصدام، واعتقل البعض الأخر، وأقدمت الحكومة على تعطيل الدراسة في كلية الحقوق، في 5 كانون الثاني، وقد احتج أساتذة الكلية على اجراءات الحكومة وأساليبها القمعية في تعاملها مع الطلاب المتظاهرين، لكن الحكومة ردت باعتقال عدد من أساتذة الكليات والطلاب، واتهمتهم بحمل المبادئ الهدامة .
ونتيجة لسلوك الحكومة هذا إزاء الطلاب وأساتذة الكليات أعلن طلاب الكليات والمعاهد العالية إضرابهم عن الدراسة، وخرجوا في تظاهرات صاخبة سارت حتى بناية مجلس النواب للاحتجاج على الحكومة .
وبسبب تسارع الأحداث وتطورها،حاول وكيل رئيس الوزراء ( جمال بابان ) تهدئة الأوضاع فأمر بإعادة فتح كلية الحقوق،وإطلاق سراح الطلاب وأساتذتهم المعتقلين .
إندلاع الوثبة
على أثر إعلان نص المعاهدة التي وقعها (صالح جبر ) مع (ارنست بيفن ) وزير الخارجية البريطاني اجتاحت البلاد موجة عارمة من الغضب الشعبي العارم، ونشرت الأحزاب الوطنية في 18 كانون الثاني البيانات المنددة بالحكومة والمعاهدة، وطالبت البيانات باستقالة حكومة صالح جبر ورفض المعاهدة التي جاءت أقسى من معاهدة 1930 وأشد وطأة .
وسارع طلاب الكليات والمعاهد العالية إلى إعلان الإضراب العام، وتشكيل ( لجنة التعاون الطلابي ) التي ضمت مختلف الاتجاهات السياسية والحزبية، وقامت التظاهرات الصاخبة في بغداد، ثم ما لبثت أن امتدت إلى مختلف المدن العراقية في 18 كانون الثاني، وتصاعدت موجة التظاهرات في اليوم التالي عندما انضم إليها العمال والكادحين من سكان الصرائف المحيطة ببغداد،والكسبة والمدرسين والمحامين وسائر طلاب المدارس الثانوية والمتوسطة، واتجهت التظاهرات الى بناية مجلس النواب، وكانت الجماهير تنظم إليها خلال مسيرتها، والكل يهتفون بسقوط الحكومة وحل المجلس النيابي، ورفض المعاهدة .
سارعت الحكومة إلى إصدار بيان أذيع من دار الإذاعة، هددت فيه بقمع التظاهرات بكل الوسائل والسبل، وقد شكل البيان استفزازاً كبيراً لجماهير الشعب دفعهم إلى تحدي السلطة،وأعلن طلاب المدارس كافة تضامنهم مع جماهير الشعب وتحدي البيان.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.