فندق كويستيان في الذاكرة .. تحفيز جوهري لشخصيات روائية

منتمت

أياد خضير
كثيرةٌ تلك القضايا الإنسانية المتعلقة بالذاكرة والتي تؤسّس بؤرةً مركزية تدور رحاها في أجواء فندق كويستيان بمختلف الثقافات والانتماءات ، ترميزية العنوان يفضح تطابقاً في تجاه تلك القضايا المتعلّقة بالذاكرة ، ذاكرة أبناء الناصرية .. والتفاعل في أجواء الفندق والمواقف الوجودية الحادة لينتج عن ذلك تطابق فلسفي متفاعل .. فعند قراءة العمل الروائي نتجه مع الأحداث إلى الأمام , لكنّ الروائي خضير فليح الزيدي لفت انتباهي عندما قرأتُ عتبة روايته ” فندق كويستيان ” إنّه سيقصُّ حكايته بعكس كلّ القصص والروايات من النهاية إلى البداية ، أي على عكس عقرب الساعة ، مما دفعني إلى مواصلة القراءة بوعي وأناة ، فكانت حركة ذكية من المؤلف في البحث عن زمن مستقطع والعودة إليه للبحث عن مخطوطته ، رواية ( حديث الريم ) والتي أودعها عند صديقه “علي عبد الهادي بندر ” قبل أن يغادر العراق إلى المانيا وبقاؤه مغترباً فيها لأكثر من 23 سنة ، عاد إلى بغداد تاركاً صديقته القطة ( سيسو ) التي كان يمسِّدُ شعرها ، وتاركاً ألمانيا وشوارعها وأزقتها ، رجع إلى بغداد تلك العاصمة التي تسحره في هذا الوقت العصيب ، هذا الوطن الذي شبهه بلعبة ( الحية والدرج ) التي عندما كنّا صغاراً نلعبها وقانون لعبتها الابتعاد عن فك الأفعى لكنّه عندما يتقدّم اللاعب إلى أعلى السلم فإذا وقع في فكّ الأفعى فإنها تعيده إلى الأسفل وهنا يتجلّى استحضار للماضي ليكوّن كناية عن مبرر العودة المربك ، فالإنسان مهما ابتعد عن موطنه الاصلي ، حتما سيعود إليه مهما يصل من مرتبة عالية ، ومن الاستحضارات الضاغطة على قرار البطل بالعودة مهما يكن هو ماضيه حينما يتذكر طيفاً قديماً لصورة حبيبته ( رباب حسن ) لكنّه يعيش حالة صراعٍ عندما يجلس في المقهى مع أصدقائه ليسمع مدى الخراب الذي حلَّ في بغداد من قتل وحرق وانتهاك لحقوق الإنسان ، ويلام من أصدقائه لأنه قرّر أن يعود في هذا الظرف الصعب ، خصوصا عندما وصل الأمر إلى تفجير المرقدين الشريفين في سامراء وهنا يتشكّل عنصر ضاغط على البطل بين الماضي الذي يجذبه والحاضر الذي يشكل حدثاً معاكساً متضاداً مع نزوع البطل بالعودة لينشأ صراعٌ شفيف يمنح الحدث المركزي دفقاً متوتراً ، وتتجلى أبعاد إشكالية البطل في دوامة الصراع مع الذات والخارج إنه لم ينس حبّه لرباب حسن بعد أن تجاوز عمره الخمسين سنة ، إذ ليس من المعقول أن يبقى في ألمانيا مع قطته ( سيسو ) وهو الذي ترك العراق منذ أكثر من 23 سنة ، كلُّ المآسي تحولت إلى ذاكرة متوهجة تتفجر بين الحين والحين وأيضاً حبّه لرباب كان من طرف واحد ، المرأة التي كان يساعدها في البحث عن زوجها المفقود في حرب ثماني السنوات ، حالة الحبِّ الإنسانية التي يعيشها والتي كان كاتماً لأسرار هذا الحبّ ، وهو الآن بعد أن تجاوز الخمسين سنة يبوح بها، ولأنّه لا يريد أن يموت في الغربة ويتعفن كما حدث للكثيرين غيره وما سمعه من قصص مروّعة عن ذلك المصير الفجائعي ، لقد شكّل استحضار الحب حافزاً حركياً أدى إلى ما يعرف بالتحفيز الذي يساهم بفاعلية في تحريك الحدث في صلب الرواية وبؤرة حثٍّ دافقة كما يرى الناقد الشكلاني تشوماتشفسكي : ( أي حافز جديد وأساس في صلب الرواية ، ينبغي أن يكون مبرراً ، أي ينبغي أن تكون له علاقة شديدة بمجموع الرواية ..)(1) لهذا كان حافز الحب لرباب هو تحفيز جوهري في صلب الرواية متعالق بأواصر منطقية بمجمل نسيج الرواية .
