آداب الجيرة

خلال انشغالي بمحاولةِ البحث عن سبيلٍ يوفر لعائلتي ما يسد أدنى الحاجات الضرورية من مياه شبكة الإسالة التي تقتضي عملية الحصول عليها توافر متطلبات عدة في مقدمتِها الطاقة الكهربائية، سمعت أصواتاً عالية في زقاقِنا، وحين خرجت لاستيضاح جلية الأمر فوجئت بجاري الودود ( أبو أحلام ) وهو يلقي إحدى خطبه العصماء التي اعتدنا على سماعِها منذ أنْ جاورَنا قبل عقدين من الزمان.

استقى أبو أحلام خطبته في هذه الظهيرةِ القائظة من آدابِ الجيرة مصدراً لإلهامه، حيث أطلق عنان لسانه في الخوضِ بأصولِ الجيرة وقواعدها التي تلزم الإنسان مراعاة آداب التعامل مع الجيران، ولاسِيَّمَا المحافظة على تعزيزِ العلاقات الودية، والحرص على الابتعادِ عن السلوكياتِ التي تؤدي إلى إيذاءِ من يجاوره في السكنِ أو القيام بتصرفاتٍ تفضي إلى التسببِ بإزعاجِه.

كلماتُ صاحبنا الهادرة التي كان يطلقها وسط الزقاق بصوتٍ مرتفع تعبيراً عن غضبه الذي يبدو أن مرده يعود بالأساسِ إلى قيامِ أحد سكنة الزقاق بالتخلصِ من نفاياتِ أسرته قسراً بوساطةِ رميها خلسة بالقربِ من بابِ منزله على خلفيةِ امتناع عمال النظافة منذ أكثر من ثلاثةِ أسابيع عن دخولِ زقاقنا تضامنا مع استهجان وزير الكهرباء للفعاليةِ المشينة التي أقدم عليها نحو ( 12% ) من إجمالي السكان في بغدادِ المتمثلة بالتعمدِ في تشغيلِ السخانات المنزلية بهذا الصيف اللاهب، التي شكلت بحسبِ وزير الكهرباء أحد عوامل إخفاق وزارته في فعاليةِ تجهيز المستهلكين بالطاقةِ الكهربائية، الأمر الذي مكن مديرية ماء بغداد من تبريرِ إخفاقها في مهمةِ توفير إمدادات مياه الشرب إلى المستهلكين في العاصمة، غير أن المثير في الأمرِ هو توجيه أبي أحلام الاتهام لصديقه الشخصي الحاج سرحان بالمساهمةِ في حصولِ بعض هذه الاخفاقات؛ بالنظرِ لتعمده إيقاف شاحنته الكبيرة أمام منزله بدعوى عدم قدرته تحمل كلفة مبيتها في المرأب الأهلي البالغة خمسة آلاف دينار عن كلِ ليلة، الأمر الذي أفضى إلى تشجيعِ أشخاص آخرين على إيقاف عجلاتهم بمختلفِ أنواعها أمام منازلهم، ما أدى إلى تكدسِ السيارات على جانبي الطريق، والتسببِ في إعاقةِ حركة المرور داخل الزقاق، التي ربما كانت أحد مبررات امتناع سيارات البلدية عن دخوله على الرغمِ من أهميتِها في مهمةِ المساهمة بتحقيقِ نمط الحياة السليم.

أبو أحلام الذي انتصب خطيباً لأكثرِ من ( 25 ) دقيقة كاد يستمرَ في التحدث لجمهوره، لولا تدخل إمرأة فظة، أيقظها صياحه من قيلولتِها، فأسرعت بالخروجِ من دارِها مضطربة وهي تعنفه وتوبخه بلسانٍ سليط على قبحِ فعلته مستثمرة ضعفه المتأتي من الخشيةِ في الوقوعِ تحت طائلة فصل عشائري لا يقوى على تسديده، فكان أنْ فقد تماسكه وأصيب بإحباطٍ شديد أفضى إلى اضمحلال كلماته وتلاشيها بفعلِ استحالة مغادرتها جوفه.

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.