حرية الإعتقاد

علي العلي

الحرية كلمة جميلة أخّاذة اكتسحت العالم بأسره,فمن مغرّد يدعو إليها,ومن مطالب بها ينشدها,ويبذل دمه في سبيلها.
والحرية العقائدية أو المعتقد ينطوي على أن الإنسان حر في اعتناق الدين الذي يشاء. وهو حر أن يمارس الطقوس الدينية التعبدية بالطريقة التي يشاء,ولكن ضمن حدود عدم الإخلال بالنظام العام والآداب العامة.فلا حرية مطلقة البتة إلا عند من يقول بالمذهب الفوضوي الذي يلغي الأديان والأخلاق والقيم والحكومات وجميع الأنظمة بحجة أنها قيود تقيّد الانسان, فالحقيقة لا يمكن الاعتقاد بحرية مطلقة,وخصوصا على مستوى حرية الاعتقاد,وإلا تحولت هذه الحريات الى فوضى تعيق تقدم الحياة وتفسح المجال للتلاعب بالعقائد. نعم،إن كل أمة تختزن مفهوما للحرية وتستمد قيودها من قناعتها بدينها أو أخلاقها و أعرافها,بحيث نجد هذه القيود قليلة عند أمم,وكثيرة عند أمم أخرى.فالحرية في المفهوم الغربي قائمة على رضا الناس,بينما في المفهوم الإسلامي قائمة على رضا الله تعالى.ولكن بعض الكتّاب المتأثرين بالثقافة الغربية بدأ يطرح إشكالات ليس لها صورة واقعية عن فهم الدين الإسلامي وقراءة نصوصه بشكل موضوعي،فيقول:»الإنسان حرّ في تفكيره،ومقتضى حريته أن يكون حراً في معتقده،فلماذا يفرض الإسلام على الإنسان أن يعتقد بدين الإسلام دون سواه، إذ يقول «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ»؟ ،أما القوانين الغربية أقرب إلى الإنسانية من الإسلام؛من حيث إعطاء الإنسان الحرية الكاملة في التفكير والمعتقد دون قيد او شرط.
والجواب عن هذا التساؤل هو في تحليل معنى الحرية وعلى ماذا ترتكز في قيموميتها:
حرية التفكير/حرية الفرد في أن يكون له آراء أو تصورات مستقلة عن آراء الآخرين حول موضوع معين. فلا احد يستطيع أن يجبر شخصاً على التفكير بأمر معين , أو قمعه وحجره, ففي القمع والحجر ما يصادر إنسانية الإنسان من حيث هو كائن يتميز على غيره،فساحة التفكير ساحة حرة . وهذا ما أقره الاسلام , فقد امتدح الإسلام التفكّر و التدبّر و حثّ عليهما،يقول تعالى:»قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ.. « ويقول جل وعلا أيضاً:»قل سيروا في الأرض ثم انظروا..»انظروا أي تفكروا في خلق الوجود.
الحرية في الاستدلال / لا بدّ ان يكون الاستدلال من سنخية المستدل عليه,فلا يكون صحيح استدلال قاعدة في علم النفس على قاعدة في علم القواعد الفقهية,او اثبات علم الفلك بعلم الطب واثبات علم الرياضيات بعلم التاريخ,فهذا ليس مجالاً للحرية,إذ لا معنى للحرية في الاستدلال،ولو كان بهذه الطريقة لما بقي حجر على حجر ولما ثبت علم من العلوم، فباستطاعة أي شخص أن يقول:أنا لا أؤمن بعلم الطب لأنني حر! ولا بعلم الفلك ولا و لا ,, فأي فكرة من الأفكار لا يصح تثبيتها بالفوضى والخلط بين المعلومات.
حرية الاعتقاد / وهي تابعة الى الدليل,فقبل أن يقوم دليل،الإنسان حر،لكن بعد أن يقوم دليل لا يصح له أن يقول بأنه حر, وهذا خلاف العقل،فإذا قام الدليل على وجود الله تعالى لا يصح للإنسان أن يقول:حتى لو كان هناك دليل أنا حر! فلو جيء بشخص مريض وجعلوا له تحليلات واكتشف الأطباء وجود مرض خبيث،وقالوا له:هذا التحليل دليل أوجب لنا اليقين بأن لديك مرضًا معينًا،فهل يصح له أن يقول:أنا حر في أن أعتقد بوجود المرض فيَّ أم لا؟ قطعا لا؛لأن اليقين بالدليل يساوي الدليل بالنتيجة وليس من حقه أن يفرق بينهما،فمبدأ الحرية الإعتقادية يقره الإسلام وفي نفس الوقت فإنه يدعو الى انتهاج السبل الصحيحة للوصول الى اليقين وخصوصا على المستوى العقائدي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.