الروائي الزيدي جسّد دور المرأة العراقية ومعاناتها في البحث عن زوجها المفقود ، وكانت رباب حسن النموذج التشريحي العميق للمرأة التي تتألم مكللة بذلك الحزن المقيت والعذاب وهي تشاهد انهيار العش الزوجي ، كان ناصر رشيد فوزي يساعدها في البحث عن زوجها لكنّه يقع أسيرَ حبّها دون أن تدري ، يتجوّل بنا السارد أثناء خدمة ناصر العسكرية بين التوابيت وبرادات الجثث في مركز تسليم وتسلم الجثث ومع تحفيز حواسنا من إيحائية جعل المقروء متجسداً من الروائح التي تزكم الانوف والجثث المتراكمة ويورد معادلاً ترميزياً حينما يربط الرائحة بتراسل حواس مع حاسة التذوق لتكون الرائحة النتنة للموت كطعم تفّاحة متعفنة ويربطها بدلالة الأزهار والورود في حديقة مخفية وراء ثلاجة الموتى والتي ترتوي من بقايا الدماء وأشلاء الجثث بسرد موضوعي بسيط يجعله وجوداً ملموساً أمامنا بلغة مرئية التفاصيل حتّى يتمكّن المتلقي من رؤية الاحداث كلّها ، ويدخله إلى أعماق الشخصيات وينتقل في الزمان والمكان فيقرّب البعيد ويبعد القريب بسرد ملحمي واضح يظل وسيطا بين القارئ وبين الأحداث .
( الجنود في اثناء التدريب يمزقون الكلاب ويأكلونها ، حتى تكتمل دورة الحياة عندما يتحول الجنود الى جثث وتأكلها الكلاب في براري الحرب ) ص31
عندما اكتشفوا عن طريق الصدفة بأنّ جندياً شغل اسمه ( عبد الرزاق ) كان يترك الكيس الأسود الذي تحفظ فيه الجثث مفتوحاً ويهرب خائفا فتنبش الكلاب المتوحشة الجثة خلف مدفن المركز .. يداهمنا الحزن والألم عمّا يحدث في مراكز تسليم وتسلم جثث الجنود إبّان حرب الثمانينات وكيف تتجلى حالة من قتامة الحياة ودرتها الغرائبية فما تأكله يأكلك ومن يكون هو الجاني في طور زماني يكون مجنىً عليه في دورة أخرى .
إنّ تقنية تعدد الأصوات في الرواية وهو ما يعرف نقدياً بـ( تعدد الرواة ) الذي يكون لكلّ راوٍ زاوية نظر معينة يسرد من خلالها الأحداث والوقائع مما يمنح النسيج الروائي ثراءً وتوهجاً ويمنحه مستويات دلالية متعددة يقول الدكتور حميد الحمداني في كتابه بنية النص السردي : (يسمح الحكيُ بتعدد الرواة ، ومن الطبيعي أن يختصّ كل واحدٍ منهم بسرد قصّته أو على الأقل بسرد قصّة مخالفة من حيث زاوية النظر وهذا ما يسمّى عادةً بالحكي داخل الحكي ، وعلى مستوى الفن الروائي يؤدي هذا إلى خلق شكل روائي متميز ) (2) ، فهمام وجاسم وناصر علي عبد الهادي وناصر رشيد فوزي وهي منتج ملموس .. نص بين يدي القارئ صادرة من منتج وهو المؤلف وليس بالضرورة ان تكون في واقع الامر ، صحيح إنها تنطلق من واقع معين لكنّها لا تعيد تشكيله حرفياً على الاطلاق فهي ترسم واقعاً توهمك بأنّها تعكس العالم الحقيقي لكنّها لا تفعل ذلك إنّ رواية فندق كويستيان جسّدت المأساة الحقيقية للثقافة العراقية يوم الانفجار المروّع الذي حدث في شارع المتنبي بسيارة بيكب 2طن مفخخة يوم 5/3/2007 الساعة العاشرة وأربعين دقيقة والذي سمّي (بكرنفال محرقة الكتب العظيمة) ، تطرق السارد إلى الشاعر العراقي الذي نقف اجلالاً لموقفه الوطني الشاعر سلمان داود محمد الذي أحرق قميصه فوق انقاض الكتب احتجاجاً على المشاركة بمسابقة الاحتراق حيث تحولت مأساة الاحتراق إلى مسابقة شعرية للفوز بالجائزة إنّ رمزية إحراق القميص لها دلالاتٌ متعددةٌ بمستويات إيحائية مختلفة منها ما يدله الثوب على الاستتار والحماية ليكون متعالقاً مع معنى احتراق الكتب فكما الكتب تنمي وتحمي عقولنا فالثياب تحمي الجسد فلا قيمة بحماية الجسد من العري إذا تعرت حياتنا من الذي يحميها ويستر عوراتها ألا وهي الكتب .
( استمرت المحرقة لأربعة أيام متتالية بعد تفجير مفخخ لشارع المتنبي .. شارع الكتب والكتبيين ومعقل الثقافة في سرة بغداد ) ص60
انجرفت المحروقات إلى نهر دجلة بمياه المطافئ طيلة أربعة أيام وهو ( تناص ) مضمر يحيلنا إلى تذكر مجزرة احراق الكتب ورميها في نهر دجلة من هولاكو عام 656هـ إبان اجتياح المغول والتتار بغداد ..تنتشر رائحة المحروقات ورائحة حبر المطابع بألوانها الأسود ، والأزرق ، والذهبي الذي يطرّز المجلدات .
( بعد يوم المحرقة العظيم مرّت الأيام رمادية في شارع المتنبي .. يخرج الدخان من فم الشاعر المتنبي ، ميتة ثانية مطعوناً بشظية تمكنت منه وذبحته ..) ص62
أثناء قراءتنا للرواية تنبعث الحياة في الشخوص ، ويضج العالم الروائي بالحركة وتتأرجح المشاعر والأحاسيس وهذه قيمة ابداعية تضاف للرواية ، يدخل الراوي قيصرية الحنش ليبحث عن المخطوطة التي اودعها عند صاحبه ( علي عبد الهادي ) رواية ( حديث الريم ) وهي تعود إلى حرب ثماني السنوات والتي تحتوي على الكثير من الأسرار والمشاعر الإنسانية والموت المجاني ، رواية حديث الريم يكشف لنا الزيدي عن علاقة البطل مع سيدة تدعى ( رباب حسن ) والتي تسكن في بغداد وبسبب فقدان زوجها يلتقي بها مصادفة ويساعدها في البحث عن زوجها المفقود في الرحلة من بغداد إلى البصرة بسيارة الريم .
ظلَّ يسأل صديقه علي عبد الهادي (أبو الجرايد ) عن المخطوطة التي أرسلها إلى أحد دور النشر في شارع المتنبي لغرض معرفة تكلفة الطبع اودع بدوره نسخة مصورة لدى صديقه كريم حنش في قيصرية الحنش ، ظل ناصر رشيد فوزي يبحث عن المخطوطه في الانقاض وعند متعهدي النقل الذين يقومون بنقل المخلفات للاستفادة منها وبيع ما هو صالح منها ، أثناء وجوده في القيصرية وجد النسخه المصورة عند كريم حنش .
الرموز والدلالات في الرواية والتي تجسّدت في الحروب الطويلة التي خاضها العراق ( فوق السبع وتحت السبع ) تحت السبع الحروب ثماني السنوات وفوق السبع الحروب الطائفية ( تناص ) مع اللعبة التي كنا نمارسها فوق السبع وتحت السبع لكسب الرهان او الخسارة وهي أصبحت معادلاً موضوعياً متعالقاً مع الحدث التاريخي وذات طاقة إيحائية هائلة بين استحضار الماضي وإدراك الحاضر .
إنّ ادخال اللغة العامية في بعض مقاطع السرد جعلها أكثر متعة ، مشوقة ، متماسكة ومنسجمة مع النص فلقد كان الروائي نجيب محفوظ يكثر منها وكذلك الروائي غائب طعمة فرمان في روايته النخلة والجيران ، عندما اطلع كريم حنش على الرواية لغرض طباعتها أراد أن يحذف منها مقاطعَ كما كانت الحكومة تحذف بعض النصوص رفض ناصر رشيد الملقب بكاكه ناصر ، اتضح بأنّ رباب التي يبحث عنها هي بطلة الرواية الحقيقية والتي كان يحبها من طرف واحد ، بعد معاناة كبيرة استطاع أن يتوصل إلى معلومة بأنها موجودة تسكن حي الجهاد من مع أخيها الذي يعمل في الشورجة بعد التحايل عليه بأنه صديق زوجها بالعسكرية استطاع أن يعرف العنوان وأن يأخذ رقم موبايلها ، في اليوم التالي استأجر سيارة تكسي للذهاب إليها في حي الجهاد بعد أن اتّصل بها ، كان القتال يدور على أشدّه بين الأمريكان وبعض المليشيات وقوّة من التحالف تتبادل الرصاص والقذائف فيما بينها … تبقى رباب تنتظره بعد أن عرّفته بمكانها لكنّه يخطف من جماعة وفُقِد في ظروف غامضة ولم يستطع اللقاء بـ ( رباب حسن ) حبيبته التي كان يحبها ويعود إليها بعد 23 سنة ، بعد عدة أيام وجدت جثته في إحدى البرادات .
لقد استطاع الروائي خضير فليح الزيدي أن يقدّم رواية في غاية الأهمية تنقل للمتلقي أحداث ثماني السنوات وأحداثاً ما بعد 2003 لتضيف للواقع العراقي المربك جدارة الرواية العراقية وجدارة الروائي العراقي في سرد جميل معبر عما يدور في الشارع العراقي والثقافة العراقية ، لتكون روايته معلماً بارزاً في مسيرة الرواية العراقية ما بعد 2003 وتضيف إلى سفر الإبداع العراقي نموذجاً متفجراً بثرائه الجمالي والمعرفي ووثيقةً مترعة بصدق فني عالٍ عما مرّ به الوطن والمواطن العراقي من دوامة الفجائع وسيول المآسي لكنّ هذا الوطن العريق ونخبته الواعية تبقى كما نخيل البصرة ومسلات أور وبابل ذاكرة صادحة بالحقيقة تتردد أصداؤها في جنبات فندق كويستيان …

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.